Scroll Top

المجلس العلميّ الأوّل لمركز البحث في العلوم الدّينيّة وحوار الحضارات

عقد مركز البحث في العلوم الدّينيّة وحوار الحضارات لجامع الجزائر، المجلس العلميّ الأوّل، تحت عنوان:
” الهجرة إلى الحبشة ودلالاتها الحضاريّة “، يوم الخميس 07 ربيع الأوّل 1448ه، الموافق لـ 20 أغسطس 2026م، ضمن سلسلة تفاعلية، برؤى علميّة، وآفاق حضاريّة، للسيرة النبويّة.
وفي كلمة الافتتاح، أكّد السّيّد محمّد المأمون القاسميّ الحسنيّ، عميد جامع الجزائر، أنّ هذا المجلس يفتح مجالا واسعا للتأمّل في معاني العدل، والأمان، والحوار، والتّعايش، وحفظ الكرامة الإنسانيّة، ويشكّل مساحة علميّة تتعدّد فيها زوايا النّظر؛ من البعد الإنسانيّ والحضاريّ للهجرة إلى الحبشة، إلى الانتقال من الهجرة إلى حوار الحضارات؛ ثمّ الوقوف عند قيم العدالة والتّعايش في الحوار مع النّجاشيّ، وتجربة الصّحابيّ جعفر بن أبي طالب، رضي الله عنه؛ وصولا إلى دلالات الحبشة في السّيرة النبويّة، وعلاقتها بالأمن الدّينيّ، والاستقرار الإنسانيّ؛ وهو تنوّع ينسجم مع طبيعة المجلس العلميّ وأفقه الحواريّ.
وأفاد أنّ الإشارة النبويّة إلى أرض يحكمها ملك لا يظلم عنده أحد، جديرة بالتأمّل العميق؛ لأنّ اختيار المكان ارتبط بمعيار العدل، وبقدرة السّلطة على حماية الإنسان من الظّلم، وصيانة حقّه في الأمن على نفسه ودينه.
ومن هنا، تبدأ إحدى أهمّ الدّلالات الحضاريّة للهجرة إلى الحبشة.
كما تتجلّى قيمة أخرى من قيم هذه التّجربة؛ يضيف السيد العميد، وهي قيمة الأمن الدّينيّ: فالإنسان يحتاج إلى فضاء يأمن فيه على عقيدته وكرامته وحياته؛ وتستقيم المجتمعات، حين يكون اختلاف النّاس في الدّين أو الثّقافة أو الانتماء، مجالا للتّعارف والتّعاون، لا ذريعة للإقصاء والاضطهاد؛ حيث نرى قضايا اللّجوء والنّزوح والاضطهاد الدّينيّ، والتّمييز بين البشر، ما زالت من أكثر القضايا إلحاحا على الضّمير الإنسانيّ.
واستشهد بلحظة الحوار مع النّجاشيّ، لتمنح هذه الهجرة بعدها الحضاريّ؛ حين وقف سيّدنا جعفر بن أبي طالب، رضي الله عنه، أمام ملك الحبشة، في مجلس حضره رجال الدّين من قومه، وتحدّث عن الإسلام وعن التحوّل الّذي أحدثته دعوته في حياة المسلمين، فذكر عبادة الله، وصِدق الحديث، وأداء الأمانة، وصِلة الرّحم، وحسن الجِوار، والكفّ عن المحارم والدّماء، والابتعاد عن الفواحش وقول الزّور، وأكل مال اليتيم؛ وهو درس بالغ الأهميّة في الحوار الحضاريّ:
أن تقدّم الحضارة نفسها، من خلال منظومة القيم التي تنتجها في حياة الإنسان، وأن يكون الحوار وسيلة للتّعريف والفهم وبناء الثّقة.
وهنا تظهر صورة نادرة من صور الحوار الدّينيّ: اختلاف في العقيدة، مع حضور الاحترام والإنصات، والقدرة على الاستماع لما يقوله الآخر، ثم الاحتكام إلى الضّمير وإلى العدل.
وقال الشّيخ القاسميّ إنّ الحوار الّذي نحتاج إليه اليوم هو الحوار الّذي يمنح الاختلاف مساحة للفهم؛ ويمنع الاختلاف من التّحول إلى خصومة دائمة.
وقد كان النّجاشيّ في هذه القصّة أمام ضغط سياسيّ واضح؛ حين سعت قريش إلى إقناعه بتسليم المهاجرين إليها؛ لكنّه اختار أن يسمع منهم، وأن يتحقّق من قضيّتهم، وأن يحكم بما ظهر له من الحقّ.
