بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الّذي جعل العلم ميراث الأنبياء، ورفع أهله درجات، فقال سبحانه:
“يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ”؛
والصّلاة والسّلام على سيّدنا محمّد، سيّد الكائنات، أرسى معالم الهداية،
وربّى الأمّة على أنّ العلم عبادة، والقلم أمانة، والبيان مسؤوليّة. صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
أصحاب الفضيلة والسماحة؛
حضرات الأساتذة والباحثين الأفاضل؛
أيّها الحضور الكريم.
السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أمّا بعد؛
فيسرّني أن ألتقي بكم في رحاب جامع الجزائر، في هذه الندوة العلميّة المباركة، الّتي تتناول موضوعا تتقاطع عنده الذاكرة بالهُوّيّة، والعلم بالحضارة، والأمانة التاريخية بالمسؤولية الوطنية؛ ألا وهو:
“مخطوطات الفقه المالكي في الخزائن الجزائرية.. الدور المرجعي والقيمة التراثية“.
إنّ اختيار مخطوطات الفقه المالكيّ موضوعا لهذا المنتدى ليس اختيارا عارضا؛ بل لأنّه يمثّل العمود الفقريّ للمرجعيّة؛ ذلك أنّ مخطوطات الفقه المالكيّ لم تحفظ نصوص الفقه وحدها؛
بل حفظت معها سيرة مدرسة علميّة عريقة، أسهمت في إرساخ المرجعيّة الدينيّة الوطنيّة، وصياغة الشخصيّة العلميّة الجزائريّة، وتوحيد وجدانها الدينيّ، عبر القرون.
ولهذا، فإنّ حديثنا اليوم لا ينصرف إلى المخطوط، بوصفه أثرا تاريخيّا تُقدَّر قيمته بقدمه،
ولا إلى الخزانة، باعتبارها مكانا لحفظ النّفائس؛ وإنّما ينصرف إلى المعاني الكبرى الّتي يمثّلها هذا التراث في تاريخ أمّتنا، وإلى رسالة حضاريّة ما يزال قادرا على أدائها، إذا أحسنّا قراءته، وصيانته، وإحياءه.
ومن هذا المنطلق، أودّ أن أقف معكم عند جملة من المعاني الّتي أرى أنّها تؤطّر الموضوع، وتكشف بعض أبعاده العلميّة والحضاريّة؛ وذلك في محوريْن:
الأوّل يجيب عن سؤال: لماذا يستحقّ المخطوط الفقهيّ هذا الاحتفاء؟
والثاني يجيب عن سؤال: كيف أدّت الخزائن الجزائريّة دورها في صناعة المرجعيّة؟
حضرات السّادة والسيّدات؛
لست أنظر إلى المخطوط الفقهيّ، في هذا المقام، على أنّه أوراقٌ أودعتها القرونُ خزائنَنا،
ولا أسفارٌ طواها الغبار حتّى أيقظها التحقيق؛ وإنّما أنظر إليه، بوصفه أثرا حيّا من آثار العقل الجزائريّ المسلم، وسجلًّا ناطقا بمسيرة أمّة صنعت علمها، قبل أن تصنع سلطانها؛ وأرسخت مرجعيّتها، قبل
أن ترسم حدودها؛ فكان القلم عندها شريك المنبر؛ وكانت الخزانة امتدادا للمحراب؛ وكانت حلقات الدّرس في المساجد والزوايا مصانعَ للوعي، ومعاقلَ لحراسة الثوابت، ومشاتلَ لتخريج العلماء
الّذين حملوا أمانة البيان، وحفظوا للأمّة دينها ولسانها ووجدانها.
ولئن كان الاحتفاء بالتراث واجبا تمليه مقتضيات الوفاء، فإنّ الوفاء الحقّ لا يكون بتعليق الماضي على جدران الذاكرة، وإنما بإعادته إلى فضاء الفاعلية، واستنطاقه ليستأنف أداء رسالته في بناء الحاضر، واستشراف المستقبل. فالتراث، في التصوّر الإسلاميّ، ليس حنينا إلى ما انقضى؛ بل هو خبرةٌ متراكمة، وعقلٌ ممتدّ، وتجربةٌ تاريخيّة تتجدّد، كلّما أحسن الخلف قراءة ما تركه السّلف.
