Scroll Top

كلمة عميد جامع الجزائر في افتتاح ندوة “الماليّة الإسلاميّة في خدمة تعبئة الادّخار الوطنيّ والتمويل المستدام للاقتصاد الجزائري”

الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على أشرف المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيّدنا ونبيّنا محمّد، وعلى آله وصحبه والتّابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدّين.

أصحاب السّعادة والفضيلة؛
السّيّد رئيس الاتّحاد الجزائريّ لشركات التأمين وإعادة التأمين؛
حضرات السّادة مسؤولي المؤسّسات الماليّة الإسلاميّة؛
حضرات السّيّدات والسّادة الخبراء والباحثين؛
أسرة الإعلام؛
أيّها الحضور الكريم.

السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد؛
فيسعدني أن أرحّب بكم في رحاب جامع الجزائر، هذا الصّرح الشّامخ، الّذي أردناه فضاءً جامعًا للعبادة والعلم والفكر، ومنارةً للإشعاع الحضاريّ، ومنصّة للحوار، في القضايا الّتي تمسّ حاضر الوطن ومستقبله. وإنّ احتضان هذا اللّقاء العلميّ، الموسوم بـ:
“الماليّة الإسلاميّة في خدمة تعبئة الادّخار الوطنيّ والتمويل المستدام للاقتصاد الجزائري”، ينسجم تمام الانسجام مع رسالة الجامع في وصل المعرفة الشرعيّة بقضايا التنمية، وربط المقاصد الإسلامية باحتياجات المجتمع والدولة.
إنّ اختيار هذا الموضوع هو اختيار لقضيّة كبرى، تتعلّق بكيفيّة تحويل الطاقات الماليّة الكامنة في المجتمع إلى قوّة إنتاج واستثمار وتنمية. فالدّول لا تنهض بوفرة الموارد وحدها، وإنّما تنهض بحسن تعبئتها، وكفاءة توجيهها، وعدالة توزيعها، واستدامة استثمارها.
لقد أثبتت التجارب الاقتصادية المعاصرة أنّ الادّخار الوطنيّ يمثّل أحد أهمّ مصادر السّيادة الاقتصاديّة؛ وأنّ الاقتصادات الّتي تعتمد في تمويل نموّها على مدّخراتها الدّاخلية، تكون أكثر قدرة على مقاومة الأزمات، وأقلّ تعرّضًا لتقلّبات الأسواق العالميّة، وأكثر استقلالا في رسم سياساتها التنموية. ومن هذه الزاوية تبرز أهمّية البحث عن الأدوات الّتي تجعل المواطن شريكا في بناء الاقتصاد، لا مجرّد مستهلك لثماره.
في هذا السّياق، حضرات السّادة والسيّدات، تأتي الماليّة الإسلاميّة باعتبارها منظومة اقتصاديّة متكاملة، لا مجرّد بديل تقنيّ للتمويل التقليديّ؛ فهي تقوم على فلسفة أخلاقيّة تجعل المال وسيلة للعمران، لا غاية في ذاته، وتربط الحقّ في الرّبح بتحمّل المخاطرة، وتربط التمويل بالإنتاج الحقيقيّ، وتمنع انفصال النشاط الماليّ عن الاقتصاد الواقعيّ؛ وهو الانفصال الّذي كان أحد الأسباب الجوهريّة في كثير من الأزمات الماليّة العالميّة.
لقد جاء الإسلام برؤية متوازنة للمال، فنهى عن اكتنازه؛ وحذّر من تبديده، وجعله أمانة ينبغي أن تؤدّي وظيفتها في التداول والإنتاج والتنمية. يقول الله تعالى: ﴿ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ﴾ [الحشر:07]، وهي آية تؤسّس لمبدإ اقتصاديّ عميق، يتمثّل في ضمان حركة المال، داخل المجتمع، وتحويله إلى عنصر فاعل في تحقيق التنمية الشاملة.
إنّ تعبئة الادّخار في التصوّر الإسلاميّ هي عمليّة حضاريّة، لا عمليّة ماليّة مجرّدة، لأنّ الأموال المعطّلة ليست ثروة حقيقيّة، وإنّما الثروة هي المال الّذي يتحوّل إلى استثمار، والاستثمار الّذي يتحوّل إلى إنتاج، والإنتاج الّذي يتحوّل إلى فرص عمل وقيمة مضافة ورفاه اجتماعيّ.

