الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على سيدِنا رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وعلى آلهِ وصحبِهِ ومن والاه.
أمَّا بعدُ: فإنَّ الأضحيةَ من أعظمِ شعائرِ الإسلامِ الظاهرة، شرعها الله تعالى إحياءً لسُنَّةِ الخليل إبراهيم عليه السلام، وتقربًا إليه سبحانه بإراقةِ الدم في الأيام المعلومات، وقد داوم النبيُّ صلى الله عليه وسلم عليها وحثَّ أمته على إحيائها.
والأصلُ عند جمهورِ أهلِ العلم، وهو المشهورُ في مذهبِ الإمام مالك رحمه الله، أنَّ ذبحَ الأضحيةِ أفضلُ من التصدُّقِ بثمنها؛ لما يجتمع فيها من معاني التعبدِ بالذبح، وإحياءِ الشعيرة، والتوسعةِ على الأهلِ والمساكين، بخلاف الصدقةِ المجردةِ التي تختصُّ بالمال فقط.
وقد علَّل العلماءُ ذلك بأنَّ الأضحيةَ عبادةٌ اجتمع فيها العملُ البدنيُّ والماليُّ، فكانت أبلغَ في تحقيقِ معنى التعبدِ والقربة، ولأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ضحَّى وأمر بالأضحية، ولم يُنقل عنه أنه عدل عنها إلى التصدق بثمنها، وكذلك كان عملُ الصحابةِ رضي الله عنهم من بعده، ولو كانت الصدقةُ بثمنها أفضلَ لسبقوا إليها.
قال سحنون لابن القاسم: “هل سألتَ مالكًا عن الرجل يتصدق بثمن أضحيته، أحبُّ إليه أم يشتري أضحية؟
قال: قال مالك: لا أحبُّ لمن كان يقدر على أن يضحي أن يترك ذلك”(1).
وقال ابنُ حبيب رحمه الله: “وهي أفضلُ من العِتْقِ ومن عظيمِ الصدقة؛ لأنَّ إحياءَ السنَّة أفضلُ من التطوع” (2)
ورُوي عن الإمام مالك رحمه الله ـ كما نقله ابن المنذر ـ أنَّ الصدقةَ قد تكون أفضلَ في بعض الأحوال، وهو قول أبي ثور، ورُوي عن الشعبي، كما رُوي عن ابن وهب عن مالك أنَّ الصدقةَ بثمن الأضحية للحاجِّ أفضلُ من الأضحية؛ لأنَّ الإمام مالكًا لا يرى للحاج أضحية، فدلَّ ذلك على أنَّ الأفضليةَ عنده لغير الحاج باقيةٌ للأضحية على أصلها.
وقد قرر أهلُ العلم أنَّ العدولَ عن الأضحية إلى التصدق بثمنها على وجه الإطلاق يؤدي إلى إماتةِ هذه الشعيرةِ العظيمة، وهي من الشعائر التي قرنها الله تعالى بالصلاة؛ قال سبحانه: “فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ” الكور(2). وقال تعالى: “قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ” الأنعام (162).
غير أنَّ أهلَ العلم استثنوا من ذلك ما إذا وُجدت حاجةٌ شديدةٌ أو ضرورةٌ متحققة، كأن يكون للمسلم قريبٌ مريضٌ محتاجٌ إلى دواءٍ أو علاجٍ، ولا يجد من يعينه، فحينئذٍ تكون إعانتُه وتفريجُ كربته أولى من الأضحية، لأنَّ دفع الضررِ عن المسلم وإغاثةَ المحتاجِ من المقاصد العظيمةِ التي جاءت بها الشريعة، ويعضد هذا الاستثناء ما نقل عن مالك في رواية ثانية تفضل الصدقة إذا كانت أشد نفعا، وقد نقلها الزرقاني في شرح الموطأ وهذا نصه ” المشهور عند مالك وأصحابه هو تفضيل الأضحية، وعن مالك أيضا والشعبي وغيرهما الصدقة أفضل”(3)
وعليه، فالأصلُ أنَّ ذبحَ الأضحيةِ أفضلُ من التصدق بثمنها لمن قدر عليها، لما فيها من إحياءِ السنَّةِ وإظهارِ شعائرِ الإسلام، إلا إذا عارض ذلك حاجةٌ شديدةٌ أو مصلحةٌ راجحةٌ تتعلقُ بإنقاذِ محتاجٍ أو دفعِ ضررٍ محقق، فحينئذٍ تُقدَّر الأمورُ بقدرها.
واللهُ تعالى أعلم، وهو الموفِّقُ والهادي إلى سواءِ السبيل.
(1) المدونة الكبرى (2/3).
(2) بلغة السالك (1/311)
(3) شرح الزرقاني على الموطأ (3/ 120)

