Scroll Top

عميد جامع الجزائر من قسنطينة: المدرسة الصُّوفيّة الجزائريّة ركيزة للأمن الروحيّ والفكريّ، وجسر حضاريّ عابر للحدود.

أكّد عميد جامع الجزائر، الشّيخ محمّد المأمون القاسميّ الحسنيّ، أنّ المدرسة الصُّوفيّة في الجزائر لم تكن يوماً ظاهرةً محلّيّةً منغلقةً، بل امتدّ إشعاعُها التربويُّ والعلميُّ ليعمَّ الفضاءين المغاربيّ والإفريقيّ؛ مبرزاً أنّها شكّلت، عبر القرون، أحد أهمّ الأنهار التي غذّت وجدان المجتمعات، وأسهمت في صياغة توازنها العقديّ والحضاريّ.

جاء ذلك في كلمته الافتتاحيّة للملتقى العلميّ الموسوم بـ: “اتّجاهات المدرسة الصُّوفيّة بالجزائر.. من البناءات المعرفيّة إلى الامتدادات العالميّة”، الذي تنظّمه جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلاميّة بقسنطينة، اليوم الأحد 15 ذي القعدة 1447هـ، الموافق 03 مايو 2026م.

وأوضح السّيّد العميد أنّ المدرسة الصُّوفيّة الجزائريّة اضطلعت بدور رياديٍّ في نشر قيم الوسطيّة والاعتدال، والتعايش بَين شعوبٍ متعدّدة؛ مؤكّداً أنّ الامتداد العالميّ يضعنا اليوم أمام مسؤوليّة مضاعفة، لصون هذا الإرث، وتقديمه في صورته الصحيحة، بعيداً عن الاختزال أو التّشويه، أو القطيعة مع سياقه العلميّ والتربويّ الأصيل.

وشدّد الشّيخ القاسميّ على أنّ العلاقة بين التّصوُّف والعلم في مدرسة التصوف هي علاقة تلازم وتكامل؛ حيثُ اجتمع ميزان الفقه وبصيرة الإحسان، في منظومة واحدة تحفظ التّوازن وتمنع الانحراف. واستحضر، في هذا السياق، دور الزوايا الجزائريّة التي احتضنت القُرآن وعلومه، وربّت الأجيال على الاستقامة والفضيلة، فكانت حصناً للهوّيّة، وملاذاً للمجتمع في أزمنة الشدائد والمحن.

وحدّدت الورقة أربعة أهداف استراتيجيّةٍ، دعا السيّد العميد الأمناء على مدرسة التصوّف إلى العمل عليها، لضمان استمراريّة رسالتها العالميّة:
أولاً: البيان بأنّ مدرسة التصوّف الإسلاميّ مصدرها القرآن، وهدي من تنزّل عليه القرآن؛ وعمادها العلم والمعرفة؛ ونهجها سلوك الطريق باستقامة واعتدال. ولا ينبغي، بحال من الأحوال، أن نُسوّيها بنظريات أو ممارسات، مهما تكن مصادرها أو أصولها أو مواطنها، من هنا أو هناك.
ثانياً: دحض المزاعم بأنّ التصوّف نقطة جامعة لكلّ المشارب والمذاهب والمعتقدات؛ ومن ثمّ لمختلف الممارسات، وللمظاهر الوثنية، على شذوذها وانحرافاتها، واختلاف مواطنها.
ثالثاً: تفنيد النظرية القائلة بأنّ التصوّف ظاهرة اجتماعية مشتركة، تنسحب على كافّة المجتمعات، بتنوّعها وتعدّدها؛ فذلك من شأنه أن يميّع التصوّف الإسلامي، ويفرغه من محتواه، وينزله في غير منزلته، وينأى به عن مرجعيّته ومفهومه الصحيح؛ ويجعله مجرّد “طقوس” كما يقال، تتشكّل من مفاهيم المجتمعات وممارساتها المختلفة.
رابعاً: نفي كلّ مدسوس أو دخيل على التصوّف الإسلاميّ الأصيل، والكشف عن الجاهلين والمبطلين من أدعيائه؛ والردّ بالدليل على خصومه وأعدائه.

وخلص إلى أنّ استحضار هذا التراث يهدفُ إلى استلهام طاقته المعنوية لبناء الحاضر، وصناعة المستقبل؛ معبّرًا عن أمله في أن تكون أشغال الملتقى لبنة جديدة في مسار العناية بالمدرسة الصُّوفيّة الجزائريّة، بحثاً وتأصيلاً وتوثيقاً وتوجيهاً.

وخصّت إدارة الجامعة عميد جامع الجزائر بتكريمٍ رمزيّ؛ تقديراً لما يقدّمه، خدمةً للعِلم، وإرساخاً للمرجعيّة الدّينيّة الوطنيّة، وصيانة للأمن الرُّوحيّ والفكريّ للمجتمع الجزائريّ.