أيّها الحضور الكريم.
لقد تجاوزت الماليّة الإسلاميّة اليوم مرحلة التجربة إلى مرحلة الرسوخ المؤسّسيّ، وأصبحت صناعة ماليّة عالميّة تتجاوز أصولها تريليونات الدولارات، وتستقطب اهتمام كبريات المؤسّسات الماليّة الدّوليّة، ليس بدافع البعد الدينيّ وحده، وإنّما لما أثبتته من قدرة على تحقيق قدر أكبر من الاستقرار الماليّ، وتعزيز الاستثمار المسؤول، وربط التمويل بالاقتصاد الحقيقيّ.
غير أنّ نجاح الماليّة الإسلاميّة لا يقاس بمجرّد افتتاح شبابيك إسلاميّة، أو إنشاء منتجات تحمل أوصافا شرعيّة، وإنّما يقاس بمدى قدرتها على تحقيق مقاصدها الكبرى؛ وفي مقدّمتها تنشيط الاستثمار المنتج، ودعم المؤسّسات الصغيرة والمتوسّطة، وتمويل المشاريع المبتكرة، والإسهام في التنمية المحلّيّة، وتعزيز الشّمول الماليّ، وتوجيه المدّخرات نحو القطاعات ذات الأولويّة الوطنية.
إنّ الجزائر تمتلك اليوم فرصة حقيقيّة لتعزيز هذا المسار، بالنّظر إلى ما تزخر به من إمكانات بشريّة وماليّة، وما تعرفه من إصلاحات اقتصاديّة ومصرفيّة، وما يتوافر لديها من إرادة سياسيّة لتوسيع أدوات التمويل وتنويع مصادره.
ولعلّ أحد أهمّ التحدّيات المطروحة أمامنا يتمثّل في تحويل الثّقة المجتمعيّة في الماليّة الإسلاميّة إلى مشاركة اقتصاديّة فعليّة؛ وذلك عبر تطوير المنتجات، ورفع جودة الخدمات، وتعزيز الحوكمة والشفافية، وتكوين الإطارات، وترقية أداء الكفاءات؛ وإرساخ الثقافة الماليّة لدى المواطنين. فالاقتصاد لا يبنى بالقوانين وحدها، بل يبنى كذلك بالثّقة. والثّقة هي رأس المال الأوّل لأيّ نظام ماليّ. وكلّما شعر المواطن بأنّ أمواله تدار بكفاءة، وتستثمر في مشاريع حقيقيّة، وتحكمها الشفافيّة والرقابة، ازداد إقباله على الادّخار والاستثمار، واتّسعت دائرة التمويل الداخليّ.

حضرات السّادة والسيّدات،
إنّ الحديث عن التمويل المستدام يقودنا إلى مفهوم أوسع من مجرّد توفير الأموال؛ فهو يعني بناء اقتصاد قادر على الاستمرار، يوازن بين النموّ الاقتصاديّ، والعدالة الاجتماعيّة، وحماية البيئة، ويستثمر في الإنسان، قبل الاستثمار في الأشياء. وهذه المعاني ليست غريبة عن تراثنا الفقهيّ والحضاريّ، بل هي متجذّرة في مقاصد الشريعة الّتي جعلت عمارة الأرض، وحفظ المال، وتحقيق المصلحة العامّة، من أسس الاستخلاف الإنسانيّ.
ومن هنا، فإنّ المالية الإسلاميّة أبعد من أن تكون استجابةً مجرّدةً لحاجات السّوق؛ وإنّما هي إسهام في بناء أنموذج تنمويّ أكثر إنسانيّة، وأكثر عدلا، وأكثر استدامة.

