Scroll Top

مداخلة عميد جامع الجزائر في مؤتمر أمناء الأقصى بإسطنبول

 

بسم الله الرحمن الرحيم؛

الحمد لله الّذي رفع المؤمنين والّذين أوتوا العلم درجات.

والصلاة والسلام على سيّد الكائنات، سيّدنا ونبيّنا وحبيبنا محمّد،

وعلى آله وصحبه والتابعين ذوي الفضل والمكرمات.

أصحاب السماحة والفضيلة العلماء؛

حضرات السّادة فرسان المنابر، وحملة الفكر والقلم؛

أيّها الحضور الكريم، كلّ باسمه ومقامه؛

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد؛

 

فيسعدني أن أقف معكم في هذا المؤتمر المبارك، في مدينة إسطنبول، الّتي حملت عبر القرون معنى الوصل بين الشرق والغرب، وبين الروح والعمران؛ لأشارككم فصولًا من قضيّة هي من أقدس ما حفظ التاريخ، وأعمق ما أرسخته الرسالات السماوية: قضية المسجد الأقصى والقدس الشّريف؛ هذا الموطن الذي جعله الله عهدًا ورباطًا بين الأمّة وربّها؛ وجعله ميزان صدقها في التاريخ، وميدان امتحانها في الوعي والإرادة والسّلوك.

لقد شرّفني الإخوة الأفاضل، في مؤسّسة أمناء الأقصى بدعوتهم الكريمة، للمشاركة في هذا المؤتمر الدوليّ، الّذي اختاروا له شعارًا: «من منابر الأمّة إلى المسجد الأقصى .. عهدٌ ورِباط “؛ وهو شعار له دلالات عميقة؛ إذ يربط بين الثبات على العهد، وبين واجب الرّباط؛ ويحوّل المنبر من فضاء داخليّ إلى أفق عالميّ، ينهض برسالة القدس، في واقع تتصارع فيه السّرديات، وتُطمس فيه الحقائق.

 

أوّلًا: القدس.. ذاكرة الأمّة وروحها الممتدّة عبر الزمان.

منذ أن أسرى الله بعبده ومصطفاه، من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، صارت القدس أمًّا للمدائن في الوجدان الإسلاميّ، ومحرابًا تستقبل منه الأمّة تجلّيات الوحي، ورسائل السّماء.

فالقدس، من هذا المنظور، لا نراها جغرافيا محاصرة، بل ذاكرة حيّة كتبت عليها الأمّة صفحات من الفتح والعلم والعدل.

هي المدينة الّتي دخلها الفاروق عمر، رضي الله عنه بسلام؛ فصارت أنموذجًا لفتحٍ تُعانق فيه القوّةُ الرحمةَ؛ ويجتمع فيه الحقّ بالإنسان.

 

ومن يقرأ تاريخ القدس يرى أنّها كانت، في كلّ عصر، مِرآةً تعكس مستوى الأمّة:

فإن اعتدلت الأمّة اعتدل شأن القدس؛ وإن ضعفت الأمّة ضعف موضعُها في القدس؛ وإن نهضت الأمّة نهضت معها القدس. فهي لم تكن يومًا مجرّد مدينة، بل قلب الأمّة النّابض، وذاكرتها الخالدة. بين أسوار القدس، وبتاريخها العريق، يحفظ تراث الأجداد، ويذكر جهاد الأحرار. وستظلّ روح الأمّة حاضرة، عبر الزّمان، وعلى تعاقب الأجيال. هي رمز الانتماء والكرامة، وصرح الصّمود والرّباط، الّذي يربط الحاضر بالماضي، ليظلّ العزم والثّبات على الحقّ، والحفاظ على الهُوّية، شعلة لا تنطفئ بإذن الله.

وليس غريبًا أن تكون هذه المدينة مهوى أفئدة العلماء والفقهاء؛ وأن يكتب فيها المسلمون أعظم فصول التسامح والتعايش بين الأديان، يوم كان العدل قاعدة، والإنسان هدفًا وغاية.

