Scroll Top

كلمة عميد جامع الجزائر في الملتقى الوطنيّ: “نحو التكامل المعرفيّ بين العلوم الكونيّة والعلوم الشرعيّة”

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الّذي خلق الإنسان، وعلّمه البيان، وفتح له أبواب النّظر في الآي المسطور والكتاب المنظور، وجعل العلم سبيلا إلى معرفته، والعقل أداة لتدبّر سننه.

والصّلاة والسّلام على سيّدنا ونبيّنا محمّد، أقام حضارة لم تعرف خصومة بين هداية الوحي واكتشاف الكون، ولا بين نور الشّرع وأداة العقل؛ بل جعلت من طلب العلم عبادة، ومن إعمار الأرض رسالة،
ومن معرفة الخالق والخلق طريقا واحدا إلى الإصلاح في الأرض وتحقيق الاستخلاف.

أصحاب المعالي والسّعادة. أصحاب الفضيلة والسّماحة.

السّادة الأساتذة الأفاضل. حضرات السّادة والسّيدات؛

أبنائي الطّلبة والطّالبات.

أيّها الحضور الكريم.

 السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد؛

فيسعدني أن ألتقي بكم في افتتاح هذا الملتقى العلميّ، الذي اخترنا له عنوانا يختزل قضيّة من أهمّ قضايا النّهضة العلميّة في عصرنا:

“نحو التكامل المعرفيّ بين العلوم الكونيّة والعلوم الشرعيّة”.

ولعلّي أبدأ بسؤال أراه سابقا لكلّ حديث عن التكامل: لماذا أصبحنا نتحدّث اليوم عن التّكامل المعرفيّ؟

إنّنا، في الحقيقة، لا ندعو إلى استعادة شيء حاضر، وإنّما إلى استعادة شيء غائب.

ولو كان التّكامل بين العلوم هو الأصل في واقعنا، لما احتجنا إلى أن نجعله عنوانا لملتقى، ولا هدفا لمشروع علميّ. وهنا تكمن المفارقة.

إنّ الأزمة التي نواجهها لا تعود إلى أنّ المعرفة الإنسانيّة قد ضعفت؛ فهي اليوم أكثر اتّساعا من أيّ وقت مضى. وليست لأنّ الإنسان أصبح أقلّ قدرة على الاكتشاف؛ فقد بلغ من التقدّم العلميّ مبلغا لم تعرفه البشريّة من قبل.

ولكنّ السّؤال، الذي يفرض نفسه هو: هل ازداد العلم اتّساعا، بالقدر نفسه، الّذي ازدادت به تكاملا رؤيتنا للإنسان وللكون والحياة؟

لقد تضاعفت المعارف، غير أنّ الجسور بينها أخذت تضيق. وتقدّمت التخصّصات، غير أنّ الحوار بينها أصبح أكثر صعوبة. فغدا كلّ علم يتقن الإجابة عن أسئلته الخاصّة؛ لكنّه يعجز، منفردا، عن الإحاطة بالأسئلة الكبرى الّتي تتعلّق بالإنسان في كلّيته.

ولذلك، لم يكن من قبيل المصادفة أن تتّجه الجامعات الكبرى في العالم، خلال العقود الأخيرة، إلى إعادة التّفكير في حدود التّخصّص، وإلى إنشاء البرامج البينيّة والعابرة للتّخصّصات، بعد أن أدركت أنّ قضايا العصر لم تعد تعرف الحدود التي رسمناها بين العلوم.

غير أنّ هذه المراجعات، على أهمّيتها، تدفعنا، نحن أيضا، إلى مراجعة سؤال آخر: هل كانت المعرفة
في حضارتنا يوما قائمة على هذا الانفصال؟

إنّ الّذي يقرأ تاريخ الحضارة الإسلاميّة قراءة متأنّية، يكتشف أنّ العلماء لم يكونوا يجمعون بين العلوم رغبة في الموسوعيّة، لذاتها، وإنّما لأنّهم كانوا ينطلقون من تصوّر للمعرفة يختلف في أساسه؛ فلقد كانوا يرون أنّ الحقيقة واحدة، وإن تعدّدت طرق الوصول إليها.

فالّذي أنزل الوحي هو الذي خلق الكون، والّذي سنَّ الشرائع هو الّذي أودع في الوجود سننه؛ ولذلك لم يكن النّظر في كتاب الله، والنّظر في خلق الله، مسارين متوازيين لا يلتقيان، وإنّما كانا وجهين لعمليّة معرفيّة واحدة، غايتها أن يعرف الإنسان ربّه، ويفهم عالمه، ويحسّن أداء رسالته في الاستخلاف والعمران.

ولهذا، لم يشعر عالمٌ، كابن الهيثم، أنّ اشتغاله بالبصريّات يبعده عن إيمانه؛ كما لم يرَ البيروني في الفلك والجغرافيا خروجا عن رؤيته الإسلاميّة للكون، ولم يجد ابن النّفيس تعارضا بين الطبّ وأصول الفقه؛ لأنّ القضيّة لم تكن قضيّة تعدّد معارف، بل وحدة رؤية.

ولذلك، فإنّ الّذي ميّز الحضارة الإسلاميّة لم يكن كثرة العلماء الموسوعيّين؛ بل ميّزها وجود فلسفة للمعرفة كانت تجعل التخصّصات المختلفة تتحاور داخل أفقٍ واحد، لا تتنازع فيه، ولا يتوهّم أحدها الاكتفاء بنفسه، والاستغناء عن غيره من التخصّصات.