ومن هذا الإطار، تكتسب ندوتنا قيمتها العلميّة والحضاريّة؛ لأنّها لا تتناول المخطوط من زاوية مادّته، ولا الفقه المالكيّ من زاوية مسائله الجزئيّة؛ وإنّما تتناولهما معًا، بوصفهما شاهدين على تكوين الشخصيّة العلميّة للجزائر، وعلى الكيفيّة الّتي تخلّقت بها مرجعيّتها الدينية، عبر قرون متعاقبة،
حتّى غدت المرجعيّة المالكيّة أحد أعمدة الوحدة الروحيّة والثقافيّة للشعب الجزائريّ، وركنا من أركان أمنه الفكريّ، واستقراره المجتمعيّ، وانتمائه الحضاريّ.
لقد شاء الله تعالى أن يتبوّأ المذهب المالكيّ منزلة سامية في بلاد المغرب الإسلاميّ عامّة،
وفي الجزائر خاصّة، لا بقوّة السّلطان وحده، ولا بمجرّد الانتساب إلى إمام دار الهجرة؛ وإنّما لما امتاز به هذا المذهب من رسوخ في الاستدلال، واعتدال في النظر، واعتناء بمقاصد الشريعة، ومراعاة لأعراف النّاس الصّحيحة ومصالحهم المعتبرة؛ فوجد فيه علماؤنا الإطار الأوفق لتنظيم حياة المجتمع، وحفظ انتظامه، وصيانة هُوّيّته. ولهذا لم يكن انتشار المذهب المالكيّ حادثة تاريخيّة عابرة؛ وإنّما كان مشروعا علميًّا متواصلًا، تعاقبت على بنائه المدارس والمساجد والزوايا، وتكفّلت المخطوطات بحفظ ثماره، ونقلها من جيل إلى جيل.
وإذا كانت الأمم تُعرف بما خلّفته من آثار العمران، فإنّ الأمم العلميّة تُعرف كذلك بما خلّفته
من آثار البيان. وليس في وسعنا أن ندرك مقدار الإسهام الجزائريّ، في بناء الفقه المالكيّ إلّا إذا عدنا
إلى خزائن المخطوطات: ففيها تتجلّى الحركة العلميّة، في صورتها الحقيقيّة؛ فهي لا تكشف لنا أسماء المؤلّفات فحسب؛ بل تكشف أيضا شبكات التلقّي، ومسالك الرّواية، وطرائق التدريس، وأسانيد الإجازة، وعادات النّسخ، وهوامش العلماء، وتعقيبات القرّاء، وتملّكات الكتب، ورحلاتها بين الحواضر والبوادي؛ حتّى يغدو المخطوط وثيقة حضاريّة كاملة، لا نصًّا فقهيًّا مجرّدًا.
ولهذا، فإنّ القيمة المرجعيّة للمخطوطات المالكيّة لا تنبع من قِدمها، وإنّما من كونها الوعاء
الّذي تشكّلت داخله المدرسة الفقهيّة الجزائرية، ومن خلالها يمكن إعادة رسم الخريطة العلميّة للبلاد، ومعرفة مراكز الإشعاع العلميّ، ومسارات انتقال المعرفة بين تلمسان وبجاية والجزائر العاصمة وقسنطينة ومازونة والأغواط وغرداية وأدرار وطولقة والهامل؛ وغيرها من الحواضر والزّوايا الّتي تناقلت العلم، وأورثته الأجيال، في صورة تكاد تكون فريدة في تاريخ المنطقة.
ومن هنا، ندرك أنّ الخزائن الجزائريّة لم تكن أماكن للإيداع، وإنّما كانت مؤسّسات للعلم، تحفظ الكتاب لأنّه يُقرأ، وتصون النسخة لأنّها تُدرَّس، وتعتني بالمخطوط لأنّه جزء من دورة المعرفة، لا قطعة مُتحفيّة جامدة.