 

ثانيًا: القدس اليوم.. الجرح الذي يكشف ضمير العالم.

في واقعنا الراهن، نواجه حملةً غير مسبوقة، تستهدف الهوّيّة الدينية والتاريخيّة للقدس والأقصى؛ سعيا لاقتلاع الإنسان الفلسطينيّ من جذوره.

إنّ ما يجري في أرض الإسراء والمعراج أخطر من كونه اعتداء على مقدّسات؛ بل هو محاولة لإعادة تشكيل الوعي العالميّ، حيث تبدو القدس منزوعة من تاريخها العريق، والمسجد الأقصى فاقدًا لذاكرته المجيدة.

إنّ الاقتحامات اليوميّة للمسجد الأقصى، والاعتداء على المرابطين، والمسّ بمكانة الحرم، ليست أحداثًا معزولة، بل هي، كما تبيّن التقارير، جزء من مشروع استراتيجيّ يرمي إلى فرض رواية أحاديّة تلغي الحقيقة الدينيّة والسياسيّة للمدينة.

وبالرغم من الأسى والألم، فإنّ القدس اليوم هي السراج الذي يكشف زيف المعايير الدوليّة. ففي الوقت الذي تُتلى فيه الخطب عن العدالة وحقوق الإنسان؛ نجد المسجد الأقصى يُدنّس، والقدس تُحاصر، والمخيّمات في الضفّة تنتهك، وغزّة تُدمّر، وأهلها يُقتّلون ويُهجّرون.

فأين الضمير العالمي؟ وأين أولئك الذين يرفعون شعارات الحرّيّة، ولا يريدونها في الواقع إلّا حين تتوافق مع مصالحهم؟

أيّ معنى لحقوق الإنسان، في ظلّ سياسة ازدواجيّة المعايير، الّتي تسلكها كثير من دول العالم؟ أيّ معنى لحقوق الإنسان إذا كان الإنسان العربيّ والمسلم، في كثير من المواطن، يواجه وحده محنته دون شريك، ودون نصير، ودون صوت ينادي بالعدل وصيانة الحقوق؟

لعلّ من خصائص واقعنا المعاصر، أنّ العالم يعيش اختلالا في الموازين؛ ويشهد في شتّى البلدان سقوطًا مدوّيًا للقيم التي طالما تغنّى بها الغرب. فنحن نشاهد شعوبًا تُحرم من أبسط حقوقها، وأطفالًا يُقتَلون تحت أنقاض الظلم، وأوطانًا تُدكّ، دون أن يرتجّ الضمير العالميّ.

إنّ هذه اللّحظة الحاسمة تكشف أنّ الأمّة الإسلاميّة ليست مطالبة فقط بالتعبير عن الأسى، بل بإعادة تقديم خطابها الحضاري للعالم: خطاب يربط العدالة بالإنسان، ويواجه الاحتلال بالحكمة والقوّة، ويجعل من القدس قضيّة أخلاقيّة قبل أن تكون سياسيّة.

 

ثالثًا: المسجد الأقصى.. من العهد الروحيّ إلى الرباط الحضاريّ

لقد لفت نظري شعار هذا المؤتمر: “عهد ورباط“؛ وبدا أنّه أبعد من أن يكون شعارًا إنشائيًا، بل هو استدعاء لمفهوميْن قرآنييْن:

  1. 1. العهد: وهو التزام الأمّة تجاه مقدّساتها، لا من باب الانفعال؛ ولكن من باب الوعي الراسخ بمسؤوليّتها التاريخيّة.
  2. 2. الرباط: وهو الثبات والصمود والعمل، لا في ميادين القتال فقط، بل في ميادين المعرفة والدعوة والإعلام والسياسة.

ومنبر العالم اليوم لا يُصنع بالسيف وحده؛ بل يُصنع بالصوت الحرّ، والرؤية العميقة، وإحياء الذاكرة، وتثبيت الرواية الصحيحة التي لا يستطيع الزمن محوها.

