جاء ذلك في كلمته الافتتاحية لندوة علميّة، نظّمها #المجلس_العلميّ للجامع، موسومة بـ: “رسالة المسجد في المجتمع المعاصر”، احتضنتها المدرسة الوطنية العليا للعلوم الإسلاميّة بجامع الجزائر “دار القرآن”، يوم الثلاثاء، الفاتح من ربيع الآخر 1447ه، الموافق 23 سبتمبر 2025م.
وأوضح السيّد العميد في كلمته التوجيهية، أنّ المسجد، الّذي أسّسه رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم: «كان مدرسة للتعليم، ومقرًّا للشورى، ومركزًا للتعبئة الروحية والاجتماعية، إلى جانب كونه موضع الركوع والسجود. كما كان بحقّ مدرسة للتزكية وصقل الأخلاق، إذ فيه يتحلّى المسلم بمحامد التواضع، والمساواة، ونكران الذّات، وفي رحابه، تتحقّق وحدة الاتّجاه إلى الله، في مشهد جامع للأمّة كافّة».
وأفاد أنّ: «المجتمعات المعاصرة، في ظلّ طغيان الأنانيّة، وتفشّي النّزعات الفردية والمادّية، أحوج ما تكون إلى روضة المسجد، نتطهّر عندها ونتعبّد، وتتسامى في مشاعرنا وتتعالى، ونتجمّع حول تعاليمه السامية ونتلاقى.» ودعا إلى جعل المسجد «دار عبادة، ومعهد تعليم وتربية، ومركز تقويم وإرشاد، يدخل إليه المسلم طالبًا للزاد والمدد، ويخرج منه إلى الحياة بإحساس يقظ، وبصيرة في الصدور، وسموّ وضياء في الأرواح».
وعن أولويّات رسالة المسجد، أكّد الشّيخ القاسميّ ضرورة الارتقاء بالخطاب المسجديّ، في ظلّ التحدّيات الرّاهنة، «من الفراغ الرّوحيّ، والاغتراب الثّقافيّ، وغلبة الحياة المادّية، وانحسار القيم والأخلاق الإسلاميّة». مشيرًا إلى أنّ «واقع اليوم يفرض على المسجد مسؤوليّات إضافيّة تجاه الشباب؛ الذي يعيش في عالم مفتوح على الإغراء والتشويش، وتجاه مؤسّسة الأسرة التي تستهدفها مخططات تغريبية، تعرّضها لشتّى المخاطر».
وشدّد على وجوب «أن يكون الخطاب المسجدي جامعًا، يوفّق بين الأصالة والمعاصرة، ويفصل بين الثوابت والمتغيّرات، وأن يكون أصيلًا مستنيرًا، من حيث مرتكزاته وموضوعاته، وتنوّعه واعتداله، واتّصاله بالزمان والمكان؛ ومراعاته الوقائع والمستجدّات. خطاب يسعى لترقية الحياة الروحية، دون إهمال متطلّبات الحياة المادّية، ويتّجه في غاياته إلى إحياء القلوب، وبعث الطّاقات الروحية في النفوس».
وعرض السيّد العميد أبرز ملامح الخطاب المسجدي المعاصر؛ وأوصى بأن تتّجه عنايته إلى أهداف سامية، منها على وجه الخصوص:
1- تزكية النفوس، وربط القلوب بالله، عبر إحياء معاني الذكر لخشوع، وتوضيح قيمة الإحسان في الحياة العامّة.
2- تعزيز الأخلاق العامّة، وغرس قيم الصّدق والأمانة، ومحاربة مظاهر البغي والفساد.
3- خدمة قضايا الأسرة والشباب، بتقديم حلول واقعيّة تحفظ كيان الأسرة، وتوجّه الشباب نحو أهداف سامية، في خدمة أمّته ووطنه.
4- تحصين المرجعيّة الدّينيّة الوطنيّة، التي حفظت بلادنا من ويلات الغلوّ والانحراف، وجعلت من الإسلام في الجزائر أنموذجًا للوسطية والاعتدال.
5- نشر ثقافة الحوار، وأدب الاختلاف، في زمن يتصاعد فيه خطاب الكراهية والتعصّب، حتّى يبقى المسجد جامعًا للقلوب، موحّدًا للصفوف.
واختتم عميد جامع الجزائر كلمته بالتأكيد «أنّ رسالة المسجد اليوم تتجاوز حدوده المكانية، لتصبح مشروعًا حضاريًا متكاملاً، فيربط العلم بالدين، والدنيا بالآخرة؛ ويوفّق بين متطلّبات الروح وحاجات الجسد؛ ويبني إنسانًا متوازنًا، مؤمنًا بربّه، نافعًا لوطنه، فاعلاً في مجتمعه. وأن الأمّة اليوم أحوج ما تكون إلى أن يستعيد المسجد دوره الأصيل: منارةً للهداية، ومركزًا للوحدة، ومصدرًا للأمن الروحي والاجتماعي».
وأكّد أ.د موسى إسماعيل، رئيس المجلس العلميّ، في مداخلته أنّ «المسجد كان ولا يزال القلب النابض للمسلمين، ومصدر إشعاع روحيّ وعلميّ، ومركزًا لتربية النفس وتهذيب السلوك، ومكانًا للتزوّد بالطاقة الإيمانيّة التي تدفع المسلم لأداء واجباته وتحفظه من الانحراف.» وشدّد على أنّ «المسجد هو السبيل لنهضة الأمّة وإيقاظها من التخلّف إلى ذروة العزّ والمجد»، مشيرًا إلى أنّ «إمام المسجد كان ولا يزال الرّجل الأوّل في المجتمعات الإسلاميّة، وهو المربّي والمرشد والدّالّ على الطريق الموصل إلى الله».
كما أكّد أنّ اهتمام الإسلام بالمسجد «تجلّى في فعل النبيّ، صلّى الله عليه وسلّم، ببنائه قبل بيته عند الهجرة، ليكون نقطة انطلاق لتبليغ الدعوة، ونشر الدين الحنيف، ومركّزًا لتعليم المسلمين وتوجيههم وتفقيههم عبر مجالس العلم وحلقات الذّكر».
ودعا إلى أن «تظلّ مساجدنا، وفي مقدّمتها #جامع_الجزائر، رائدة في المجتمع لنشر الدين الصحيح وتهذيب النفوس وتعليم الناس ما ينفعهم في دينهم ودنياهم».
وشهدت النّدوة مشاركة نخبة من الأساتذة والمشايخ، قدّموا مداخلات ثريّة، استعرضت محاور عدّة، منها محاضرة بعنوان: “رسالة المسجد في بناء الإنسان وقيم المجتمع”، قدّمها الأستاذ عبد العزيز ثابت، وأخرى بعنوان: “الوظائف الحضاريّة للمسجد والإمام، من خلال النصوص التشريعية والتنظيميّة”، ألقاها الدّكتور بلال سعيدان. وتناول الشّيخ أحمد بن محمّد خليلي موضوع “إسهامات الشّيخ العلامة محمّد بلكبير في إحياء النشاط المسجديّ”. وألقى الأستاذ عماد بن عامر مداخلة موسومة بـ: “جامع الجزائر: إنجازات وتطلّعات، الفضاء المسجديّ أنموذجًا”.