من هذا المنطلق، ينبغي أن ننظر اليوم إلى كنوزنا، وأن نعيد وصل حاضرنا العلميّ برصيد ما يزال يخفي بين دفّتيه كثيرًا من وجوه الإبداع والاجتهاد، الّتي لم تنل حظّها من الدّراسة والتّحقيق.
أيّها الحضور الكريم؛
لقد أدرك أسلافنا، بفقههم العميق لسنن العمران، أنّ العلم لا يُصان بكثرة المؤلّفات وحدها، وإنّما بصيانة الأوعية الّتي تحملها، وحفظ البيئات الّتي تنقلها، فكانت الخزائن العلميّة في الجزائر جزءا
من المنظومة المعرفيّة، لا مؤسّسةً ملحقة بها. ولم تكن تؤدّي وظيفة الحفظ فحسب؛ بل كانت تضطلع بوظائف التعليم، والإقراء، والإجازة، والإعارة، والنسخ، والمقابلة، والمراجعة؛ حتّى غدت حلقة فاعلة
في دورة إنتاج المعرفة، ومظهرا من مظاهر الوقف العلميّ، الّذي عرفت به الحضارة الإسلامية.
لذلك، فإنّ الحديث عن خزائن المخطوطات في الجزائر هو في حقيقته حديث عن تاريخٍ للعلم، وعن عمرانٍ للمعرفة، وعن مؤسّساتٍ أسهمت في صناعة المرجعيّة الدينيّة الّتي استقرّت في وجدان الأمّة. فكلّ خزانة من تلك الخزائن تمثّل صفحة من صفحات التاريخ العلميّ للجزائر، وكلّ مخطوط فيها يحمل بين سطوره قصّة عالم، أو رحلة طالب، أو عناية ناسخ، أو وقف محسن، أو عناية أسرة جعلت من حفظ العلم رسالة تتوارثها الأجيال.
وليس من قبيل المصادفة أن تكون أغلب هذه الخزائن قد نشأت في رحاب المساجد والزوايا؛
إذ كانت الزاوية، في التجربة الجزائرية، فضاء جامعا بين التربية والتعليم والإفتاء والإصلاح الاجتماعيّ؛ فكان الكتاب فيها قرين الذكر؛ وكان الفقه شقيق السّلوك؛ وكانت صناعة العالم لا تنفصل عن صناعة الإنسان. ولذلك احتلّت مخطوطات الفقه المالكيّ مكان الصدارة في تلك الخزائن؛ لأنّها كانت تمثّل المتن المرجعيّ الّذي تنتظم حوله الحياة العلميّة، وتنبني عليه مناهج التدريس، وتصدر عنه الفتوى، ويستند إليه القضاء.
ومن يتأمّل هذه المخطوطات لا يقف عند نصوصها فحسب؛ وإنّما يقرأ، في هوامشها وتعقيباتها وسماعاتها وتملّكاتها وإجازاتها، تاريخا آخر لا يقلّ أهمّية عن المتن نفسه؛ تاريخًا يكشف عن حركة العلماء بين الحواضر والقرى، وعن الصّلات العلميّة، الّتي ربطت الجزائر بالمشرق والمغرب، وعن الرّحلة الدّائمة للكتاب، بين النّاسخ والقارئ، وبين الشّيخ والتلميذ، حتّى أصبح المخطوط شاهدا على حياة علميّة نابضة، لا على نصٍّ جامد، أُغلق عليه باب الخزانة.
وهنا تتجلّى القيمة المرجعيّة الحقيقيّة لهذه الكنوز؛ إذ لم تكن المرجعية الدينية في الجزائر نتاج قرار إداريّ، ولا ثمرة خطاب ظرفيّ؛ وإنّما كانت حصيلة قرون من التراكم العلميّ، حفظتها
هذه المخطوطات، وأمّنت انتقالها عبر الأجيال. فمن خلالها استقرّ الفقه المالكيّ، ورسخت أصوله، وتوحّدت مناهج تدريسه، وتشكّلت الشخصيّة العلميّة للعالم الجزائريّ؛ حتّى غدا الانتماء إلى المرجعيّة المالكيّة انتماء مؤسّسًا على العلم والتحصيل، لا على مجرّد التقليد.
