Scroll Top

عميد جامع الجزائر يستقبل هدية ذات قيمة تاريخيّة ورمزيّة عالية من سفيرة النرويج

استقبل عميد جامع الجزائر، الشيخ محمد المأمون القاسميّ الحسنيّ، سعادة سفيرةَ مملكة النرويج بالجزائر، الّتي قدّمت له هديّة تاريخيّة نادرة؛ وهي عبارة عن وثيقة مؤرّخة سنة 1743م،.
عميد جامع الجزائر يستقبل سعادة سفيرةَ مملكة النرويج بالجزائر
عميد جامع الجزائر يستقبل سعادة سفيرةَ مملكة النرويج بالجزائر
تسجّل هذه الرسالة الديبلوماسيّة حادثة بحرية بين الجزائر والنرويج. في البحر الأبيض المتوسط.
وتؤرّخ لحادثة اعتراض باخرة نرويجيّة، في البحر الأبيض المتوسط ، بسبب عدم امتلاكها “براءة مرور متوسّطية”؛ قبل تدخّل الدّاي حينها، للإفراج عن طاقم السفينة المتبقّي، لكنّه شدّد على وجوب احترام القوانين البحريّة والالتزام بالمعاهدات.
وتبرز الوثيقة مكانة الجزائر آنذاك، كقوّة وازنة في البحر المتوسط، استطاعت أن تفرض سيادتها البحرية وقوانينها على السفن الأجنبية؛ ممّا يعكس قوّة الدّولة الجزائريّة ، في تلك المرحلة، وقدرتها على حماية مصالحها، وإلزام شركائها باحترام تعهداتهم والتزاماتهم تجاهها.
وقد عبّر السيّد عميد جامع الجزائر عن تقديره لهذه الالتفاتة الرمزيّة، مذّكرا بأنّ تاريخ الجزائر حافلٌ بالأمجاد ؛ وأنّها ستظلّ وفيّةً لتاريخها العريق، كما أنّها ماضيةً في تعزيز جسور التّعاون مع شركائها، ومن بينهم مملكةُ النرويج، على أساس السيادة والمصالح المشتركة و الاحترام المتبادل.
ترجمة الرسالة:
الجزائر في 10 نوفمبر سنة 1743
إلى الحضرة السامية، مولاي الأفخم، أدام الله مجده.
أرفع إلى مقامكم العالي ما جرى في الثّامن من هذا الشهر، إذ وصل إلى ميناء الجزائر المركب المسمّى Mossoffth، تحت إمرة القبطان جان أندرياس ديشنغتو Jean Andries Dishingthon، قادمًا من مدينة برغن بالنرويج، متوجّهًا إلى مدينة برشلونة، محمّلاً بشحنة من سمك السردين. وقد اعترضه في البحر مركب الملك سابا، مصحوبًا بثلاثة قوارب صغيرة. ولعدم وجود براءة المرور الخاصة بالملاحة في البحر الأبيض المتوسط، أُخذ المركب وأُسر رجاله، ماعدا بعض الجنود الذين هلكوا عند تبادل النيران.
وقد تقدّمتُ بين يدي حضرة الداي، مبيّنًا أنّ المركب المذكور قد خرج من مينائه قبل أن تُرسل له براءة المرور من ديوان الأميرالية، وأنّ حمولته لا تعدو أن تكون من سمك السردين فقط. فأذن الدّاي بإطلاق سراحه تكرّمًا. غير أنّه شدّد على ألّا يقع تغيير في الأعراف المقرّرة، وأنّ براءة المرور البحرية واجبة في كلّ حال. وقال: إنّ التساهل في هذا الأمر يفضي، في أوقات الحرب، إلى الإخلال ببنود معاهدة الاستسلام capitulation، الأمر الذي ينبغي الحذر منه.
وقد أكّدتُ له أنّ هذه البراءة ستكون لازمة فيما يستقبل من الأيام، فلا يبقى وجه للّبس. فأجاب الدّاي بقبول هذا التعهّد، مع التنبيه إلى أنّ هذه الحادثة لا تُتخذ سابقة، لأنها مقصورة على مركب محمّل بالسردين لا غير.
