بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة السيّد عميد جامع الجزائر، الشّيخ محمّد المأمون القاسمي الحسني،
في افتتاح النّدوة العلميّة المنظّمة في فضاء المسجد بجامع الجزائر،
مساء يوم الأربعاء 20 محرّم 1447هـ، الموافق 16 جويلية 2025م، تحت عنوان:
“التّعليم القرآنيّ في الجزائر: واقع التّجربة وآفاق التّطوير”
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا ۜ . قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا. مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا ﴾ [ الكهف: 01 – 03 ]، والصّلاة والسلام على من كانت معجزته القرآن، وكان خلقه القرآن، وكان ربيع صدره ونور قلبه، وجلاء حزنه القرآن، سيّدنا ونبيّنا وحبيبنا محمّد، وعلى آله وصحبه الذين آمنوا به وعزّروه ونصروه، واتّبعوا النور الذي أنزل معه، أولئك هم المفلحون. وعلى كلّ من اتّبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أمّا بعد، فيا أيّها الإخوة المؤمنون:
أحمد الله إليكم على ما أكرمنا به، نحن المسلمين، أكرمنا بخير كتابٍ أنزل، كما أكرمنا بخير من أُرسل، كما قال تعالى: ﴿ لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [ الأنبياء: 10 ]. فنحن المسلمين وحدنا نملك الوثيقة السّماويّة الّتي تحمل كلمات الله الأخيرة لهداية البشريّة، إنّه كتاب الله المحفوظ من كلّ تبديل أو تحريف لفظيّ أو معنويّ، وذلك أن الله تكفَّل بحفظ القرآن، ولم يَكِلْه إلى أحدٍ من خلقه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [ الحجر: 09 ]. فهو كتابٌ إلهيٌّ، كُلُّه، ﴿..كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: 1]. ﴿…وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ. لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصّلت: 41-42].
لم يوجد في الدنيا كتاب دينيّ أو دنيويّ حفظ من التحريف والتبديل، كما حفظ القرآن. وإنّ أحدًا لا يستطيع أن يزيد فيه حرفًا، أو يحذف منه حرفًا.
آيات تُتلى وتُسمع، وتُحفظ وتُشرح، كما أنزلها الله على سيّدنا محمّد، صلّى الله عليه وسلّم، بواسطة الرّوح الأمين. ولقد اشتمل على مائة وأربع عشرة سورة (114)، ابتدأت كلّها بـالبسملة ﴿بسم الله الرّحمن الرحيم﴾، إلّا سورةً واحدةً منها: سورة التوبة. وجاءت خالية منها، فلم يجترئ أحدٌ أن يزيد هذه في مطلع السّورة، لا خطًّا ولا لفظًا، لأنّه لا مجال للرّأي في القرآن.
لقد بلغ اهتمام المسلمين بالقرآن: أن عدّوا آياته، بل كلماته، بل حروفه. فكيف يستطيع امرؤٌ أن يزيد أو ينقص في كتاب أُحصيت كلماته وحروفه؟!
ولم يُعرف في الدنيا كتابٌ يحفظه مئات الألوف عن ظهر قلب، إلّا القرآن، الذي يسّره الله للذكر والحفظ. ولم تُحفظ معاني القرآن وكلماته وألفاظه، فحسب، بل طريقة أدائه، ومخارج حروفه، وما ينبغي من مدٍّ وغنّ، وإظهارٍ وإدغامٍ، وإخفاءٍ وإقلاب؛ وهو ما قام به علمٌ خاصٌّ سُمِّي بعلم التجويد. تجويد القرآن.
حتّى رسم المصحف بقي يُرسم ويُطبع إلى اليوم كما رُسم في عهد الخليفة الراشد، سيّدنا عثمان بن عفّان، رضي الله عنه؛ رغم تطوّر قواعد الرسم والإملاء؛ ولم تجرؤ حكومةٌ مسلمةٌ، ولا مجمعٌ علميٌّ إلى اليوم، أن يغيّر من طريقة رسمه، أو أن يُطبّق عليه ما يُطبّق على سائر ما يكتب ويطبع من كتب ورسائل وصحف وغيرها. فهو كتاب إلاهيّ، وهو كتاب معجز، وكتاب مبين ميسّر، وكتاب محفوظ، وهو كتاب الدّين كلّه، وكتاب الزّمن كلّه، وكتاب الإنسانيّة كلّها.
اللّهمّ لك الحمد أن جعلتنا من أمّة القرآن. ونسألك ربّنا أن تعيننا على خدمة رسالة القرآن، وأن تجعلنا من أهل القرآن الّذين هم أهلك وخاصّتك.
ورضي الله عن الإمام البصيري، الّذي يقول في لاميّته:
الله أكبـر إنّ دين محمّد وكتابه أقوى وأقوم قيلا
لا تذكروا الكتب السوالف عنده طلع الصّباح فأطفئ القنديلا
هو القرآن العظيم، الّذي أنزله الله ليهدي البشريّة إلى أفضل غاية، وإلى أقوم طريق. ﴿ إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾ [ الإسراء: 09]. ﴿ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ. يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [ المائدة: 15- 16 ]
إنّه النور المبين، النور الّذي يكشف الغوامض، ويوضّح الحقائق، ويدحض الأباطيل، ويدفع الشّبهات. يزيد الّذين اهتدوا هدى؛ ويهدي الحائرين إذا عدم لديهم الدّليل، ويرشدهم إذا التبس عليهم السّبيل.
إخوة الإيمان.
نستمع في هذه النّدوة العلميّة حديثًا عن التّعليم القرآنيّ في الجزائر. ويطيب لنا أن نذكّر، في هذا المقام، بأنّ لكلّ دعوة أساسًا تنهض عليه، ومصدرًا ترجع إليه. والتّربية في الإسلام عمادها القرآن، الذي يجمع أصول التربية والتعليم، ويضمن للعاملين به فقهًا في الدين واستقامة على الطريق.
ولقد أدرك المسلمون الأوائل هذه الحقيقة، فاتّخذوا القرآن أساسًا لتربية النشء، منذ بداية الطريق؛ واستمرّوا على ذلك زمنًا طويلًا. ثمّ مرّت بهم فتن ومِحَن حالت بينهم وبين مصادر الهداية الربانية وأصول التربية القرآنية، فراحوا يستعيرون أنماطًا في التربية من هنا وهناك؛ ويستوردون أنظمة في التعليم، حوّلت منظوماتهم التربوية إلى خليط من المناهج الّتي لا تنسجم مع مبادئهم وقيمهم؛ ولا تستجيب لتطلّعاتهم وأهدافهم.
إنّ أملنا كبير في هذه النهضة القرآنية الي نشهدها في بلادنا، في كافّة أرجاء الوطن. تشهد تزايد الإقبال على حفظ القرآن الكريم، في المساجد، والزوايا والمدارس والكتاتيب.
نبارك لأبنائنا وبناتنا من تلاميذ المدارس وطلبة الجامعات، الذين يؤثرون قضاء إجازتهم السنويّة في حفظ القرآن الكريم في دورات صيفيّة، تُقام في شتّى أنحاء الوطن.
هنيئا لهم ما وفّقهم الله إليه، وفتح لهم فتحهُ المبين، وحفظنا وإيّاهم بما حفظ به ذِكره الحكيم.
هذا، والله نسأل أن ينفعنا ويرفعنا بالقرآن العظيم، ويبارك لنا بالآيات والذّكر الحكيم.
والحمد لله ربّ العالمين.