إنّ المؤسّسات الماليّة الإسلاميّة، برفعها شعار الإسلام، تحمل رسالة حضاريّة تلزمها أن تكون أنموذجا صالحا، يمثّل الإسلام تمثيلا صادقًا. ذلك أنّ مسؤوليّتها لا تتوقّف عند تحقيق أفضل عائد ممكن للمساهمين والمستثمرين، فحسب؛ بل إنّ عليها مسؤوليّة أخرى، أمام الله سبحانه، وتجاه الأمّة. إنّها مسؤوليّة إعطاء الإسلام صورته الحقيقيّة، كنظام شامل لكلّ نواحي الحياة، والسّعي لإرساء قواعد نظامه الاقتصاديّ، من خلال إقامة الشّركات الاستثماريّة، وشركات التأمين التكافليّ، وتوجيه الاستثمارات إلى المشاريع الّتي تهدف إلى إنتاج الطيّبات من الرّزق، وتحقيق الحياة الكريمة الرغدة للمجتمع المسلم.

لقد كان لقيام المصارف الإسلامية صدى ارتياح في أوساط المسلمين، لأنّها ترفع الحرج عنهم، وتريح ضمائرهم من التعامل بالرّبا؛ وتيسّر لهم سبل التعامل الحلال؛ وتجنّبهم الوقوع في المحرّمات؛ ومن شأنها أن تكفل للأمّة تنميتها الاقتصادية والاجتماعية، بالسّبل المشروعة؛ وتدعم التّكافل الاجتماعيّ، من خلال أساليبه الإسلاميّة.

وما فتئنا ندعو إلى بذل أقصى الجهد لتحقيق أهداف هذه المصارف، باعتبارها مؤسّسات لتجميع الأموال؛ وتوظيفها، طبقا للشريعة الإسلامية، فيما يخدم بناء المجتمع المتكافل، ويحقّق عدالة التوزيع، ووضع المال في مساره الصّحيح. وتحقيق مشاركة العمل ورأس المال معًا، من أجل إحداث التنمية الحقيقيّة؛ في المجتمعات الإسلاميّة؛ وإبراز العمل المصرفيّ الإسلاميّ، كعمل متميّز، باعتباره يمثّل منفعة مشروعة، تقابل بالأجر؛ ولكونه عملا موجبًا لاستحقاق الرّبح.
إنّ غاية الأمل أن يكون للماليّة الإسلاميّة أثر ملموس في علاج مشكلات الفقر والبطالة، من خلال المشاريع النافعة، الّتي تعود على المجتمعات الإسلاميّة بالخير والفائدة.

أيّها الحضور الكريم،
إنّ جامع الجزائر، وهو يحتضن هذه الندوة، يؤكّد مرّة أخرى أنّ المؤسسات الدّينية ليست بعيدة عن قضايا التنمية الاقتصاديّة، لأنّ الإسلام لم يفصل يوما بين بناء الإنسان وبناء العمران، ولا بين صلاح الدّين وصلاح الدّنيا. والجامع، إلى جانب رسالته التعبّديّة والعلميّة، يطمح إلى أن يكون فضاءً للحوار الوطنيّ، في القضايا الاستراتيجية الّتي تهمّ مستقبل الجزائر؛ وأن يجمع الخبراء والعلماء وصنّاع القرار، في سبيل خدمة الصّالح العامّ.
هذا، وأودّ في الختام أن أتوجّه، بخالص الشّكر إلى الاتّحاد الجزائريّ لشركات التأمين وإعادة التأمين على مبادرته، بتنظيم هذه النّدوة، وإلى جميع الخبراء والمتدخّلين الّذين سيثرون جلساتها العلميّة، بأفكارهم وخبراتهم وتجاربهم؛ راجيا أن يخرج هذا اللّقاء بتوصيات عمليّة تسهم في تطوير منظومة المالية الإسلاميّة، وتعزيز تعبئة الادّخار الوطنيّ، ودعم مسار التنمية الاقتصاديّة المستدامة في بلادنا.

والله أسأل أن يوفّق الجميع لما فيه خير أمّتنا ووطننا، وأن يحفظ بلادنا آمنة مستقرّة مزدهرة، ويبارك في جهود كلّ المخلصين لخدمتها.

والله وليّ الإعانة والتوفيق.
والحمد لله ربّ العالمين.