كلمة السيّد محمّد المأمون القاسمي الحسنيّ، وزير الدّولة،
عميد جامع الجزائر، في المؤتمر الدّوليّ التاسع والثلاثون
للسّيرة النبوية بنواكشوط، بالجمهوريّة الإسلاميّة الموريتانيّة،
في موضوع: “الهدي النبويّ في إدارة التنوّع والاختلاف، وتعزيز المشتركات“
02/03/04 ربيع الثاني 1448هـ، الموافق14- 15-16 سبتمبر 2026م.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الّذي أرسل رسوله بالهدى والرحمة، وجعل في سيرته هديا للقلوب، وبصيرة للعقول، ومنهاجا للعمران؛ والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا محمّد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدّين.
فخامة رئيس الجمهوريّة الإسلاميّة الموريتانيّة، السّيّد محمّد ولد الشّيخ الغزواني،
أصحاب المعالي والفضيلة،
علماء الأمّة والمشايخ الأفاضل،
أيّها الحضور الكريم،
السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد؛
فيطيب لي، من رحاب جامع الجزائر، أن أحمل إلى جمعكم المبارك تحيّة الجزائر، قيادةً وشعبًا وعلماء؛ وأن أعرب لفخامة رئيس الجمهوريّة عن بالغ التّقدير لهذه الرّعاية الساميّة، الّتي تصل حاضر موريتانيا بميراثها العريق، في توقير العلم وإكرام أهله؛ وتؤكّد ما لهذه البلاد الشّقيقة من مكانة في خدمة الإسلام، وصون مرجعيّته، وإشاعة قيم الوسطيّة والاعتدال.
وإنّ في اجتماعنا على هذه الأرض معنى يجاوز حدود المكان؛ فأرضُ شنقيط حفظت للعلم سنده، وللمحظرة رسالتها، وللعالِم مكانته؛ وجعلت من المعرفة جسرا يصل أقطار الأمّة بعضها ببعض.
وبين الجزائر وموريتانيا من وشائج الأخوّة، ووحدة الانتماء، وتواصل العلم والعلماء، ما يجعل لقاءنا هذا تجديدا لعهد راسخ، وامتدادا لوصل قديم.
فخامة الرئيس،
حضرات السّادة العلماء الأفاضل،
يأتي مؤتمرنا؛ في موضوع: “الهدي النبويّ في إدارة التنوّع والاختلاف وتعزيز المشتركات”، في زمن أحوج ما تكون فيه الإنسانيّة إلى حكمة تضبط اختلافها، وتحفظ لها تنوّعها، وتردّها إلى المشترك الإنسانيّ الّذي تصان به الكرامة، ويستقيم به العمران.
فالاختلاف سنّة من سنن الله في خلقه، وقد جعل سبحانه
من تنوّع النّاس سبيلًا إلى التّعارف، فقال: [وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا]؛ وأقام للخصومة ميزانا لا يميل مع الهوى، فقال: [اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى].
وبين التّعارف والعدل تتجلّى مساحة واسعة من الهدي النبويّ في بناء الاجتماع: اعترافٌ بالتنوّع، وصيانةٌ للحقوق، ووفاءٌ بالعهود، وإصلاحٌ لذات البين، وحكمةٌ في تقدير المصالح والمآلات.
وعلى هذا الميزان أقام رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، مجتمع المدينة: إذ جمع بين ثبات المرجعيّة وسعة الاجتماع،
وبين الوفاء بالعهد وصيانة الحقوق؛ وأدار اختلاف المصالح بالحكمة، وفتح للصّلح أبوابه؛ ونظر في مآلات الأفعال،
قبل أن تستبدّ بالمواقف انفعالات اللّحظة والآن.
ومن هذا الهدي، نتعلّم أنّ إدارة الاختلاف لا تعني إسقاطه، ولا تقتضي التّفريط في حقّ، أو التّنازل عن سيادة، أو إهدار مصلحة مشروعة؛ وإنّما تعني أن يُعطى الحوار مداه، وللحكمة مجالها، وللصّلح فرصته؛ وأن تُصان الحقوق من غير ظلم، وتُحفظ المصالح من غير عدوان؛ فإذا استوفى الحوار وسعه، بقي للموقف المسؤول مقتضاه، يجمع بين ثبات المبدء ورشد الوسيلة، وبين قوّة الحقّ وحسن تدبيره.
وهذا المعنى جدير بأن نستحضره اليوم، في عالم تتشابك فيه المصالح، وتتسارع فيه الأزمات، وتشتدّ فيه نزعات الاستقطاب؛ حتّى غدا من أخصّ واجبات العلماء أن يحفظوا للنّاس ميزانهم حين تضطرب الموازين، وأن يردّوا الخلاف إلى العلم، والخصومة إلى العدل، والقوّة إلى المسؤوليّة، وأن يوسّعوا دوائر الاجتماع على الخير.
ويحسن بنا في هذا المقام أن نثمّن أيّ نهج تقوم مقاربته على الحوار والإقناع، حين تفتح أبواب التّواصل مع من انحرف بهم الفكر فأفضى الحوار إلى مراجعة والتزام.
ثمّ أعطي من صادقت توبته فرصة للعودة إلى المجتمع. وهي تجربة جديرة بالتّأمّل لما تجسّده من حكمة في معالجة التّطرّف وتقديم للإصلاح على الإقصاء، وفتح أبواب الرّجوع أمام من اختار سبيل الاعتدال.
أيها الحضور الكريم،
إن الاحتفاء بسيرة رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، يبلغ تمام معناه حين تتحوّل المحبّة إلى اقتداء، والاقتداء إلى أثر
في حياة الناس؛ فنستمدّ من هديه رحمة في مواطن الرّحمة، وحزمًا تصان به الحقوق، وحكمة تفتح أبواب الصُّلح، وبصيرةً تزن المواقف بمآلاتها.
ومن أرض شنقيط، وفي حضرة فخامتكم، سيادة الرّئيس، وبين هذه الصّفوة من علماء الأمّة ومشايخها؛ نرجو أن يبعث هذا المؤتمر رسالة تليق بالسّيرة الّتي ينتسب إليها:
أن نُحسن إدارة اختلافنا، وأن نصون مشتركاتنا، وأن نجعل من العلم جسرا، ومن العدل ميزانا، ومن الحكمة سبيلا؛ وأن نبقى، في ذلك كلّه، أوفياء لهدي المصطفى، صلّى الله عليه وسلّم، الّذي أرسله الله رحمة للعالمين.
حفظ الله موريتانيا، وحفظ الجزائر، وحفظ بلاد المسلمين، وألّف بين القلوب، وأصلح ذات البيْن، ووفّقنا لما فيه خير أمّتنا والإنسانيّة جمعاء.
وصلى الله وسلم وبارك على سيّدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والتّابعين لهم بإحسان إلى يوم الدّين.
والحمد لله ربّ العالمين.


