أشرف السّيّد وزير الدّولة، عميد جامع الجزائر، الشّيخ محمّد المأمون القاسميّ الحسنيّ، مساء يوم الخميس 12 ربيع الآخر 1448هـ، الموافق 24 سبتمبر 2026م، على اختتام سلسلة المجالس العلميّة التّفاعليّة الّتي نظّمها مركز البحث في العلوم الدّينيّة وحوار الحضارات.
وقد جرت أشغال المجلس العلميّ السّادس الختاميّ بعنوان: “من أنوار السّيرة النّبويّة إلى آفاق المشروع العلميّ والحضاريّ”.
استهلّ الأشغال الأستاذ محفوظ بن صغير، المكلّف بتسيير المركز، بكلمة رحّب فيها بالحضور؛ مؤكّداً أنّ هذه المجالس الّتي عقدت احتفاءً بشهر الأنوار، سعت إلى الاستضاءة بهدي السّيرة النّبويّة في دروب العلم والمعرفة، وربط قيمها الخالدة بأسئلة الحاضر وآفاق المستقبل. وشدّد أنّ الرّسالة الكبرى لهذه المجالس تتمثّل في: “أنّ العلم بناء للإنسان، والمعرفة مسؤوليّة، والتّميّز رسالة، وأنّ الحضارة تبدأ من عقل يتعلّم، وفكر يبدع، وعمل يثمر”.
وتوجّه المتحدّث بخالص الشّكر والامتنان للسّيّد عميد جامع الجزائر، على رعايته الكريمة للمجالس التّفاعليّة، ودعمه المتواصل للمبادرات العلميّة؛ منوّهاً بحضوره الشّخصيّ الدّائم، على الرّغم من تعدّد التزاماته، وثقل مسؤوليّاته. كما توجّه بالشّكر إلى الأساتذة الذين أثروا فعاليات هذه المجالس وإلى المؤسّسة العموميّة للتّلفزيون، وقناة القرآن الكريم على نقل رسالتها العلميّة داخل الوطن وخارجه؛ معلناً اختتام مجالس شهر الأنوار، على أمل تجدّد اللّقاء في محطّات علميّة قادمة، بإذن الله.
وتجدر الإشارة إلى أنّ المجلس السّادس، الّذي أطّره نخبة من الأساتذة والخبراء، شهد تقديم خمس مداخلات علميّة متكاملة، تناولت سبل الانتقال من التّلقّي إلى الإنتاج المعرفيّ.
افتتح النّدوة الشيّد محمّد بوضياف، الأستاذ بالمدرسة العليا للأساتذة بالقبّة، بمداخلة عنوانها: “قيمة العلم في بناء الإنسان: قراءة في البعد المعرفي والحضاريّ”؛ أكّد فيها أنّ العلم يتجاوز مجرّد تحصيل المعلومات إلى بناء العقل، وتنمية التّفكير النّقديّ المنظّم، وربط الأسباب بالنّتائج. وأوضح المحاضر أنّ امتلاك مهارات التّعلّم والبحث المستمرّ أضحى أساساً للنّهوض، في ظلّ التّحوّلات المتسارعة؛ بما يحوّل التّحصيل الفرديّ إلى رصيد جماعيّ تراكمه المؤسّسات والجامعات، وتطوّره؛ مؤكّداً أنّ الاستثمار في العلم هو استثمار في الإنسان وقدرته على صناعة المستقبل.
وتناول السيّد الصّادق بوروبي، الأستاذ بجامعة باب الزّوّار للعلوم والتّكنولوجيا، ورقةً موسومةً بـ: “من التّفوّق إلى الإنتاج العلميّ: خطوات أولى في البحث والقراءة المنهجيّة”؛ مبيّناً أنّ التّميّز الأكاديميّ يمثّل قاعدة للانتقال نحو طرح الإشكاليّات وصياغة المعرفة الجديدة. وتوقّف عند محوريّة القراءة المنهجيّة بوصفها أداة لتحويل النّصوص إلى مادّة للنّقد والتّحليل، والكشف عن العلاقات القائمة بين الأفكار؛ مشدّداً أنّ العصر الرّقميّ يفرض على الباحثين اكتساب مهارات انتقاء المراجع والتّحقّق من موثوقيّتها، بما يفضي إلى بناء إسهام علميّ هادف.
وقدّم السيّد عمّار جيدل، الأستاذ بجامعة الجزائر 1، مداخلة بعنوان: “مهارات التّفكير العلميّ: التّحليل، والتّساؤل، وبناء الفكرة”؛ بيّن فيها أركان التّفكير المنهجيّ، مبرزاً أنّ التّحليل يتيح تنظيم المعطيات، والكشف عن أسباب الظّواهر والعلاقات القائمة بينها؛ في حين يمثّل “التّساؤل” الدّافع الرّئيس إلى تجاوز المعارف السّطحيّة، والتّعمّق في فهمها؛ لتكتمل هذه المنظومة بمهارة “بناء الفكرة”، الّتي تمكّن من صياغة المفاهيم، في ضوء الأدلّة والملاحظة؛ ممّا يجعل الباحث أقدر على تفسير الواقع وإبداع الحلول.
واستعرض السيّد يونس قرار، الخبير في التّحوّل الرّقميّ، من جانبه ورقة موسومة بـ: “الشّباب والتّحصيل العلميّ في العصر الرّقميّ: نحو توجيه رشيد للمعرفة”؛ نبّه فيها إلى أنّ وفرة البيانات وسهولة الوصول إليها في عصر الذّكاء الاصطناعيّ لا تعنيان تحصيلاً رشيداً، ما لم يقترن تدفّق البيانات بوعي نقديّ.
وأكّد أنّ التّوجيه الرّشيد للمعرفة يتأسّس على التّكامل بين ثلاثة أبعاد: بعد معرفيّ يُعنى بمهارات التّحليل، وبعد أخلاقيّ يرسخ الأمانة العلميّة، وبعد حضاريّ يوجّه التّقنية لخدمة المجتمع؛ بما يجعل الشّباب قوّة نهضويّة فاعلة.
واختتمت مداخلات المجلس بورقة قدّمها السيّد عمران بودقزدام، الأستاذ بالمدرسة الوطنيّة العليا للعلوم الإسلاميّة “دار القرآن”، بعنوان: “من نور السّيرة النّبويّة إلى صناعة الباحث: آفاق التّميّز الأكاديميّ”؛ بيّن فيها أنّ السّيرة النّبويّة تقدّم معالم واضحة في تكوين الشّخصيّة العلميّة، تقوم على قيم التّثبّت، وفحص الأدلّة، واعتماد المقاربات البينيّة، والمثابرة، والصّبر على مشاقّ البحث.
وأوضح أنّ استلهام هذا الهدي يمكّن الباحث من امتلاك رؤية نقديّة واعية، تُسهم في تجديد الفكر وتأصيل المعرفة.
هذا، وقد شهد ختام المجلس نقاشاً علميّاً أثرته تعقيبات وتساؤلات قدّمها أساتذة وطلبة من المدرسة الوطنيّة العليا للعلوم الإسلاميّة “دار القرآن”.
وتوّج اللّقاء بتكريم الأساتذة المؤطّرين لفعاليّات هذا اللّقاء العلميّ.





























