كلمة السيّد عميد جامع الجزائر، السيّد محمّد المأمون القاسمي الحسني، في الندوة الدّوليّة الثّالثة حول الطّاقات المتجدّدة، والمناجم، والبيئة بالجزائر. تحت عنوان:
“تثمين الموارد الاستراتيجيّة لدفع الانتقال نحو مستقبل مستدام”.
يوم الاثنين 19 جمادى الأولى 1447ه، الموافق 10 نوفمبر 2025م.
من تنظيم النادي الجزائري للتميّز والكفاءات العالية.

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، خلق الإنسان في أحسن تقويم. أكرمه بالعقل، وأغناه بالعلم، وسخّر له ما في الأرض جميعا. نحمده، سبحانه، على نعمه الّتي لا تحصى، ونشكره على آلائه الّتي لا تستقصى.
وصلّى الله وسلّم وبارك على النبيّ المصطفى، والرّسول المجتبى، سيّدنا ومولانا محمّد، وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه، وبسنّته اقتفى.
أمّا بعد؛
أصحاب السماحة والفضيلة، العلماء والباحثين. حضرات السّادة والسيّدات المحترمين، كلّ باسمه وجميل وسمه؛
السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
يطيب لي أن أرحّب بكم في رحاب جامع الجزائر، الصّرح الدينيّ الّذي يجسّد في رسالته حضارة الإسلام؛ ومن أبرز خصائصها أنّها ربّانيّة المصدر والغاية، إنسانيّة النزعة والتوجّه. الإنسان فيها هو الموضوع، الإنسان هو الهدف والوسيلة في آن واحد. إنّها حضارة رسالة ومسؤوليّة، حضارة تخدم دينها بخدمة الإنسانيّة. وما لقاؤنا في هذه الندوة العلميّة المتميّزة إلّا دليل على خدمة هذه الرّسالة الجليلة، بتعدّد شعبها، واتّساع آفاقها.
حضرات السّادة والسّيّدات.
إنّ الطاقة في المفهوم القرآني لا تُرى قوّة مادّية فقط، بل هي أمانةٌ في يد الإنسان؛ عليه أن يرشّد استثمارها، ويُحسن توجيهها، بما يخدم البناء والعمران، بعيدًا عن الأهواء، وآفة الإهدار والإفساد. وقد استخلف الله الإنسان في الأرض ليعمرها، ويسعى في إصلاحها. يقول جلّ من قائل: ﴿ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ﴾ [ الأعراف: 56].
نحن نتحدّث، في قلب المعادلة الطاقويّة، عن الإنسان؛ ونرى أنّ التقدّم العلميّ لا يكتمل ما لم يُترجم إلى كرامةٍ إنسانية وعدالةٍ بيئية.
ونشير هنا إلى الرّؤية الإسلاميّة في التوازن بين البيئة والتنمية. فالأرض في المفهوم الإسلامي ليست ملكا للإنسان، بل هي وديعة إلهيّة لديه، تدار بالعلم والعدل والإحسان. والثروات الطبيعيّة الّتي أنعم الله بها على العباد، وتزخر بها الأرض، ننظر إليها كأمانة حضاريّة، قبل أن تكون مكاسب مادّية وموارد استهلاكيّة. ومن ثمّ، ندرك معاني الدّعوة إلى الانتقال، من اقتصاد الاستغلال إلى اقتصاد الاستخلاف.
إنّ الطّاقات المتجدّدة من نعم الله، تستوجب شكر المنعم؛ فالطاقات الشمسية والريحيّة، والطّاقة المائيّة، هي من دلائل رحمة الله بالإنسان، وتستوجب استثمارها بترشيد وحكمة وعقلانيّة. وإنّ التحوّل الطّاقويّ في الجزائر وفي البلاد الإسلاميّة لا ينبغي أن ينظر إليه كخيار مادّي اقتصاديّ فحسب؛ بل ينظر إليه كخيار أخلاقيّ وحضاريّ، يعبّر عن شكر النعمة وحفظ الأمانة. فالعلم، في منظور الإسلام، لا ينفصل عن القيم، ولا فائدة من علم، لا يكسى بالأخلاق. والتقنية بلا أخلاق تصبح عبئا على الإنسان، بل عبئا على الطبيعة والكون والحياة.