أيّها الحضور الكريم،

إنّ من الخطإ أن تفهم دعوتنا إلى التّكامل المعرفيّ على أنّها اعتراض على التخصّص؛ كلّا. فالتخصّص
من أعظم منجزات الجامعة الحديثة؛ وبه تطوّرت العلوم، وبه بلغت الإنسانيّة ما بلغته من الدقّة والإبداع. غير أنّ التخصّص يفقد رسالته، حين يتحوّل إلى عزلة، وحين يكتفي كلّ علم بلغته الخاصّة، حتّى يغيب عنه الإنسان الذي وُجدت العلوم جميعا لخدمته.

إنّ التحدّيات الكبرى الّتي تواجه عالم اليوم لا تدخل من باب كلّية واحدة، ولا تخرج من مختبر واحد: فالذّكاء الاصطناعيّ، والاقتصاد، والصّحة النفسيّة، والبيئة، والعمارة، والإعلام، والأمن، والأسرة..
كلّها قضايا تتشابك فيها الأبعاد العلميّة والأخلاقيّة والقانونيّة والإنسانيّة؛ ولا يمكن أيّ تخصّص،
مهما يبلغ من الدقّة، أن يدّعي امتلاك الحقيقة كاملة.

لهذا، فإنّ التّكامل الّذي ننشده ليس جمعا شكليّا بين تخصّصات متجاورة؛ وإنّما هو إعادة بناء العلاقة بينها، على أساس أنّ كلَّ علم يضيء جانبا من الحقيقة؛ وأنّ اكتمال الصّورة لا يتحقّق إلا بتكامل الأنظار، لا بتنازعها.

حضرات السّادة والسّيدات،

من هذا الفهم، جاء مشروع دار القرآن في جامع الجزائر: فلم يكن التّفكير في إنشاء هذه المؤسّسة قائما على إضافة تخصّصات جديدة إليها، وإنّما كان قائما على إعادة الاعتبار لفكرة كبرى، هي أنّ الجامعة الإسلاميّة ينبغي أن تستعيد وحدتها الفكريّة، دون أن تتخلّى عن التخصّص، وأن تنفتح على مناهج العصر، دون أن تفقد خصوصيّتها ومرجعيّتها.

ولهذا، لم يكن اجتماع علوم الشّريعة مع الرّياضيات، وتاريخ العلوم، والماليّة الإسلاميّة، والعمارة، وعلم النّفس، وسائر التخصّصات الّتي تحتضنها دار القرآن، مجرّد تنوّع في البرامج الأكاديميّة؛ بل هي تعبير عن رؤية ترى أنّ المستقبل لن يصنعه الباحث الّذي يعرف أكثر، وإنّما الباحث الذي يربط أكثر؛ أي الّذي يمتلك عمق الاختصاص؛ ويمتلك كذلك القدرة على الحوار، وبناء الجسور، وعلى تحويل المعرفة
إلى مشروع حضاريّ يخدم الإنسان.

إنّنا لا نريد لدار القرآن أن تُخرِّج فقيها يجهل العالَمَ الذي يُفتي لسكّانه، ولا نريد مهندسا يجهل القيم
الّتي ينبغي أن تضبط العمران، ولا اقتصاديّا يفصل الكفاءة عن العدالة، ولا نفسانيّا يغيب عنه البعد الروحيّ في فهم الإنسان؛ بل نريد أن نُسهم في تكوين الباحث الذي يدرك أنّ العلم ليس مجرّد معلومات متفرّقة، وإنّما هو مسؤوليّة؛ وأنّ المعرفة ليست سلطة، وإنّما هي أمانة؛ وأنّ الحضارات لا تنهض بكثرة التخصّصات وحدها، وإنّما بدقّتها وحسن انتظامها، داخل رؤية جامعة.

أيّها السّادة الأفاضل، أيّتها السّيدات الفضليات،

إنّنا لا نزعم أنّ لدينا أنموذجا مكتملا، ولا ندّعي أنّ مجرّد الدّعوة إلى التّكامل كفيلة بحلّ مشكلاتنا؛ ولكنّنا نؤمن بأنّ النّهضة تبدأ دائما من سؤال صحيح، وأنّ بناء المستقبل يبدأ من مراجعة الأسس الّتي يقوم عليها التّفكير وحسن التّدبير.

وملتقانا هذا، بما يجمعه من علماء وباحثين وطلبة، وبما يفتحه من حوار بين تخصّصات متعدّدة يعدّ خطوة في طريق طويل، نرجو أن يفضي إلى بناء ثقافة جامعيّة جديدة، تُحسِن الإصغاء إلى منجزات العصر، وتُحسن، في الوقت نفسه، الإنصات إلى ما تختزنه حضارتنا من رؤى قادرة على بناء الحاضر، والإسهام في صناعة المستقبل.

وإذا كان العالم اليوم يبحث عن جامعة تتجاوز حدود الأقسام والكليّات، فإنّ من واجبنا أن نُسهم في هذا النّقاش من موقعنا؛ لا بالتقليد، ولا بالانغلاق؛ وإنّما بالاجتهاد، مستلهمين تراثنا، منفتحين على عصرنا، مؤمنين بأنّ الحكمة ضالّة المؤمن، وأنّ الحقيقة لا يملكها علم واحد، وإنّما يتكامل النّاس في طلبها، كما يتكاملون في عمارة الأرض والسّعي لإصلاحها.

هذا، والله أسأل أن يبارك أعمال ملتقانا، ويوفّق القائمين عليه، وأن يجعل المدرسة الوطنيّة العليا للعلوم الإسلاميّة “دار القرآن” منارة للعلم الرّصين، وفضاء تتلاقى فيه المعارف، وتتفاعل فيه العقول، وتُبنى فيه جسور المستقبل، خدمة للجزائر، ولأمّتنا، وللإنسانيّة جمعاء.

والله وليّ الإعانة والتّوفيق، والحمد لله ربّ العاملين.