Scroll Top

كلمة عميد جامع الجزائر في الملتقى الوطني حول المخطوط الأمازيغيّ

كلمة السيّد عميد جامع الجزائر، الشيخ محمّد المأمون القاسمي الحسني،
في الملتقى الوطني حول المخطوط الأمازيغيّ الموسوم:
“المخطوط الأمازيغيّ، حبر الهُوّيّة وذاكرة التّاريخ”
يومي: 21 و22 ذي الحجّة 1447هـ، الموافق 07 و08 يونيو 2026م.
بمناسبة إحياء اليوم الوطنيّ للكتاب والمكتبة.
ببلديّة بوسمغون، ولاية البيّض.


الحمد لله الذي علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم؛
جعل حفظ العلم من أجلّ القربات، وصيانة الذاكرة من أعظم الأمانات؛
والصّلاة والسّلام على أشرف الكائنات، الّذي أخرج الله به الناس بإذنه من الظّلمات؛
وهداهم إلى سواء السّبيل وطريق النّجاة. صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه،
والتابعين من ذوي الفضل والكرمات.

السيّد والي ولاية البيّض المحترم؛
السيّد الأمين العامّ للمحافظة السّامية للأمازيغية؛
رئيس المجلس الشعبي الولائي؛
السّادة أعضاء البرلمان؛
السيّد الوالي المنتدب للأبيض سيّدي الشيخ؛
السّادة أركان الولاية القائمين على شؤونها؛
أسرة الجهاد؛
حضرات السّادة العلماء والباحثين والخبراء؛
أسرة الإعلام؛
حضرات السّادة والسيّدات، الحضور الكرام؛

السّلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، وبعد؛
فيسعدني أن أشارككم افتتاح هذه التظاهرة العلمية والثقافية المباركة، الّتي تنتظم تحت عنوان بليغ الدّلالة: “المخطوط الأمازيغيّ.. حبر الهُوّيّة، وذاكرة التاريخ”؛
وهو عنوان يفتح أمام الباحث أبوابا واسعة للتأمّل في مسيرة أمّة، كتبت وجودها في دفاتر العلم، قبل أن تكتبه في سجلّات السياسة؛ وأثبتت حضورها في خزائن المعرفة، قبل أن تثبته في مدوّنات التاريخ.
وإنّ اختيار اليوم الوطنيّ للكتاب والمكتبة موعدا لهذا اللّقاء، يحمل في ذاته رسالة عميقة؛ ذلك أنّ الأمم تُحفظ بقدر ما تَحفظ ذاكرتها؛ وتبقى حاضرة في التاريخ، بقدر
ما تصون آثار علمائها وشواهد حضارتها. والكتاب هو وعاء الذاكرة؛ أمّا المخطوط
فهو صورتها الأولى، ومرآتها الّتي تعكس أحوال المجتمعات، ومسالك العلماء، وأصوات الأجيال الّتي عبرت من هذه الأرض، وتركت فيها أثرها الروحيّ والفكريّ والثقافيّ.