هذا ما لزم عرضه على مسامعكم الشريفة، في الوقت الحاضر. ويظهر أنّ الأمر لا عاقبة له. غير أنني ألتمس من جنابكم الموقّر إفادتي برأيكم العالي في شأنه.
دام عزّكم، وارتفع شأنكم. والسلام على من اتّبع الهدى.
المخلص، الخاضع، خادمكم الوفيّ.
الهوامش:
• جواز الملاحة في البحر المتوسط: كان هذا الجواز وثيقة أمان دبلوماسية تُمنح للسفن الأوروبية، ليتمكّن أصحابها من الإبحار في البحر المتوسط، دون خوف من اعتراض أو مصادرة؛ وهو أداة لتنظيم العلاقات البحرية، واحترام المعاهدات الموقّعة بين الدايات والسلطنات والدول الأوروبية.
• الوثيقة التي تسجّل الحادثة مكتوبة بصيغة تقرير دبلوماسي، ويُرجَّح أنّ موقّعها هو جان-أندريه بيسونيل (Jean-André Peyssonnel)، قنصل فرنسا في الجزائر آنذاك، المعروف بتقاريره التفصيلية إلى وزارة الخارجية الفرنسية.
• في سنة 1743 : كان داي الجزائر هو إبراهيم خوجة (Ibrahim Khodja). تولّى الحكم من 1743 إلى 1745، بعد وفاة الداي محمد بن بكر. وقد عُرف بحذره في التعامل مع الأوروبيين، خاصّة في قضايا الملاحة والمعاهدات البحرية.
جَامعُ الجزائر مركزٌ دينيّ، عِلميّ، ثقافيّ وسياحِيّ، يقعُ على تراب بلديّة المُحمَّديَّة بولاية الجزائر، وسط خليجها البحريّ. تبلغُ مساحته 300.000 متر مربّع، يضمّ مسجِدا ضخما للصّلاة، يسع لـ 32000 مصلٍ، وتصلُ طاقة استيعابِه إلى 120 ألف مصلٍ عند احتساب صحنه وباحَاته الخارجيّة.
قاعة الصّلاةِ وصحنها الفسـيح، جاءت في النّصوص القانونيّة المُنشِأة للجامع، تحتَ تسميةِ “الفضاء المسجدِيّ”.
ويضُمّ المجمّعُ هياكلَ أخرى ومرافقَ سُمّيت بالهَيئات المدمجة، ووجدت هـذه المرافق لتُساهم في ترسـيخِ قِيم الدّين الإسلاميّ من: قرآن منزّلٍ وسنّةِ مطهّرة على صاحبها أفضل الصّلاة وأتمّ التّسليم، وكذا للحِفاظ على المرجعيّة الدّينيّة الوطنيّة، بما يخدُم مكتسبات الأمّة ويحقّق التّواصل مع الغير.
وجامع الجزائر هـو معلم حضاريّ، بِهندسته الفَريدة، التي زَاوجـت بين عراقة العِمارة الإسلاميّة بطَابعها المغَاربيّ الأندلسيّ، وآخِر ابْتكارات الهندسة والبِناء في العالم، حيث حقّق عدّةَ أرقامٍ قيَاسيةٍ عالميةٍ في البناء.
فمن حيث الأبْعادُ الهنْدسيةُ، يُعدّ الجامع بين المساجد الأكبر والأضْخَم عبر العالم، بل هو ثالث أكبرِ مسجدٍ في العالم بعد الحرَمين الشريفَين بمكة المُكرّمَة والمدينَةِ المنوّرَة، وهو أكبر مساجد أفْريقيا على الإطلاق، فمساحة قاعة صلاته تبلغ 22 ألف متر مربع، وقُطر قبته 50 مترا، وفُرِش بـ 27 ألف متر مربع من السجّاد الفاخر المصنوعِ محليّا، وتزيَّنت الحوافّ العلويّة لجدرانه بـ 6 آلاف متر من الزّخرفة بمختلف خطوط الكتابة العربيّة.