والسّيرة النّبويّة، حين تُقرأ قراءة حضاريّة، تمدّنا بمفاهيم تتجاوز حدود الحدث إلى أسئلة الإنسان في كلّ عصر: كيف نحمي المستضعف؟ كيف نمنح الاختلاف مجالا للحوار؟ كيف نجعل العدل أساسا للأمن؟ وكيف نحوّل القيم الدّينيّة إلى سلوك اجتماعيّ وحضاريّ؟
وأضاف السيّد العميد:
لقد كانت الهجرة إلى الحبشة استجابة لمرحلة من الاضطهاد، وكان اختيار الحبشة مرتبطا بالعدل والأمان. وكانت الثّورة الجزائريّة، في سياق تاريخيّ مغاير، تعبيرا عن إرادة شعب في استعادة حرّيته وسيادته وكرامته. وفي كلتا التّجربتين،
على اختلاف السّياق والمقام والوسائل، يحضر الإنسان في قلب الحدث.
واستمرّ قائلا: إنّ الجزائر، وهي تستحضر تاريخها الوطنيّ، وتستعيد في الوقت نفسه أنوار السّيرة النّبويّة، تملك فرصة ثمينة لبناء خطاب حضاريّ يجمع بين قوّة الانتماء الوطنيّ، واتّساع الأفق الإنسانيّ؛ وهذا من صميم رسالة جامع الجزائر: فهذا الصّرح الحضاريّ الشّامخ، الّذي يجمع بين العبادة والعلم، وبين التّراث والمعرفة، وبين الأصالة والتفتّح، مدعوّ إلى أن يجعل من السّيرة النّبويّة مصدرا لإنتاج الوعي، ومن الذّاكرة الوطنيّة أساسا لإرساخ الوفاء، ومن الحوار وسيلة لبناء جسور التّفاهم بين النّاس والحضارات.
وأضاف: إذا كان مركز البحث في العلوم الدّينيّة وحوار الحضارات قد اختار الهجرة إلى الحبشة مدخلا لهذا المجلس، فإنّ الاختيار يضع أمامنا مسؤوليّة علميّة كبيرة: أن نعيد قراءة السّيرة، في ضوء أسئلة الإنسان المعاصر، وأن نُظهر ما تختزنه
من إمكانات للحوار والسّلام والتّعايش، وأن ننتقل بهذه المعاني من مجال الخطاب إلى مجال المعرفة والتّربية والممارسة.
إنّنا نحتاج، في زمن تتّسع فيه دوائر سوء الفهم بين الثّقافات والحضارات،
إلى استعادة ثقافة الإنصات؛ ونحتاج إلى استعادة قيمة العدل، في النّظر إلى الآخر؛ كما نحتاج إلى بناء حوار يقوم على معرفة الذّات، واحترام المختلف؛ ويبحث
عن المشتركات الإنسانيّة؛ ويحفظ لكلّ طرف خصوصيّته وكرامته.
ولعلّ الرّسالة الأعمق الّتي يمكن أن نخرج بها من هذا اللّقاء هي: أنّ القيم
الّتي صنعت لحظات التحوّل الكبرى في التّاريخ تظلّ قادرة على صناعة المستقبل، حين تجد من يحملها بوعيّ، ويترجمها إلى عمل ومآثر.
وعبّر السيّد العميد عن أمله في أن تسهم المداخلات العلميّة للأساتذة والباحثين في تعميق النّظر في السّيرة النّبويّة، وفي الكشف عن أبعادها الإنسانيّة والحضاريّة، وفي وصلها بقضايا الإنسان والمجتمع، والدّولة والعالم.
ثمّ تناول الكلمة أ.د. عبد الرّحمن طيّبيّ، بعنوان: ” الهجرة إلى الحبشة. قراءة في البعد الإنسانيّ والحضاريّّ.”
و تطرّق د. بلال أودني إلى موصوع: “من الهجرة إلى الحبشة إلى حوار الحضارات”
وركّز أ.د. عبد الوهّاب العمريّ على موضوع: ” الحوار مع النّجاشي. قيم العدالة والتعايش في السّيرة النبويّة.”
وفي عمق البعد الإنسانيّ، تناول أ.د. عبد المجيد خلّادي، “الحبشة في السّيرة النبويّة، كنموذج للأمن الدُينيُ والاستقرار الإنسانيُ.”.