إنّ الأمّة التي تملك رسالة السماء، وعلّمت البشريّة معنى التعايش، مطالبةٌ اليوم بأن تحمل القدس من مساحة العاطفة إلى مساحة الفعل الحضاريّ: فعلٍ يحمي الإنسان، ويصون المقدّسات، ويعيد إلى العالم توازنه وميزانه الأخلاقيّ.

فها هو المسجد الأقصى، تدنّس أرضه الطّاهرة كلّ يوم عصابات الصّهاينة المجرمين الآثمين، على مرأى ومسمع من الحيارى المرابطين، الّذين توالت عليهم الضّربات، وتكرّرت منهم الصّرخات، وأكثر المنتسبين إلى الإسلام لا يسمعون، وإذا سمعوا لا يستجيبون.

إنّنا لا نطلب من الأمّة إلّا جانبا من سلطان الضمير، ويقظة الإحساس، والشعور بالكرامة، والذود عن الحمى، والغيرة على الحرمات والمقدّسات.

رابعًا: دور العلماء والدعاة.. منابر الأمّة إلى منابر العالم

لقد دُعيتم، أيها العلماء والخطباء، لا لتكرار التاريخ، بل لكتابته من جديد. وإنّ ما تنتظره منكم القدس ليس القصائد والخطب وحدها، وإنّما:

  • خطاب علميّ متين يدحض شبهات الاحتلال ويرسخ الرواية الأصيلة؛
  • خطاب روحيّ يبعث الأمل ويغرس اليقين في النفوس؛
  • خطاب سياسيّ متّزن يقدّم للإنسانيّة معنى العدل، ويكشف زيف القوّة حين تنفصل عن الأخلاق؛
  • خطاب إعلامي عالميّ يخاطب الشعوب بلغاتها، وينقل حقيقة الأقصى إلى كلّ بيت.

إنّ مسؤوليتكم، وأنتم أهل المنابر، ليست أقلّ من مسؤوليّة المجاهد في الميدان؛ فلكلّ موقع رجاله، وإنّ منبر العلم لا يقلّ أثرًا عن منبر المقاومة. مسؤوليّتنا جميعًا أن نحمل شعلة الوعي، والتحسيس بقضيّة الأقصى والقدس، والذّود عن حمى أرض الرّباط.

 

خامسًا: الجزائر.. موقف ثابت، ورسالة دولة، ومرجعيّة راسخة.

نحن في الجزائر، دولة وشعبا، ندرك ما يدركه الأحرار، من عدالة قضيّة فلسطين، واليقين بالنّصر المؤزَّر والفتح المبين. والجزائر، بتاريخها النضاليّ، وذاكرتها التحرّرية، ووفائها لشهدائها، لم تتغيّر في موقفها من القدس والأقصى: فهي اليوم، كما كانت بالأمس، تعتبر القضيّة الفلسطينية قضيّة وطنية؛ وتضع القدس في صميم رؤيتها الدبلوماسية.

لقد أكّد السيّد رئيس الجمهورية مرارًا أنّ فلسطين ليست ملفًّا تفاوضيًا، بل مبدأً من مبادئ الدولة الجزائرية. ولذلك فإنّ بلادنا، عبر جامع الجزائر ومؤسّساته، تواصل احتضان القضيّة الفلسطينيّة في مناهجها، وخطابها، ودبلوماسيّتها الروحية والثقافيّة.

وجامع الجزائر، هذا الصرح الحضاريّ، الذي يجمع بين الروح والعلم وقِيم الدولة، أعلن، ومافتئ يؤكّد: أنّ القدس جزء من رسالته؛ وأنّ المسجد الأقصى ليس رمزًا بعيدًا في الجغرافيا، بل هو جزء من هُوّيّة الأمّة التي يخدمها الجامع، ويرفع رايتها في الخطاب والدعوة والتعليم والبحث العلمي.

