أكّد عميد جامع الجزائر، الشّيخ محمّد المأمون القاسميّ الحسنيّ، أنّ مخطوطات الفقه المالكيّ في الخزائن الجزائريّة تمثّل العمود الفقريّ للمرجعيّة الدّينيّة الوطنيّة، وسجلّا ناطقا بمسيرة أمّة صنعت علمها وقيمها، قبل أن ترسم حدودها؛ مشدّدا على أنّ صيانة هذا التّراث ورقمنته وإحياءه، لاستئناف رسالته في بناء الحاضر واستشراف المستقبل، هو عماد الوحدة الرّوحيّة والثّقافيّة للشّعب الجزائريّ، وركن من أركان أمنه الفكريّ، واستقراره المجتمعيّ، وانتمائه الحضاريّ.
جاء ذلك، خلال إشرافه، صبيحة اليوم الثّلاثاء 15 محرّم 1448هـ، الموافق 30 يونيو 2026م، بـ #مكتبة_جامع_الجزائر، على افتتاح أشغال ندوة علميّة وطنيّة موسومة بـ: “مخطوطات الفقه المالكيّ في الخزائن الجزائريّة: الدّور المرجعيّ والقيمة التّراثيّة”.
حضر هذا المحفل العلميّ رئيس المجلس الإسلاميّ الأعلى، السيّد مبروك زيد الخير، ورئيس المجلس الأعلى للّغة العربيّة، السيّد صالح بلعيد، ورئيس جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين، السيّد عبد الحليم قابة، وممثّلون عن وزارة الشؤون الدينيّة والأوقاف ومركز المحفوظات الوطنيّة، إلى جانب كوكبة من الأساتذة والباحثين المتخصّصين وطلبة العلم.
وأوضح الشّيخ القاسميّ، في كلمته الافتتاحيّة، أنّ الوفاء الحقّ للتّراث لا يكون بتعليق الماضي على جدران الذّاكرة، وإنّما بإعادته إلى فضاء الفاعليّة، واستنطاقه، ليستأنف أداء رسالته في بناء الحاضر واستشراف المستقبل؛ مبرزا أنّ المذهب المالكيّ تبوّأ منزلة سامية في الجزائر، لما امتاز به من رسوخ في الاستدلال، واعتدال في النّظر، واعتناء بمقاصد الشّريعة، ومراعاة لمصالح النّاس وأعرافهم الصّحيحة؛ حتّى غدت هذه المرجعيّة عماد الوحدة الرّوحيّة والثّقافيّة للشّعب الجزائريّ، وركنا من أركان أمنه الفكريّ، واستقراره المجتمعيّ، وانتمائه الحضاريّ. وأشار السيّد العميد إلى أنّ الخزائن الجزائريّة لم تكن يوما أماكن مجرّدة للإيداع، أو قطعا متحفيّة جامدة؛ بل مؤسّسات للعلم تعتني بالمخطوط، لكونه جزءا من دورة المعرفة، وحفظت مسالك التّلقّي، وعادات النّسخ، وأسانيد الإجازة بين كبريات الحواضر والزّوايا العلميّة.
ودعا الشيخ القاسميّ كافّة العلماء والأسر الجزائريّة، والزّوايا العلميّة، والخزائن الخاصّة، إلى جعل ما لديهم من مخطوطات في مأمن من غوائل الزّمن، عبر المبادرة بإيداعها لدى مكتبة جامع الجزائر؛ حيث تجد العناية العلميّة، والحفظ الفنّيّ، والفهرسة، والرّقمنة لتكون وقفا علميا للمعرفة، وصدقة جارية يتجدّد ثوابها؛ مؤكّدا أنّ الجامع يفتح خزائنه لتبقى المخطوطات محفوظة ومصونة باسم أصحابها، وعنوانا لفضلهم؛ مستشهدا بالمبادرة الحضاريّة الراقية لأسرتي الإمام عبد الحميد بن باديس، والأستاذ سليمان الصّيد، رحمهما الله؛ لإهدائهما خزائنهما العلميّة إلى جامع الجزائر.
وشهدت النّدوة تقديم أربع مداخلات علميّة قيّمة؛ حيث تناول رئيس المجلس العلميّ لجامع الجزائر، الأستاذ الدّكتور موسى إسماعيل، في المحاضرة الأولى موضوع: “الإطار العامّ للتّراث المالكيّ في الجزائر”، مسلّطا الضّوء على دور المدرسة الجزائريّة البارز في إثراء المذهب، من خلال حواضر بجاية وتلمسان وتوات وقسنطينة؛ مؤكّدا أنّ ما خلّفه العلماء من نوازل وأقضية وشروح صان المرجعيّة الدّينيّة الوطنيّة الواحدة.
وقدّم الأستاذ محمّد فؤاد القاسميّ الحسنيّ محاضرة موسومة: بـ “تقرير عامّ عن مخطوطات جامع الجزائر”، استعرض فيها قضايا الموثوقيّة في حفظ التّراث المادّيّ؛ وعرض تفاصيل تقنيّة، وإحصاءات مبدئيّة لما تكتنزه خزانة جامع الجزائر، لتأمينها وتسهيل إتاحتها للأجيال الصّاعدة.
في حين خصّصت المحاضرة الثّالثة لقراءة فنيّة، ألقاها الدّكتور محمّد العيد سماير بعنوان: “دراسة كوديكولوجية للمكوّنات المادّيّة لمخطوطات الفقه المالكيّ في الخزائن الجزائريّة”، بيّن فيها أنّ المخطوط ليس نصّا مجرّدا، بل هو جسد مادّيّ ناطق، داعيا إلى استثمار علم كوديكولوجيا لدراسة الورق والحبر والخطّ والتّخطيط والزّخرفة والتّجليد، لفهم هويّة المخطوط الجزائريّ وخصوصيّته الحضاريّة الفريدة.
واختتمت الأوراق العلميّة بمداخلة للأستاذ الدّكتور عبد الكريم عوفي تناولت قضيّة: “فهرسة مخطوطات الفقه المالكيّ وتصنيفها ورقمنتها”؛ دعا فيها إلى ضرورة رفع الغبار عن آلاف كتب المذهب المخطوطة، عبر الفهرسة والتّصنيف والرّقمنة، لتكون متاحة لطلبة العلم؛ مستشهدا بجهود الفهرسة بمكتبة زاوية طولقة العثمانيّة، وخزانة الزاوية القاسميّة، وباقي خزائن زوايا الجزائر العامرة.
وأثرت المناقشات مداخلة قدّمها رئيس المجلس الأعلى للّغة العربيّة، الأستاذ الدّكتور صالح بلعيد، استعرض فيها تجربة المجلس في معالجة المخطوط، وتطوير تقنيّة “المحقّق الذّكيّ” بالاعتماد على الذّكاء الاصطناعيّ؛ حيث نجح هذا النّظام، كما قال، في قراءة الخطّ المغاربيّ، وتجاوزت نسبة نجاحه 97% ليقلّص زمن تحقيق المخطوطة، من عامين إلى إحدى عشرة ساعة فقط؛ وفق المعيار الدّوليّ، مؤكّدا توطين هذه الأعمال في مركز البيانات لحفظ ثروتنا التّراثيّة وإيصالها إلى العالميّة.
وتُوّجت أشغال النّدوة بمراسم تكريم الأساتذة المشاركين في تأطيرها.