ولعلّ من أبلغ ما تكشف عنه هذه الخزائن أنّها لم تكن تعيد إنتاج المعرفة فحسب؛ بل كانت تنتجها. فبين رفوفها لم تحفظ كتب الإمام مالك وأصحابه فقط، وإنّما حفظت أيضا شروح علماء الجزائر، وحواشيهم، ونوازلهم، وفتاواهم، واختياراتهم، وتعليقاتهم؛ وهي آثارٌ تدلّ على أنّ المدرسة الجزائريّة
لم تكن مستهلكة للمعرفة، بل كانت شريكا في بنائها، مُسهمة في تطويرها، وفي إغناء المكتبة المالكيّة،
بما يعكس خصوصيّات المجتمع الجزائريّ وقضاياه ومستجدّات حياته.
لذلك، فإنّ الإنصاف العلميّ يقتضي أن ننتقل في نظرنا إلى المخطوط، من كونه وثيقة تاريخيّة، إلى كونه شاهدا على الإسهام الحضاريّ للجزائر، في خدمة الفقه الإسلاميّ. فالأمّة الّتي تحفظ تراثها
إنّما تحفظ ذاكرتها؛ أمّا الأمّة الّتي تحقّق تراثها، وتفهرسه، وتدرسه، وتعيد قراءته في ضوء حاجات عصرها، فإنّها تستعيد مكانها في صناعة المعرفة الإنسانيّة.
حضرات السّادة والسيّدات؛
إنّ المسؤوليّة الّتي تنهض بها مؤسّساتنا العلميّة اليوم ليست مسؤولية صيانة الورق من التلف فحسب؛ بل هي صيانة المعنى من الغياب، وصيانة الذّاكرة من النسيان، وردّ هذه الكنوز إلى وظيفتها الأولى: وظيفة الإشعاع العلميّ، والإسهام الحضاريّ، وتكوين الأجيال، وإحياء روح الاجتهاد المنضبط بأصوله وقواعده.
وإذا كانت الخزائن العلميّة قد أدّت رسالتها في الماضي، بحفظ العلم لأهله، فإنّ رسالة الحاضر تقتضي أن تنتقل من الحفظ إلى الإتاحة، ومن الإتاحة إلى التحقيق، ومن التحقيق إلى البناء المعرفيّ؛
حتّى تغدو المخطوطات عنصرا فاعلا في نهضة الدّراسات الإسلاميّة المعاصرة؛ لا مجرّد شاهد على أمجاد مضت وانقضت.
وهنا، تتعاظم مسؤوليّتنا في جامع الجزائر، بما حباه الله من مكانة وطنيّة ودوليّة، وإمكانات علميّة، في أن يكون جسرا يصل بين هذا الميراث العريق وآفاق المستقبل؛ فيحتضن مشاريع الفهرسة والتحقيق والرّقمنة؛ ويجمع جهود الجامعات والخزائن والزوايا والباحثين، لتعود مخطوطات الفقه المالكيّ إلى موقعها الطبيعيّ: منارات للعلم، ومراجعَ للباحثين، وشواهدَ على أنّ الجزائر لم تكن حافظة للتراث فحسب؛ بل كانت إحدى الحواضن الكبرى لصناعته وإثرائه؛ وبما يجعلها خادمة للذّاكرة الوطنيّة، محافظة على التّراث الإسلاميّ والإنسانيّ، مثرية للبحث العلميّ العالميّ.
أيّها الحضور الكريم؛
إذا كانت هذه المخطوطات قد أدّت رسالتها في الماضي، فإنّ من حقّها علينا أن نهيّئ لها اليوم حياة جديدة، تحفظ أصولها، وتصون مادّتها، وتيسّر الإفادة منها، وتعيدها إلى دائرة الإشعاع العلميّ،
حتّى تبقى مصدرا للبحث، ومنارة للمعرفة، وجسرا يصل حاضر الأمّة بميراثها العلميّ الأصيل.
