Scroll Top

جامع الجزائر: تجسيد حيّ لامتزاج الروح الوطنية بالقِيم الدّينية

في سياق إرساخ الرّسالة الحضاريّة لجامع الجزائر، القائمة على التّفاعل مع قضايا الأمّة، في بُعدها التاريخيّ والروحيّ، نظّم المركز الثقافيّ لجامع الجزائر، يوم السّبت 12 ذي القعدة 1446هـ، الموافق 10 ماي 2025م، فعالية علميّة تاريخيّة؛ إحياءً لهذه الذكرى، في #اليوم_الوطنيّ_للذّاكرة، عنوانها: “بين قِيم الشّهادة والوفاء”؛ وذلك في حضور واسع لنخبة من المجاهدين، وأبناء الشّهداء، والأساتذة والباحثين، وطلبة وتلاميذ، من مختلف الأطوار.

وفي كلمة افتتاحيّة جامعة، أكّد الشّيخ محمّد المأمون القاسميّ الحسنيّ، #عميد_جامع_الجزائر، أنّ تخليد هذه الذّكرى هو جزء أصيل من وظيفة الجامع في استحضار التّاريخ الوطنيّ، الحافل بالبطولات والأمجاد، وربط الأجيال بجذورها، مع غرس معاني الجهاد والتضحية في ضمير الأمّة. وبيّن أنّ هذه المجازر لم تكن مجرّد حدث عابر، بل كانت منطلقًا لفجر الثورة، وشاهدًا على وحدة المصير بين الجزائر وفلسطين، في المأساة والرجاء معًا، بحول الله.

وشهدت الفعاليّة مداخلاتٍ علميّةً متنوّعة، قدّمها أساتذة ومؤرّخون، تناولوا فيها أرقام المجازر، وسياقها السياسيّ، وشهادات من الأرشيف الحيّ؛ مؤكّدين أنّ هذه الأحداث كانت الرّحم الّتي ولدت منها الثورة التحريرية، وأثمرت وعيًا جمعيًا رفض الذلّ، واستعاد السّيّادة.

ومن اللّحظات المؤثّرة في النشاط، شهادة ابن أخت الشّهيد الطّفل بوزيد سعّال، أوّل شهداء المجازر، حيث نقل للحضور وصيّته الخالدة لوالدته: ألّا تبكيه، بل تزغرد له، إن سقط شهيدًا. كما كُرّمت عائلة الشّهيد بدرع جامع الجزائر، في وفاء للرّموز الأولى لمسيرة التحرير. وتقاطرت، بعدها، شهادات أخرى لمجاهدين وأقاربهم، تحدّثوا عن التعذيب والسّجون وتعامل الاحتلال مع المتظاهرين.

وفي تماهٍ بين الذاكرة الوطنيّة والبعد الفنيّ، قدّم فوج الكشافة الإسلامية بالرويبة وصلات إنشادية تفاعلت معها القاعة، خاصّة أنشودة “الطيّارة الصّفرا حبسي ما تضربيش”. كما قدّم تلاميذ ابتدائية الحاج بوعقلين، بعين وسارة، عرضًا مسرحيًا مؤثرًا، مثّل فيه الأطفال انتقال أمانة الشّهداء إلى جيل اليوم، وسط تصفيق مؤثّر من الجمهور.

وشاركت الرّابطة الولائية للفرق النّحاسية، التابعة لمديرية الشّباب والرياضة، بعزف وطنيّ احترافيّ، أضفى على المناسبة جماليّة صوتيّة متميّزة، عكست روعة الانسجام بين الذاكرة والفنّ.

وفي بهو المركز الثقافي، قدّم “الأرشيف الوطني” معرضا للصّور، تؤرّخ لمراحل النضال من 1830م، إلى 1962م؛ فيما شارك طلبة المدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة برسم لوحات حيّة لأحداث المجازر، أُنجزوها في عين المكان، بعد إعطاء السيّد العميد إشارة انطلاقها؛ وأهدوها لاحقًا إلى المركز الثّقافي لجامع الجزائر.

