Scroll Top

المستحبّات الشرعيّة عند ذبح الأضحية

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على سيدِنا رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وعلى آلهِ وصحبِهِ ومن والاه.

أمَّا بعدُ؛

فإنَّ الأُضحيةَ مِن شعائرِ الإسلامِ العظيمةِ التي شرعها اللهُ تعالى إحياءً لسُنَّةِ الخليلِ إبراهيمَ عليه السلام، واتباعًا لهديِ سيدِنا محمدٍ ﷺ، وقد ندب الشرعُ إلى جملةٍ من الآدابِ والسُّننِ التي ينبغي للمضحِّي مراعاتُها حال الذبح؛ تحقيقًا للإحسانِ، وتعظيمًا للشعيرةِ، واتباعًا للسنةِ المطهرة.

فمن آدابِ الذبحِ المشروعةِ: التسميةُ والتكبيرُ عند الذبح، لما ثبت عن أنسٍ رضي الله عنه: “أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، فَرَأَيْتُهُ وَاضِعًا قَدَمَيْهِ عَلَى صِفَاحِهِمَا، يُسَمِّي وَيُكَبِّرُ، فَذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ”(1).

والتسميةُ واجبةٌ مع الذكرِ، ساقطةٌ مع النسيان؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾(2).

ويُستحبُّ أن يقولَ بعد التسميةِ والتكبيرِ: «اللهمَّ تقبَّلْ منِّي»؛ لما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها أن النبيَّ ﷺ قال عند أضحيته: “بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ”(3).

قال الإمام مالك رحمه الله: «يقول على الضحايا باسم الله والله أكبر، فإن أحب قال: اللهم تقبل مني، وإلا فإن التسمية تكفيه»(4).

وأمَّا قولُ بعض الناس: «اللهم منك وإليك» فقد كرهه الإمامُ مالكٌ إذا التُزم على جهةِ السُّنِّيَّةِ الملازمةِ للذبح؛ لأنَّه لم يجرِ به عملُ أهلِ المدينة.

قال ابنُ القاسم رحمه الله: «فقلتُ لمالك: فهذا الذي يقول الناس: اللهم منك وإليك؟ فأنكره وقال: هذه بدعة»(5).

غيرَ أنَّ أهلَ العلمِ حملوا الكراهةَ على اعتقادِ لزومِه وسُنِّيَّتِه الخاصةِ بالذبح، أمَّا إذا قيل على جهةِ الدعاءِ المطلقِ فلا حرجَ فيه.

ومن السُّننِ أيضًا: إضجاعُ الشاةِ على جنبِها الأيسرِ برفقٍ، لأنَّه أيسرُ للذابحِ في إمساكِ الرأسِ باليسرى والذبحِ باليمنى، وهو الموافقُ لفعلِ النبيِّ ﷺ.

قال ابنُ رشد رحمه الله: «الصواب أن يضجعها على شقها الأيسر، لأنه الذي عليه عمل الناس»(6).

كما يُندبُ توجيهُ الأضحيةِ إلى القبلة؛ لأنها أشرفُ الجهات، وقد ثبت أن النبيَّ ﷺ وجَّه أضحيتَه ثم قال: “إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ…”(7).

فإن ذبحها إلى غير القبلة أجزأت مع الكراهة عند المالكية.

ومن الآدابِ كذلك: أن يذبحَ بيده اليمنى إن استطاع، وأن يُحسنَ إلى الذبيحةِ؛ لأنَّ الإحسانَ مطلوبٌ في كلِّ شيء.

قال رسولُ اللهِ ﷺ: “إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ”(8).

ومن الإحسانِ إليها: أن تُحدَّ الشفرةُ قبل إضجاعِها، وألَّا تُحدَّ أمامَها؛ لما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبيَّ ﷺ رأى رجلًا يُحدُّ شفرته والشاةُ تنظر إليه فقال: “أَتُرِيدُ أَنْ تُمِيتَهَا مَوْتَاتٍ؟ هَلَّا حَدَدْتَ شَفْرَتَكَ قَبْلَ أَنْ تُضْجِعَهَا؟”(9).

ويُكرهُ أن تُذبحَ شاةٌ وأخرى تنظرُ إليها، لما في ذلك من تعذيبِ الحيوانِ ومخالفةِ الإحسانِ المأمورِ به شرعًا.

كما يُستحبُّ سوقُها برفقٍ دون جرٍّ أو تعنيفٍ، فقد رأى عمرُ بنُ الخطاب رضي الله عنه رجلًا يجرُّ شاةً ليذبحها فضربه بالدِّرَّة وقال: «سُقْهَا لَا أُمَّ لَكَ إِلَى الْمَوْتِ سَوْقًا جَمِيلًا»(10).

ومن تمامِ الإحسانِ: ألَّا يُبادرَ إلى سلخِها أو قطعِ شيءٍ منها حتى تزهقَ روحُها وتبردَ؛ لأنَّ ذلك أرفقُ بها وأبعدُ عن تعذيبِها.

قال الإمام مالك رحمه الله: «لا تنخع ولا تقطع رأسها ولا شيء من لحمها حتى تزهق نفسها»(11).

وخلاصةُ الأمرِ أنَّ المقصودَ من هذه الآدابِ كلِّها تحقيقُ معنى الرحمةِ والإحسانِ الذي جاءت به الشريعةُ، وتعظيمُ شعيرةِ الأُضحيةِ، واتباعُ هديِ النبيِّ ﷺ في ذبحِه ونُسُكِه، فإنَّ خيرَ الهديِ هديُ محمدٍ ﷺ.

واللهُ تعالى أعلم، وهو الموفِّقُ والهادي إلى سواءِ السبيل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) متفق عليه: البخاري (5558)، ومسلم (1966).
(2) سورة الحج: 36.
(3) أخرجه مسلم (1967).
(4) المدونة (1/429).
(5) المدونة (1/429).
(6) البيان والتحصيل (3/369).
(7) أخرجه أبو داود (2795) وابن ماجه (3121).
(8) أخرجه مسلم (1955).
(9) أخرجه الحاكم (7563) والبيهقي.
(10) أخرجه عبد الرزاق والبيهقي.
(11) المدونة (1/428).