وفي تقديرنا: أنّ للجامع والجامعة والمراكز العلميّة دورًا في إرساخ ثقافة الوعي الطّاقويّ، باعتبار الاقتصاد الأخضر جزءاً من السّلوك الحضاريّ.
أيّها الحضور الكريم.
إنّ الثروات المنجميّة، ولا سيما الأتربة النادرة، تمثّل فرصةً تاريخية للدول الإفريقية والعربية. ولكنّها أيضاً اختبارٌ أخلاقيّ بين الثروة والمسؤوليّة، اختبار في كيفية التصرّف بالموارد والثّروات، الّتي اختصّ الله بها بلدانًا كثيرة في أرضه الواسعة.
ولعلّ إقامة شراكات دولية عادلة، من شأنها أن تُقيم ميزان الإنصاف والعدل في تقاسم المعرفة والعائدات؛ وتحمي البيئة من جشع الاستغلال غير المسؤول. فالبيئة عندنا نحن المسلمين، قضيّة قيميّة، قبل أن تكون مسألة تقنيّة. والمحافظة على البيئة، في التصوّر الإسلامي، من صميم العبادات؛ حيث يعتبر ديننا الحنيف رعاية الكائنات، وحفظ الماء والنّبات من سنن الإيمان.
وفي هذا السّياق، نتطلّع إلى إدراج مقرّر “البيئة والإيمان” في برامج التربية والتعليم، لتعزيز العلاقة بين الأخلاق البيئية والسلوك المدني. ونحن نعتقد أنّ التحدّيات البيئية لا تواجهها الحكومات وحدها، بل تحتاج إلى ضميرٍ جماعيّ عالميّ، أساسه الوعي والاحترام، بين الإنسان والكون والحياة.
حضرات السّادة والسيّدات.
إنّ العدالة المناخيّة قضيّة أخلاقيّة بقدر ما هي سياسيّة. وإنّ التفاوت في الأعباء المناخية يتطلّب ضميراً إنسانياً يتجاوز المصالح الضيّقة الآنية. وهنا، أغتنم حضوري هذه النّدوة العلميّة، فأتوجّه باقتراح الدّعوة إلى ائتلاف علميّ، نتحالف فيه من أجل العدالة المناخيّة؛ ويمكن تجسيده من خلال منتدى، يضمّ علماء الدّين وعلماء الطّبيعة والحياة، ومنهم الخبراء في الطّاقة والبيئة، يتبادلون فيه الرّؤى، في مجال التنمية المستدامة، ويقدّمون خلاصة أبحاثهم وآرائهم، للأخذ بها في التنمية الشاملة للأمّة، وترقية حياتها المادّية والمعنويّة.
وجامع الجزائر، الّذي عرفتم رسالته الحضاريّة، ليس منارة دينيّة فحسب، بل هو مركز إشعاع علميّ وثقافيّ؛ وهو قادر على تنظيم حوارات كبرى في مجال البيئة والطّاقة. ولدينا استعداد لاحتضان ورشات تكوينيّة للفاعلين في القطاع الدّينيّ، في موضوع التّربية البيئيّة، وإدماج مفاهيم الاقتصاد الأخضر في الخطاب الدينيّ.
كما يسرّني، في هذا المقام، أن أطرح مشروع ملتقى سنويّ، بعنوان: “الإيمان والبيئة”، بالشراكة مع هيئات علميّة، وطنية ودولية.
فالجزائر، بهيئاتها العلميّة، ومؤسّساتها الحضاريّة، تسعى إلى أن تكون، في حياتها الرّوحيّة، أنموذجا صالحًا في التوازن والوسطيّة، بين الرّوح والعقل، وبين العلم والإيمان، وبين مطالب التنمية، ويقظة الوعي والضّمير.
نسأل الله تعالى أن يلهمنا والإنسانيّة جمعاء، سبيل الرّشد، في استخدام الطّاقات، وحسن استغلال الثروات؛ وأن يجعل لنا من العلم نوراً يهدي إلى العمل المتقن، العمل المقترن بالإيمان، المهتدي بالعلم والمعرفة. وأن يجعل لنا من التطوّر والتّقدم، في كافّة المجالات، طريقا إلى السّلام، لا سبيلا إلى الصّراع والنزاع. إنّه وليّ ذلك والقادر عليه.
والله يقول الحقّ وهو يهدي السبيل.
والحمد لله ربّ العالمين.

















