الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على سيدِنا محمدٍ وعلى آلهِ وصحبِهِ أجمعين، أمَّا بعدُ:
فإنَّ أيامَ التشريقِ من الأيامِ المباركةِ التي عظَّمها الشرعُ، وخصَّها بمزيدِ فضلٍ وذكرٍ وشكرٍ لله تعالى، وهي من تمامِ شعائرِ عيدِ الأضحى المبارك.
أولًا: تعريف أيامِ التشريقِ؟
أيامُ التشريقِ هي الأيامُ الثلاثةُ التي تلي يومَ النحرِ، وهي: الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من شهرِ ذي الحجةِ.
وسُمِّيَتْ بذلك لأنَّ الناسَ كانوا يُشرِّقون فيها اللُّحومَ؛ أي: يُقدِّدونها ويجففونها في الشمسِ حتى لا تفسدَ(1).
وقد قال النبيُّ ﷺ: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِلَّهِ»(2).
ثانيًا: فضلُ أيامِ التشريقِ؟
أيامُ التشريقِ من الأيامِ الفاضلةِ ، وهي أيامُ فرحٍ وسرورٍ للمسلمين، شرع اللهُ فيها إظهارَ نعمتِه بالأكلِ والشربِ والذكرِ.
وقد أمر اللهُ تعالى بالإكثارِ من ذكرِه فيها فقال سبحانه: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: 203].
قال جمهورُ المفسرين: المرادُ بالأيامِ المعدوداتِ أيامُ التشريقِ(3).
وفيها يكثرُ الحجاجُ من ذكر الله ويرمون الجمارِ، ويشاركهم غيرُ الحجاجِ بالإكثارِ من الطاعاتِ والذكرِ والشكرِ.
ثالثًا: الأعمالُ المستحبَّةُ في أيامِ التشريقِ؟
يُستحبُّ للمسلمِ في هذه الأيامِ جملةٌ من الأعمالِ الصالحةِ، من أهمِّها:
1- الإكثارُ من ذكرِ اللهِ تعالى: وأعظمُ ذلك التكبيرُ المطلقُ والمقيَّدُ عقبَ الصلواتِ، والتهليلُ والتحميدُ والتسبيحُ؛ امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾.
2- إظهارُ شعيرةِ الفرحِ بنعمةِ اللهِ تعالى: فأيامُ التشريقِ شُرعتْ لإظهارِ نعمةِ اللهِ تعالى على عبادِه بعد تمامِ أعظمِ مواسمِ الطاعةِ، ولذلك ندب الشرعُ فيها إلى الأكلِ والشربِ والتوسعةِ على الأهلِ مع الإكثارِ من ذكرِ اللهِ تعالى وشكرِه؛ لقوله ﷺ: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِلَّهِ»(4).
ومن أجلِ ذلك نهى النبيُّ ﷺ عن صيامِها؛ لأنها أيامُ ضيافةٍ وإكرامٍ من الله تعالى لعبادِه.
3- المحافظةُ على الصلواتِ وسائرِ الطاعاتِ كقراءةِ القرآنِ، وصلةِ الأرحامِ، والصدقةِ، وشكرِ اللهِ تعالى على نعمِه، والاجتهادِ في الطاعةِ؛ فإنها أيامُ عبادةٍ وذكرٍ وليست أيامَ غفلةٍ ولهوٍ مجرد.
4- التكبيرُ عقبَ الصلواتِ: وهو من أبرزِ شعائرِ هذه الأيامِ، ويبدأُ التكبيرُ من ظهر يوم النحر إلى فجر ٱخر يوم من أيام التشريق ، قال الإمام مالك رحمه الله “الأمر عندنا أن التكبير في أيام التشريق دبر الصلوات وأول ذلك تكبير الإمام والناس معه دبر صلاة الظهر من يوم النحر وآخر ذلك تكبير الإمام والناس معه دبر صلاة الصبح من آخر أيام التشريق ثم يقطع التكبير، و قال مالك رحمه الله والتكبير في أيام التشريق على الرجال والنساء من كان في جماعة أو وحده بمنى أو بالآفاق كلها واجب” (5).
ويستحب التكبير في البيوت والأسواق والدور والطرق والمساجد وغيرها وسائر الأماكن، لقوله تعالى: ( وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ ) البقرة 185، ولفعل الصحابة رضوان الله عليهم فقد أورد البخاري في صحيحه أن الصحابة كانوا يكبرون في السوق وبمنى وفي المسجد، وكان ابن عمر -رضي الله عنه- يكبِّر بمني تلك الأيام، وخلف الصلوات، وعلى فراشه، وفي مجلسه وممشاه تلك الأيام جميعاً.
وأما صيغة التكبير عقب الصلوات في أيام التشريق فالمعتمد عند المالكية هو تكرار التكبير ثلاث مرات متتالية بهذه الصيغة: «اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ» وقد وردت صيغ أخرى ، من أشهرها (اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ).
وخلاصةُ الأمرِ أنَّ أيامَ التشريقِ أيامٌ مباركةٌ شرع اللهُ فيها ذكرَه وشكرَه وإظهارَ نعمتِه، فينبغي للمسلمِ أن يعمُرَها بالطاعاتِ، ويجتنبَ الغفلةَ والمعاصي، رجاءَ الفوزِ برحمةِ اللهِ ورضوانِه.
واللهُ تعالى أعلمُ، وهوَ الموفِّقُ والهادي إلى سواءِ السبيل.
(1) انظر: «النهاية في غريب الحديث» لابن الأثير (2/ 467).
(2) أخرجه مسلم في «الصيام» رقم: (1141) من حديث نُبَيْشَةَ الهذلي رضي الله عنه.
(3) انظر: «تفسير الطبري» (4/ 536)، و«تفسير القرطبي» (3/ 2).
(4) أخرجه مسلم في «الصيام» رقم: (1141).
(5) شرح الزرقاني على موطأ الامام مالك (2/549)

