كلمة السيّد العميد في الجلسة الوزارية:
عميد جامع الجزائر، في المؤتمر الدّوليّ التاسع والثلاثون
للسّيرة النبوية بنواكشوط، بالجمهوريّة الإسلاميّة الموريتانيّة،
في موضوع: “الهدي النبويّ في إدارة التنوّع والاختلاف، وتعزيز المشتركات“
02/03/04 ربيع الثاني 1448هـ، الموافق14- 15-16 سبتمبر 2026م.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أصحاب المعالي والسعادة،
أصحاب الفضيلة والمعالي الوزراء،
أيها العلماء والمشايخ والباحثون،
أيها الحضور الكريم،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد؛
فيسعدني، في هذه الجلسة الوزاريّة، أن ألتقي بكوكبة من المسؤولين والعلماء من مختلف أقطار العالم الإسلامي، لنتجاوز الحديث عن أهمّية الموضوع إلى سؤال ينبغي أن يشغل مؤسّساتنا جميعا، ألا وهو:
كيف نحوّل الهدي النبويّ في إدارة التنوّع والاختلاف إلى سياسات وبرامج وممارسات مؤسّسية، يكون لها أثرها في حياة المجتمعات؟
لقد علمتنا السّيرة النّبوية أنّ إدارة الاختلاف تحتاج إلى علم يضبطها، وعدل يحكمها، وحكمة تنظر في مآلاتها، ومؤسّسات تحفظ نتائجها.
فالاختلاف في حياة الناس باقٍ ببقاء الإنسان، والتنوّع سنّة ماضية في الاجتماع البشريّ، وإنّما التحدّي الحقيقيّ هو في بناء القدرة على إدارة هذا التنوّع، بما يحفظ وحدة المجتمع، ويصون كرامة الإنسان، ويمنع تحوّل التباين في الرأي، أو الانتماء، أو الخصوصية، إلى خصومة تهدّد السّلم الاجتماعيّ.
وعليه، فإنّ مسؤوليّة المؤسّسات الدينية في زماننا تتجاوز تقديم الموعظة، إلى بناء المناعة الفكرية والأخلاقية للمجتمع؛ وتتجاوز مواجهة التطرّف بعد ظهوره، إلى الوقاية من أسبابه، وفهم البيئات التي ينشأ فيها، ومعالجة الخطابات التي تغذّيه، وتقديم البديل العلميّ والروحيّ المقنع.
وهذا يقتضي، في تقديري، أن نعيد النظر في طبيعة التعاون بين مؤسساتنا الدينية والعلمية.
إنّنا نملك في العالم الإسلامي رصيدا هائلا من العلماء، والمدارس، والجامعات، ودور الإفتاء، والمراكز البحثية، والمحاظر، والزوايا، والمؤسّسات الثقافية؛ غير أنّ هذا الرصيد يحتاج إلى مزيد من التنسيق، حتى تتحوّل الخبرات المتفرّقة إلى معرفة مشتركة، والمبادرات الفردية إلى برامج مستدامة.
وأقترح، في هذا المقام، أن نعمل على إنشاء شبكة دولية للمؤسّسات الدينية والعلمية تُعنى بإدارة التنوّع والاختلاف، وتبادل التجارب في إرساخ المرجعية الدينية، والوقاية من الغلوّ والتطرّف، وتعزيز ثقافة الحوار والعيش المشترك.
وهذه الشبكة يمكنها أن تكون فضاءً دائما؛ فلا يقتصر عملها على عقد المؤتمرات، وإنما تنتج دراسات مشتركة، وبرامج تكوين، وأدلّة علمية للأئمة والدعاة، وتجمع التجارب الوطنية الناجحة، وتتيح للدول والمؤسّسات أن تتعلّم من بعضها بعضا.
وأرى، كذلك، أنّ من الضروري إنشاء مسار بحثيّ مشترك، يرصد التحوّلات التي تطرأ على الخطاب الدّيني والاجتماعي، ولا سيما في الفضاء الرقمي؛ لأنّ جزءا كبيرا من صناعة الوعي، اليوم، يتمّ خارج المؤسّسات التقليدية.
لقد أصبح خطاب الكراهية، والصور النّمطية، والمعلومات المضلّْلة، والتفسيرات المجتزأة للدّين، تنتشر بسرعة تتجاوز قدرة المؤسّسات على الاستجابة التقليدية.
ولذلك، نحن بحاجة إلى علم يسبق الظاهرة؛ وإلى مؤسّسات ترصد وتحلّل وتقترح؛ وإلى علماء قادرين على مخاطبة الإنسان المعاصر باللغة التي يفهمها، وفي الفضاء الذي يوجد فيه.
