Scroll Top

حكم استعمال الطيب والبخور وأثرهما على صحة الصيام

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى ٱله وصحبه ومن والاه.

أمَّا بعدُ؛ فمن محاسنِ الشريعةِ أنَّها بُنِيَت على التيسيرِ ورفعِ الحرج، مع ضبطِ العباداتِ بضوابطَ دقيقةٍ تُفرِّقُ بين ما يصلُ إلى الجوفِ عمدًا وما يصلُ بغيرِ قصدٍ، وبين ما له جِرمٌ يُتصوَّرُ دخولُه، وما هو مجرَّدُ رائحةٍ لا عَينَ لها.

وعند المالكيةِ أنَّ المفطِّرَ إنما هو ما وصلَ إلى الجوفِ من منفذٍ معتادٍ على وجهٍ مقصودٍ، وكان عينًا لها جِرمٌ. أمَّا ما ليس بعينٍ قائمةٍ، ولا في معنى الأكلِ والشربِ، فلا يُفسِدُ الصومَ.

وعليه؛ فيجوزُ للصائمِ في نهارِ رمضانَ استعمالُ العطرِ والطيبِ، وكذلك الصابونِ المُعطَّرِ حالَ الاغتسالِ؛ لأنَّ الرائحةَ ليست عينًا قائمةً بنفسِها، وإنما هي أثرٌ متصاعدٌ لا يُتصوَّرُ ابتلاعُه، ولا وصولُه إلى الجوفِ على وجهِ التغذِّي، فلا يترتَّبُ عليه فسادُ الصوم.

وأمَّا البخورُ، فيجوزُ استعمالُه مع التحفُّظِ من تعمُّدِ استنشاقِ دخانِه أو جذبِه إلى الحلق. فإنْ وصلَ شيءٌ من دخانِه إلى حلقِ الصائمِ بغيرِ قصدٍ ولا تعمُّدٍ، فلا يفسدُ صومُه ولا قضاءَ عليه؛ لأنَّ غيرَ المتعمَّدِ معفوٌّ عنه، وقد قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ

أمَّا إن تعمَّدَ استنشاقَه حتى وصلَ دخانُه إلى حلقِه، فسدَ صومُه ووجبَ عليه القضاءُ؛ لأنه أوصلَ إلى جوفِه عينًا لها جِرمٌ يمكنُ التحرُّزُ منها، فأشبهَ من أدخلَ شيئًا إلى حلقِه عامدًا.

وقد نصَّ العلامةُ الدسوقيُّ رحمه الله على هذا الأصلِ بقوله: “مَحَلُّ وُجُوبِ الْقَضَاءِ بِوُصُولِ الْبَخُورِ وَبُخَارِ الْقِدْرِ لِلْحَلْقِ إِذَا وَصَلَ بِاسْتِنْشَاقٍ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُسْتَنْشِقُ صَانِعَهُ أَوْ غَيْرَهُ، وَأَمَّا لَوْ وَصَلَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَلَا قَضَاء”

وهذا جارٍ على أصلِ المذهبِ في اعتبارِ التعمدِ ووصولِ العينِ إلى الجوفِ مناطًا للإفطار.

وخلاصةُ المسألةِ: أنَّ مجردَ شمِّ الروائحِ العطريةِ لا يضرُّ الصائمَ، وأمَّا البخورُ فالممنوعُ فيه تعمُّدُ استنشاقِه حتى يصلَ إلى الجوف، فإذا احتاطَ الصائمُ لذلك فلا حرجَ عليه في استعمالِه.

واللهُ تعالى أعلم، وهو الموفِّقُ للصواب.

_________________________

(1) أخرجه ابن ماجه (2045) وابن حبان (7219) والحاكم (2801) والبيهقي من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

(2) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ج1 ص 525