أعطى وزير الدولة، عميد جامع الجزائر، الشّيخ محمّد المأمون القاسميّ الحسنيّ، صبيحة يوم الثلاثاء 22 محرّم 1448هـ، الموافق 07 يوليو 2026م، إشارة انطلاق فعاليات الملتقى العلميّ الّذي تنظّمه المدرسة الوطنيّة العليا للعلوم الإسلاميّة “دار القرآن”، الموسوم بـ: “نحو التّكامل المعرفيّ بين العلوم الكونيّة والعلوم الشّرعيّة”.
شهدت الجلسة الافتتاحيّة حضور مستشاري رئيس الجمهوريّة المكلّف بالشّؤون الدّينيّة والزّوايا والمدارس القرآنيّة، السيّد محمّد حسّوني، والمكلّف بالتّربية والتّعليم العالي والتّكوين المهنيّ والثّقافة، السّيّد نصر الدّين بن طيفور. كما شارك في فعاليات الافتتاح رئيس المجلس الوطنيّ الاقتصاديّ والاجتماعيّ والبيئيّ، الأستاذ الدّكتور محمّد بخاري، ورئيس المجمع الجزائريّ للّغة العربيّة، الأستاذ الدّكتور الشّريف مريبعي، والأمين العامّ لرابطة علماء ودعاة وأئمّة دول السّاحل، الأستاذ الدّكتور خميسي بزّاز، وممثّلون عن وزارات الشّؤون الدّينيّة والأوقاف، والتعليم العالي والبحث العلمي، والتربية الوطنيّة، والمجلس الإسلاميّ الأعلى، والوكالة الجزائريّة للتّعاون الدّوليّ من أجل التّضامن والتّنمية، ونخبة من العلماء والمشايخ والأساتذة الباحثين والطلبة.
وفي الكلمة الافتتاحيّة، أكّد السيّد العميد أنّ جامع الجزائر، بمؤسّساته العلميّة، وعلى رأسها مدرسة “دار القرآن”، يسعى لِتحقيق أهداف رسالته الحضاريّة، عبر استعادة هذا التّكامل المعرفيّ الغائب؛ مبيّناً أنّ الأزمة الّتي تواجه المعرفة البشريّة المعاصرة لا تكمن في ضعف قدرة الإنسان على الاكتشاف، ولا في قلّة المعارف الّتي تضاعفت بشكل غير مسبوق؛ بل في ضيق الجسور، وصعوبة الحوار بين التّخصّصات الّتي تعجز منفردة عن الإحاطة بالأسئلة الكبرى الّتي تتعلّق بالإنسان في كلّيّته.
واستحضر الشّيخ القاسميّ التّجربة المعرفيّة للحضارة الإسلاميّة، موضّحاً أنّ علماءنا، كالبيرونيّ وابن الهيثم وابن النّفيس، لم يجمعوا بين العلوم رغبة في
الموسوعيّة المجرّدة لذاتها، بل انطلقوا من وحدة رؤية ترى الحقيقة واحدة؛ وتعتبر النّظر في كتاب الله والنّظر في خلق الله وجهين لعمليّة معرفيّة واحدة، غايتها أن
يعرف الإنسان ربّه، ويفهم عالمه، ويحسن أداء رسالته في الاستخلاف والعمران.
وشدّد على أنّ الرّؤية التّأسيسيّة لـ “دار القرآن” تقوم على هذا التّكامل المعرفيّ لإعادة وصل ما انقطع بين الوحي والعقل، وبين النّصّ والواقع؛ مبرزاً أنّ مشروع المدرسة لم يقم على مجرّد إضافة تخصّصات جديدة، بل يستهدف إعادة الاعتبار لوحدة الجامعة الإسلاميّة الفكريّة، دون التّخلّي عن التّخصّص.
وأوضح أنّ هذا الصّرح لا يطمح لتخريج فقيه يجهل العالم الّذي يفتي لسكّانه، ولا لمهندس يجهل القيم الّتي تضبط العمران، ولا لاقتصاديّ يفصل الكفاءة عن العدالة، ولا لنفسانيّ يغيب عنه البعد الرّوحيّ في فهم الإنسان؛ بل يرمي لتكوين الباحث الرّساليّ الّذي يدرك أنّ العلم مسؤوليّة، والمعرفة أمانة؛ ويمتلك القدرة على بناء الجسور لتقديم حلول واقعيّة تخدم الإنسان.
ودعا السّيّد العميد الباحثين والنّخبة العلميّة إلى استلهام هذه الرّؤية التّكامليّة لبناء ثقافة جامعيّة جديدة تنتج فكراً رصيناً يخدم الدّين والوطن؛ معرباً عن شكره لإطارات المدرسة وللّجهة العلميّة والتّنظيميّة للملتقى على جهودهم الدّؤوبة لإنجاح هذا المحفل، متطلّعاً إلى أن تشكّل توصيات الملتقى منطلقاً لبرامج بحثيّة مستدامة.
ورافع رئيس المجلس العلميّ لجامع الجزائر، السيّد موسى إسماعيل، من جهته، عن قضيّة التّكامل المعرفيّ بين علوم الوحي والعلوم التّجريبيّة والإنسانيّة والاجتماعيّة، مؤكّداً أنّ جميع العلوم تهدف إلى سعادة الإنسان وإصلاح العمران. واستشهد الدّكتور إسماعيل بآيات من سورة العلق، أنّه لا فصل بين العلم والوحي، ولا تعارض بين السّمع والعقل، ولا تنازع بين الظّواهر النّقليّة والقواطع العقليّة.
وفي السّياق ذاته، أوضح مدير المدرسة الوطنيّة العليا للعلوم الإسلاميّة “دار القرآن”، السيّد عبد القادر بن عزّوز، في كلمته التّرحيبيّة، أنّ التّكامل بين العلوم الكونيّة والشّرعيّة يمثّل مشروعاً معرفيّاً وحضاريّاً يؤكّد وحدة المعرفة في التّصوّر الإسلاميّ؛ حيث لا تعارض بين الوحي الصّحيح والعلم النّافع.
وعقب الجلسة الافتتاحيّة، انطلقت أشغال الملتقى؛ وستتواصل على مدار يومين كاملين، تتخلّلها جلسات وورشات تخصّصيّة، ترتكز على النّقاش العلميّ الرّصين؛ على أن تختتم بإعلان التّوصيات العلميّة الّتي ستسفر عنها نقاشات هذا الحدث العلميّ المتميّز.











































