الحمد لله والصّلاة والسلام على سيّدنا رسول الله، وعلى ٱله وصحبه ومن والاه .
أمّا بعد: فإنّ يوم الشّكّ، إذا غُمَّتِ السّماءُ ليلةَ الثلاثين من شعبان، ولم يُرَ الهلال، فإنَّ صبيحةَ تلك الليلة تُسمَّى يومَ الشّكّ. أمَّا إذا كانت السماءُ صحوًا، ولم تثبت رؤيةٌ، فليس يومَ شكٍّ؛ بل هو من شعبان جزمًا.
حكم صيامه:
أولًا: يُكره صيامُ يوم الشك إذا قُصِد به الاحتياط لرمضان، وقيل: يَحرُم صومُه، لظاهر ما رُوي عن صِلَةَ بنِ زُفَرَ قال: “كُنَّا عِنْدَ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، فَأُتِيَ بِشَاةٍ مَصْلِيَّةٍ، فَقَالَ: كُلُوا، فَتَنَحَّى بَعْضُ القَوْمِ، فَقَالَ: إِنِّي صَائِمٌ، فَقَالَ عَمَّارٌ: مَنْ صَامَ اليَوْمَ الَّذِي يَشُكُّ فِيهِ النَّاسُ فَقَدْ عَصَى أَبَا القَاسِمِ” (1).
وإذا صامه أحدٌ، ثمّ ثبت أنّه من رمضان، فإنه لا يُجزِئُه؛ وذلك لعدم نيَّة الجزم (2).
ثانيًا: يجوز صيامُ يوم الشّكّ في حالاتٍ أشار إليها صاحبُ أسهل المسالك، بقوله:
وصِيمَ يومِ الشكِّ للتطوُّعِ
والنذرِ إن صادفَ والتتابُعِ
وقال خليلٌ، رحمه الله: وصِيمَ: عادةً، وتطوُّعًا، وقضاءً، وكفارةً، ولنذرٍ صادف.
أ – إذا صامه تطوُّعًا:
يجوز صومُ يوم الشّكّ تطوُّعًا، ويؤخذ جوازُ ذلك من عملِ أهل المدينة؛ لقول الإمام مالك، رضي الله عنه: “ولا يَرَوْنَ بِصِيَامِهِ تَطَوُّعًا بَأْسًا؛ وَهَذَا الأَمْرُ عِنْدَنَا، وَالَّذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ أَهْلَ العِلْمِ بِبَلَدِنَا” (3).
ب – إذا صادف نذرًا:
يجوز صومُه أيضًا، إذا كان نذرًا مُعيَّنًا صادف يومَ الشك، كما لو نذر أحدٌ صومَ يوم الخميس، وصادف نذرُه هذا يومَ الشّكّ؛ فلا حرج فيه. قال خليل في المختصر: “وَلِنَذْرٍ صَادَفَ”.
ج – إذا كان عادةً:
يجوز لمن كانت عادتُه صومَ يومِ الاثنين والخميس، وصادف يومُه ذلك يومَ الشك، أن يصومَ لعادتِه ولا يقطعَها؛ لحديث: “لَا تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ بِيَوْمٍ وَلَا بِيَوْمَيْنِ، إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ ذَلِكَ صَوْمًا كَانَ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ” (4).
د – يجوز صيامُه قضاءً وكفارةً:
يجوز قضاءُ رمضان إذا صادف يومَ الشك، ولِمَن عليه كفارةُ يمينٍ أو ظهارٍ أو هديٍ أو نذرٍ أن يقضيها في يوم الشّكّ، ويدل على الجواز فعلُ عائشة رضي الله عنها، فقد كانت تُؤخِّر قضاءَ دَيْنِ رمضان إلى شهر شعبان، وتقول: “كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إِلَّا فِي شَعْبَانَ” (5).
فالحديثُ يذكر شهرَ شعبان بدون تحديد يومٍ مُعيَّن (6).
__________
(1) سنن الترمذي رقم : 686، و أخرجه البخاري معلّقاً بصيغة الجزم، قبل حديث (1906) باختلاف يسير، وأخرجه موصولاً أبو داود (2334)، والنّسائي (2188) باختلاف يسير.
(2) الفقه المالكي وأدلته الحبيب بن طاهر ج2 ص 82.
(3) الموطّأ الحديث رقم : 55.
(4) أخرجه التّرمذي (684) واللفظ له، وأخرجه البخاري (1909، 1914)، ومسلم (1081، 1082) مفرقاً باختلاف يسير.
(5)أخرجه البخاري (1950)، ومسلم (1146).
(6) التسهيل لأدلّة مختصر خليل جزء الصيام ص 19.