أيّها الحضور الكريم.
حين نقف أمام المخطوط الأمازيغيّ المكتوب بالحرف العربيّ، فإنّنا نقف أمام صفحة ناصعة من صفحات التاريخ الثقافيّ للجزائر؛ حيث التقى اللّسان بالأرض؛ والتقت العقيدة بالهُوّية؛ والتقت الخصوصيّة المحلّيّة بالأفق الحضاريّ للأمّة الإسلاميّة.
لقد دخل الإسلام إلى هذه الرّبوع، حاملا رسالة عالمية تسع الناس جميعا؛ فلا تنزع عنهم ألسنتهم، ولا تذيب خصائصهم الذّاتية؛ وإنّما ترتقي بها في أصل الوجود الدنيويّ،
من عبوديّة، وخلافة، وعمران. ولذلك وجد الأمازيغ في الإسلام رحابة الانتماء،
ووجد الإسلام في الأمازيغ صدق التلقّي، وحسن التمثّل، وقوّة التبليغ؛ فكان هذا التفاعل المبارك من أعظم الشواهد على قدرة الحضارة الإسلاميّة على الجمع بين الوحدة والتنوّع؛
وبين الثبات والتجدّد.
ومن رحم هذا التفاعل، وُلد تراث مخطوطيّ ثريّ، دُوّنت فيه المعارف الشرعيّة، والعلوم اللّغويّة، والمتون التعليمية، والنوازل الفقهية، والوصايا التربوية، والسِّيَر والمناقب، وكتب التاريخ المحلّيّ؛ فغدا المخطوط الأمازيغيّ شاهدا مادّيا على قرون طويلة من الإسهام العلميّ، الّذي شاركت فيه مناطق الجزائر المختلفة، من جبال الأوراس وجرجرة، إلى واحات قورارة وتوات والأهقّار؛ ومن بني سنوس إلى بوسمغون؛ في شبكة واسعة من التواصل المعرفيّ، الّذي لم تَعُقه المسافات، ولم يُضْعف عراه تعاقبُ الزّمان.
وإذا كانت اللّغات تحفظ الذاكرة، فإنّ المخطوطات تحفظ حياة اللّغات نفسها؛
فلولا ما دوّنه العلماء والفقهاء والمدرّسون في تلك الأوراق، لضاعت كثير
من المعالم، الّتي تمكنّنا اليوم من فهم التطوّر التاريخي للّسان الأمازيغيّ، بمختلف متغيّراته، وطرائق تداوله، ومجالات استعماله، وصلاته العميقة بلغة القرآن؛ في فضاءات العلم والقضاء والإفتاء، والتربية والتّعليم.

أيّها السّادة الأفاضل.
إنّ من يطالع تاريخ المخطوط الأمازيغيّ في الجزائر يكتشف سريعا أنّ الزّوايا العلميّة ببلادنا كانت من أبرز الحواضن الّتي رعته، وأمدّته بأسباب البقاء؛ ففي تلك المؤسّسات العلميّة والروحيّة تخرّج العلماء، ونُسخت الكتب، وحُفظت المتون، وتوارثت الأسر العلميّة خزائن كاملة من المخطوطات، جيلا بعد جيل.
وقد أدّت الزوايا دورا حضاريّا بالغ الأهمّية في تثبيت المرجعيّة الدينيّة الوطنيّة، وفي نشر العلم الشرعيّ، وفي حماية المجتمع من عوامل التفكّك والجهل، والغلوّ في الدّين؛ فارتبط اسمها بالقرآن الكريم، وبالتربية والتّعليم، وبالصّلح الاجتماعيّ، وبصيانة اللّغة العربيّة واللّسان الأمازيغيّ معًا، داخل الفضاء الحضاريّ الإسلاميّ الواحد.
ومن هذا المنطلق؛ فإنّ الحديث عن المخطوط الأمازيغيّ يقودنا بالضرورة إلى الحديث عن تاريخ العلم في الجزائر، وعن القلاع العلميّة الّتي حملت مشعل المعرفة في فترات غابرة، ضعفت فيها الدّولة الجزائريّة، أو تباعدت فيها المراكز العلمية الكبرى. ولهذا بقيت خزائن المخطوطات المنتشرة في ربوع الوطن بمثابة ذاكرة حيّة، تحفظ ما كتبه الأسلاف، وتنتظر من الأجيال الجديدة أن تعيد اكتشافه وتحقيقه، وإخراجه إلى النور.