 

سادسًا: رؤية المستقبل.. القدس ليست نهاية الطريق

إنّ نظرتنا إلى القدس لا تنحصر في الماضي ولا في الحاضر، بل تتّجه إلى المستقبل: مستقبل تُستعاد فيه الكرامة، ويُبنى فيه السلام على أساس العدل، وتعود فيه المدينة إلى دورها الطبيعي: مدينةً للأنبياء، وفضاءً للروح، ومركزًا لتلاقي الحضارات.

ولا شكّ أنّ الطريق طويل؛ لكنّ التاريخ يخبرنا أنّ القدس لا تُهزم، وأنّ الاحتلال، مهما يشتدّ، لا يستطيع أن يقف أمام إرادة شعب، ولا أمام روح أمّة حيّة.

وهذا ما يجعلنا نؤمن بأنّ القدس آتية:

  • آتية لأنّها وعد الحقّ؛
  • وآتية لأنّها أمانة الأنبياء؛
  • وآتية لأنّ الشعوب، مهما يطل صمتها، لا تموت.

إنّ حوافز الأمل حاضرة في أبناء فلسطين، الّذين يقاومون الاحتلال، في سبيل استرجاع الوطن السليب، وتحرير مقدّسات الإسلام. ومن فضل الله عليهم أنّ شعلة الجهاد تتوقّد في نفوسهم. لا يخشون وعيدا، ولا يرهبون تهديدا. والرجاء في الله أن يهيّئ لهم مالا يتوقّعون أو يحتسبون، لكي تأتي المحطّات المناسبة فتتآلف القلوب، وتجتمع الكلمة، وينخرطوا بجميع فئاتهم وأطيافهم، في سياسة راشدة، تنبذ الفرقة والانقسام، وتتأبّى على التخاذل والهوان؛ تأسّيا بجهاد إخوانهم الجزائريين، وثورتهم المباركة الّتي ألهمت الشعوب، في نضالها لانتزاع الحرّية، والانعتاق من ربقة الاحتلال.

إنّ أمّتنا ستنتصر، بإذن الله، ولو بعد حين؛ ستنتصر حين تعود إلى الله، وتعتصم بحبل الله. ستنتصر حين تكون قويّة في علمها وأخلاقها، مستمسكة بقيمها ومقوّمات وحدتها، مرشّدة لإمكاناتها وقدراتها. تلكم هي القوّة المنشودة، بعد توفيق الله، للنّهوض بأمّة الإسلام، وتحرير مقدّسات الإسلام.

 

ختامًا.. كلمة إلى أرواح الشهداء وأهل الرباط

إلى المرابطين في ساحات القداسة؛ إلى من يحمون بصدورهم أولى القبلتيْن؛ إلى من يُصلّون تحت الحصار؛ وإلى أطفال القدس الّذين حفظوا أسماء الأزقة قبل أن يتعلموا الكتابة..

إلى الأحرار نقول:

إنّ الأمّة، مهما تتباعد طرقها، ستعود إلى القدس، حين يُمتحن صدقها. وها نحن اليوم نعلن، من إسطنبول، أنّكم لستم وحدكم، أيّها الأحبّة؛ وأنّ المسجد الأقصى ليس طفلًا بلا أهل، بل هو في قلوب مليارين من المسلمين. المسجد الأقصى يسكن قلوبنا، نتذكّره، وألسنتنا تنهج بالدّعاء إلى الله أن يمنّ علينا بالصّلاة فيه، وقد تحرّر من الغاصبين.

نسأل الله تعالى أن يبارك في اجتماعنا هذا، ليكون خطوة في طريق العزّة؛ وأن يجعل من أعمالنا نورًا يبدّد الظلم والطّغيان؛ وأن يردّ القدس إلينا نحن أهلها ردًّا جميلًا، عاجلًا غير آجل، بإذن الله.

﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾

والحمد لله ربّ العالمين.