ومن هذا المنطلق، يمكن أن تتعاون مؤسّساتنا في إنشاء منصّة علمية مشتركة تُعنى برصد خطاب الكراهية والتطرّف في الفضاء الرقميّ، ودراسة اتّجاهاته، وإنتاج محتوى علميّ رصين لمواجهته، مع تطوير أدوات حديثة لتكوين الأئمة والدعاة والباحثين في هذا المجال.
أصحاب المعالي؛ حضرات السادة العلماء؛
يأتي الشباب في قلب هذه المسؤوليّة: فالشباب الذين نخشى أن تصل إليهم خطابات الغلوّ والتطرّف، عبر المنصّات الرقميّة، ينبغي أن نجعل منهم شركاء في صناعة خطاب الاعتدال والسّلام.
نحتاج إلى برامج مشتركة تجمع العلماء والمربّين والباحثين والمتخصّصين في الإعلام والتقنية، وتمنح الشباب أدوات الفهم والنقد والحوار؛ وتفتح أمامهم مساحات للتعبير المسؤول، والمشاركة في خدمة مجتمعاتهم.
وهنا، أرى أنّ السيرة النبويّة قادرة على أن تمنحنا مادّة معرفيّة واسعة، لبناء هذه البرامج؛ فهي تعلّمنا أنّ الحوار لا يقوم على ضعف الثّقة بالذات، وأنّ الوفاء بالعهد أصل في العلاقات، وأنّ الاختلاف لا يسقط العدل، وأنّ تقدير المآلات جزء من فقه المسؤولية.
ولذلك، فإنّ من المشاريع التي تستحق أن تحظى بعناية مؤسّساتنا إنشاء برنامج علميّ دوليّ لدراسة السيرة النبويّة في ضوء قضايا العصر، يتناول، بمنهج علميّ رصين، موضوعات التنوّع، والحوار، وإدارة الاختلاف، وبناء السّلم، وحماية الكرامة الإنسانية، والعلاقات بين الجماعات، وفقه المآلات؛ حتى تصبح السيرة مصدرا لتكوين القيادات الدينية والفكرية، وموردا معرفيا تستفيد منه مؤسّساتنا في معالجة قضايا الواقع.
ومن رحاب جامع الجزائر، الذي أُسّس ليكون فضاءً للعلم والبحث والحوار، ويسعى من خلال مركز البحث في العلوم الدينية وحوار الحضارات، ودار القرآن، ومركزه الثقافي، ومؤسّساته العلمية، إلى وصل أصالة المرجعية بقضايا العصر، أعبّر عن استعدادنا للإسهام في أيّ جهد جماعيّ من هذا القبيل، بالتنسيق مع المؤسّسات العلمية والدينية في العالم الإسلامي.
وأحسب أنّ موريتانيا، بما تمثّله من رصيد علميّ عريق، وبما تختزنه المحاظر من تجربة ممتدّة في التعليم والتكوين ونقل العلم، وبما للعلماء فيها من حضور وتأثير، قادرة على أن تكون شريكا أساسيا في هذا المسار.
إنّنا لا نحتاج اليوم إلى المزيد من الشعارات التي تتحدّث عن الحوار والتعايش والاعتدال؛ وإنّما نحتاج إلى مؤسّسات تجعل هذه القيم ممارسة، وإلى شبكات علميّة تتقاسم الخبرة، وإلى برامج تصل إلى الشباب، وإلى خطاب دينيّ قادر على أن يحضر في المدرسة والجامعة والمنبر والفضاء الرقمي، وإلى إرادة سياسيّة تجعل من العلم والمرجعية الدينية رافدا من روافد الاستقرار والسلام.
أيّها الحضور الكريم،
إنّ العالم الإسلامي يمتلك من عناصر الوحدة ما يفوق كثيرا أسباب الفرقة؛ يجمعه كتاب واحد، ونبيّ واحد، وقيم كبرى مشتركة، وتاريخ طويل من التفاعل الحضاري. وما نحتاج إليه هو أن نحسن إدارة ما بيننا من تنوع، وأن نحوّل مشتركاتنا إلى عمل مؤسّسي دائم.
ولعل هذا المؤتمر، بما جمعه من علماء ووزراء ومفكّرين، من مختلف الأقطار، يكون مناسبة للانتقال خطوة أخرى: من تشخيص الحاجة، إلى بناء الآلية، ومن تبادل الأفكار، إلى إطلاق المشاريع، ومن اللّقاءات الموسميّة إلى الشراكات المستدامة.
تلكم، في تقديري، إحدى صور الوفاء الحقيقية للهدي النبويّ: أن نجعل من العلم وسيلة للجمع، ومن الحوار طريقا إلى التفاهم، ومن الاختلاف مجالا للتعارف، ومن المؤسّسات أدوات لحماية الإنسان، وصون المجتمعات، وبناء مستقبل أكثر أمنا واستقرارا.
والله وليّ الإعانة والتوفيق.
والحمد لله ربّ العالمين.