أيّها الحضور الكريم.
لقد أصبحت المخطوطات اليوم في قلب رهان حضاريّ جديد: فالعالم المعاصر
لا يقيس ثروة الأمم بما تختزنه خزائنها فقط؛ وإنّما يقيسها بما تنتجه من معرفة، انطلاقا من ذلك المخزون. ولهذا فإنّ الجرد العلميّ، والتحقيق الأكاديميّ، والفهرسة المنهجيّة، والرقمنة المُحكمة، وتكوين الكفاءات المتخصّصة في علم المخطوط، لم تعد أعمالا تقنيّة منفصلة؛ وإنّما صارت مكوّناتٍ أساسيّةً للأمن الثقافيّ والسّيادة المعرفية.
إنّ الأمّة الّتي تجهل ما تملكه من تراث، تظلّ عاجزة عن استثمار أحد أهمّ مصادر قوّتها الرمزية؛ أمّا الأمّة الّتي تحسن قراءة ذاكرتها، فإنّها تمتلك القدرة على تحويل الماضي إلى طاقة للمستقبل؛ وتحويل الوثيقة إلى معرفة، والمعرفة إلى مشروع حضاريّ متجدّد.
ومن هذا المنظور، تكتسب الجهود الّتي تبذلها الدولة الجزائرية اليوم، في حماية التراث الثقافيّ، المادّيّ وغير المادّيّ، أهمّيّة استراتيجيّة كبرى؛ لأنّها تعبّر عن وعي عميق بأنّ الهُوّية الوطنيّة ليست شعارا يُرفع، وإنّما رصيد تاريخيّ يُصان، وذاكرة جماعيّة تُحفظ، فأمنٌ وطنيّ يُصان ويُعزّز، ومعرفة متراكمة تُورّث للأجيال.
كما أنّ العناية بالأمازيغيّة، بمختلف متغيّراتها، وتراثها العلميّ والثقافيّ، تندرج
ضمن رؤية وطنيّة جامعة، تستحضر مختلف مكوّنات الشخصيّة الجزائريّة، في إطار ثوابتها الراسخة، ووحدتها المتينة؛ تلك الوحدة الّتي صاغها الإسلام عبر القرون، وحمتها تضحيات شعبنا المسلم، في مختلف المراحل التاريخية.
وإنّ جامع الجزائر، بما يضمّه من مؤسّسات علميّة وبحثيّة وثقافية، ينظر إلى تراثنا المخطوط بعين الأمانة الحضاريّة؛ ويعتبر حفظ المخطوطات الوطنيّة، وتحقيقها، ورقمنتها، وإتاحتها للباحثين، واجبًا علميًّا تشترك فيه مختلف المؤسّسات الوطنية.
ومن هذا المنطلق، فإنّنا نعبّر عن استعدادنا للإسهام في كلّ المبادرات العلميّة،
الرامية إلى صيانة التراث المخطوط الجزائريّ وتثمينه، بما يعزّز حضور الذاكرة الوطنيّة
في الأجيال الصّاعدة.

حضرات السّادة.
لعلّ اختيار بوسمغون لاحتضان هذا الملتقى، يحمل دلالة تتجاوز حدود المكان
إلى معاني التاريخ: فهذه الحاضرة العريقة الّتي تعاقبت عليها قوافل العلم والتجارة والرحلة؛ واحتضنت رجالا من أهل القرآن وحملة رسالة العلم، تختزن في عمرانها وذاكرتها شواهد كثيرة على الامتزاج الخلّاق، بين الإنسان والصّحراء؛ وبين الثقافة المحلّيّة والانتماء
الحضاريّ الواسع.
وما أحوجنا اليوم إلى أن نستعيد من روح تلك الحواضر قدرتها على إنتاج المعرفة،
وأن نبعث في خزائنها المخطوطة حياة جديدة؛ وأن نجعل من تراثها موضوعاً للبحث الجامعيّ، ومادّة للمشاريع العلميّة، وموردا للإبداع الثقافيّ.
وفي هذا المقام، أتوجّه بخالص التقدير والشّكر إلى المحافظة السّامية للأمازيغيّة،
على ما تبذله من جهود في خدمة التّراث الأمازيغيّ؛ وإلى السّلطات المحلّيّة لولاية البيّض، على احتضانها هذه المبادرة العلميّة؛ والشّكر موصول للباحثين والخبراء، وأصحاب الخزائن الخاصّة، وكلّ الغيورين على التراث الوطنيّ.
والله أسأل أن يبارك ملتقانا؛ ويوفّق المشاركين فيه إلى ما يخدم العلم، وينفع الوطن؛ وأن يجعل توصياته لبنة جديدة في صرح المحافظة على الذاكرة الوطنيّة، وصيانة التراث المخطوط، وتعزيز حضور الجزائر، في مجال البحث العلميّ، المتّصل بتراثها الحضاريّ.

والله وليّ الإعانة والتّوفيق.
والحمد للّه ربّ العالمين.