كما أسهمت المكتبة الوطنية للمطالعة العموميّة بولاية الجزائر بجناح توثيقيّ لكتب عن المجازر، في بُعد تعليميّ وتوثيقيّ يعزّز الوعي الجماعي.

وخُصّص حيّز تربويّ لتلاميذ وطلبة المؤسّسات التعليمية؛ حيث استفادوا عرضا رقميا بتقنية الواقع المعزّز VR، قدّم لهم تاريخ منطقة المحمّدية، ورسالة جامع الجزائر، كمؤسّسة علميّة وثقافيّة جامعة.

واختُتم النشاط بتنظيم حملة تبرّع بالدمّ، بالتنسيق مع المؤسسة الاستشفائية الجامعية نفيسة حمود، في صورة رمزيّة تعبّر عن امتزاج دماء شهداء الأمس بدماء أبناء الحاضر؛ وتؤكّد أنّ الذاكرة ليست ماضياً يُسترجع، بل هي عهد يُجدَّد.

وبهذه المحطّات المتكاملة في نّشاط اليوم، يؤكّد جامع الجزائر رسالته في جعل الذاكرة الوطنيّة مكوّنًا حيًّا في وعي المجتمع، ممتزجًا بالقيم الدينية، من أجل بناء جيلٍ لا ينسى من أين أتى، ويعلم إلى أين يمضي، في خدمة الدين، والوطن، والإنسان.

جَامعُ الجزائر مركزٌ دينيّ، عِلميّ، ثقافيّ وسياحِيّ، يقعُ على تراب بلديّة المُحمَّديَّة بولاية الجزائر، وسط خليجها البحريّ. تبلغُ مساحته 300.000 متر مربّع، يضمّ مسجِدا ضخما للصّلاة، يسع لـ 32000 مصلٍ، وتصلُ طاقة استيعابِه إلى 120 ألف مصلٍ عند احتساب صحنه وباحَاته الخارجيّة.
قاعة الصّلاةِ وصحنها الفسـيح، جاءت في النّصوص القانونيّة المُنشِأة للجامع، تحتَ تسميةِ “الفضاء المسجدِيّ”.
ويضُمّ المجمّعُ هياكلَ أخرى ومرافقَ سُمّيت بالهَيئات المدمجة، ووجدت هـذه المرافق لتُساهم في ترسـيخِ قِيم الدّين الإسلاميّ من: قرآن منزّلٍ وسنّةِ مطهّرة على صاحبها أفضل الصّلاة وأتمّ التّسليم، وكذا للحِفاظ على المرجعيّة الدّينيّة الوطنيّة، بما يخدُم مكتسبات الأمّة ويحقّق التّواصل مع الغير.
وجامع الجزائر هـو معلم حضاريّ، بِهندسته الفَريدة، التي زَاوجـت بين عراقة العِمارة الإسلاميّة بطَابعها المغَاربيّ الأندلسيّ، وآخِر ابْتكارات الهندسة والبِناء في العالم، حيث حقّق عدّةَ أرقامٍ قيَاسيةٍ عالميةٍ في البناء.
فمن حيث الأبْعادُ الهنْدسيةُ، يُعدّ الجامع بين المساجد الأكبر والأضْخَم عبر العالم، بل هو ثالث أكبرِ مسجدٍ في العالم بعد الحرَمين الشريفَين بمكة المُكرّمَة والمدينَةِ المنوّرَة، وهو أكبر مساجد أفْريقيا على الإطلاق، فمساحة قاعة صلاته تبلغ 22 ألف متر مربع، وقُطر قبته 50 مترا، وفُرِش بـ 27 ألف متر مربع من السجّاد الفاخر المصنوعِ محليّا، وتزيَّنت الحوافّ العلويّة لجدرانه بـ 6 آلاف متر من الزّخرفة بمختلف خطوط الكتابة العربيّة.