ومن هذا المنبر، فإنّني أجدها مناسبة لأجدّد الدّعوة إلى كلّ العلماء، وإلى الأسر الجزائريّة الكريمة، وإلى الزوايا التي يتعذّر عليها حفظ مخطوطاتها، وإلى الخزائن الخاصّة، وكلّ من أكرمه الله بحيازة مخطوط، أو مجموعة من المخطوطات، أن يجعلها في مأمن من غوائل الزّمن، وأن يسهم في حفظها للأمّة، بإيداعها لدى جامع الجزائر، حيث تجد العناية العلميّة، والحفظ الفنيّ، والفهرسة، والرقمنة، والإتاحة للباحثين؛ لتبقى ملكا للعلم، ووقفا للمعرفة، وأثرا خالدا لصاحبها ولذويه.
فكم من أسرة حفظت المخطوطات، في ظروف الاستعمار، أو نقلتها جيلا بعد جيل؛ وهي لا تدرك أنّها تحفظ جزءا من الذّاكرة الوطنيّة. إنّ المخطوط إذا بقي حبيس الخزانة الخاصّة، انتفع به أفرادٌ معدودون؛ أمّا إذا دخل المؤسّسة العلميّة، فقد عمّ نفعه، انفتح على أجيال من الباحثين وطلّاب العلم، وأصبح صدقة جارية، يتجدّد ثوابها كلّما قرأ فيه قارئ، أو أفاد منه باحث، أو استضاء به طالب علم، مصداقا لقول النبيّ، صلّى الله عليه وسلّم:
“إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلّا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له”.
وإنّه ليسرّني، في هذا المقام، أن أجدّد خالص الشكر وعظيم الامتنان إلى الأسر الكريمة الّتي قدّمت أنموذجا حضاريا يُحتذى، وآثرت أن تجعل ميراثها العلميّ وقفا على الأمّة، وفي مقدّمتها أسرة الإمام
عبد الحميد بن باديس، الّتي أهدت خزانته، وأسرة الأستاذ سليمان الصّيد، فكان صنيعهم شاهدا
على وعي راسخ بأنّ قيمة التراث لا تتحقّق بحيازته؛ وإنّما تكتمل بحسن رعايته، وتمكين أهل الاختصاص من خدمته، وضمان بقائه حيًّا في حياة الأمّة.
وإنّي لعلى يقين بأنّ هذه المبادرات المأجورة، إن شاء الله، لن تكون خاتمة المطاف، وإنّما
هي فاتحة عهد جديد، تتسابق فيه الأسر الجزائريّة إلى صيانة ميراثها العلميّ، وإيداعه في مؤسّسات الأمّة، ليبقى محفوظا باسم أصحابه، معروفا بفضلهم، ومصدر فخر لأبنائهم وأحفادهم؛ وشاهدا لهم عند الله بما خلّفوه من علم نافع، وبما أسدوه من خدمة جليلة لوطنهم.
إنّ جامع الجزائر لا يطلب المخطوطات ليضيفها إلى خزائنه، وإنّما يفتح لها خزائنه؛ لتبقى محفوظة باسم أصحابها، خادمة لرسالة العلم الّتي نجتمع متعاونين على حمل أمانتها.
هذا، والله أسأل أن يبارك في جهود القائمين على هذه الندوة، والمشاركين في فعاليّتها؛ وأن يحفظ الجزائر وبلاد المسلمين، ويديم عليها نعمة الأمن والإيمان؛ وأن يوفّقنا جميعًا إلى صيانة تراثنا، والوفاء لأعلامنا، وحسن أداء رسالتنا، وحمل الأمانة الّتي أورثنا إيّاها أسلافنا.
إنّه وليّ الإعانة والتّوفيق.
والحمد لله ربّ العالمين.


