Scroll Top

كلمة عميد جامع الجزائر في افتتاح السّنة الجامعيّة للدّفعة الثّانية لطلبة الدّكتوراه بدار القرآن

كلمة الشّيخ محمّد المأمون القاسميّ الحسنيّ، عميد جامع الجزائر، بمناسبة افتتاح السّنة الجامعيّة للدّفعة الثّانية لطلبة الدّكتوراه بالمدرسة الوطنية العليا للعلوم الإسلامية- دار القرآن.
يوم الأربعاء 14 رمضان 1447هـ، الموافق 04 مارس 2026م.

الحمدُ لله الذي بنعمتهِ تتِمُّ الصّالحات، وبتوفيقهِ تتحقّقُ المقاصدُ والغايات. نحمدُهُ سبحانهُ حمداً كثيراً طيّباً مباركاً فيه. اللّهمّ لك الحمدُ كما ينبغي لجلالِ وجهكَ ولعظيمِ سلطانك.
وصَلّى اللهُ وسَلّمَ وبارك على سيّدنا ونبيّنا وحبيبنا محمّد، وعلى آلهِ وصحبهِ ومَن اهتدى بهديهِ واتّبعَ سُنّتهُ إلى يوم الدّين. أمّا بعد؛

حضرات الأساتذة الأفاضل، أيّها الحضورُ الكريم، أبنائي الطّلبة والطّالبات؛ أحيّيكم جميعاً بتحيّة الإسلام، فالسّلامُ عليكم ورحمةُ الله تعالى وبركاته.

أحمد الله إليكم. نحن نشهد معكم، بفضلٍ من الله، هذا الاحتفالُ بافتتاحِ السّنة الجامعيّة للدّفعة الثّانية من طلبة الدّكتوراه، في المدرسة الوطنيّة العليا للعلوم الإسلاميّة “دار القرآن”، ويتزامن مع أيّام الشّهر المبارك. ونحن نحمدُ الله أن بلّغنا رمضان، ونسأله سبحانهُ، أن يعيننا على صيامهِ وقيامهِ، ويبارك لنا في أوقاتهِ، ويجعلنا ممّن يغتنمون نفحاتهِ، وأن يختمه لنا بالغفران والرّضوان، والعتقِ من النّيران. حضرات السادة والسيّدات.
أهنّيكم ونفسي بما أعانَنا الله عليهِ ووفّقنا إليهِ من إقامةِ هذا المشروع الواعد؛ وأشكر مجدّداً إخوانا كراما رافقونا، منذ بداية الطّريق؛ ووجدنا فيهم صدق التّعاون في مسعانا لتّأسيس هذا البناء، وعمارة هذا الصّرح العلميّ الشامخ. هؤلاء الأفاضل ما زالوا معنا، يتعاونون على هذه الرسالة، بهمّة وعزيمة. جزاهم الله الجزاء الأوفى.
كم يطيب لي أن أتوجّه بآيات الشّكر والعرفان إلى السيّد وزير التّعليم العالي والبحث العلميّ، ومساعديهِ، الذين وجدنا لديهم حسن التّعاون وجميل العناية، من أوّل يوم، مروراً بمشاريع التّكوين، ثمّ وصولا إلى ملفّ المسابقة، وتيسير أسباب انتداب الأساتذة المؤطّرين؛ ويحضرُ معنا في هذه السّاعة نخبةٌ منهم. نتوجّهُ إليهم بالشّكر والعرفان لكلّ ما قدّموه في فترة التّكوين للدّفعة الأولى.
ولا يفوتني التنويه بالجهود المشكورة التي بذلتها إدارةُ المدرسة وما زالت تبذلها. كانت البداية بالتّحضير لافتتاح المدرية، بإجراء المسابقة الأولى، وصولاً إلى المسابقة الثّانية التي كانت ثمرتها هذه النخبة من طلبة العلم. ونحن اليوم سعداء بنجاحهم. وأنا أهنّئهم وأولياءهم، وأرجو لهم دوام التوفيق والسّداد، واطّراد النجاح.
أيّها الحضور الكريم. في هذه الوقفة، أتوجّهَ أساساً إلى أبنائي الطّلبة والطّالبات. أسدي إليهم
كلماتٌ سجّلتها من أجل أن لا تفوتني، ألفت نظرهم أوّلا إلى معنى الانتساب إلى دار القرآن: أنتم اليوم لا تنتسبون إلى مؤسّسة أكاديميّة فحسب، أنتم تنخرطون في مشروع حضاريّ أردنا أن نجمعَ فيه بين العلوم الدّينيّة والعلوم الكونيّة في رؤية تكامليّة. وهنا أشير إلى أنّ دار القرآن ليست فضاءً للتّخصّص العلميّ الضّيّق، بل منصّة لإعادة وصل ما انقطعَ بين الوحي والعقل، بين النّصّ والواقع، بين المقاصد والتّنزيل. الدّكتوراه في هذه المدرسة، لا نراها لقباً علميّاً فحسب، بل أمانة معرفيّة ومسؤوليّة أخلاقيّة.
في دار القرآن، حين نتحدّثُ عن فلسفة الجمع بين العلوم الدّينيّة والعلوم الكونيّة، نريدُ من هذا المنهج، ومن هذا التّكوين المتخصّص، طالبَ علمٍ، ونريده باحثاً يفهمُ أصول الفقه كما يفهمُ تحوّلات العالم؛ نريدُ عالماً يحسنُ قراءة التّراث كما يحسنُ قراءة المعطيات المعاصرة. إنّ تحدّيات اليوم، من الذّكاء الاصطناعيّ، إلى أخلاقيّات الطّبّ والاقتصاد والعمارة، كلّها تحتاجُ إلى” عالمٍ” يعرفُ واقع العصرهِ، ويعرفُ سياق العصر.
أوصي أبنائي الطّلبة والطّالبات، وهم مقبلون على هذه الفترة التّكوينيّة المتميّزة، أوصيهم بما أوصي به طالبُ العلم، أوّلاً: بإخلاص النّيّة؛ وإخلاص النّيّة قبل جودة المنهج، فالعلمُ عبادةٌ قبل أن يكون مهنةً أو وظيفة. أوصيكم بالتّحرّر من التّمذهب الفكريّ الضّيّق، والتّفتّح على المدارس المختلفة، دون تفلّتٍ من ثوابت المرجعيّة، أو تنازلٍ عن الخصائص الذّاتيّة. أريدكم سفراء للوسطيّة والقيم العلميّة الرّصينة. أوصيكم بأن تكون كتابتكم بلغة العصر، وأدعوكم إلى إنتاج المعرفة؛ معرفة قادرة على مخاطبة العالم، لا مجرّد إنتاج ما قد قيل أو عُرف من قبل.
كما يطيبُ لي أن أتوجّهَ إلى أصحاب الفضيلة الأساتذة المؤطّرين لهذه الدفعة من طلبة العلم؛ وهم، دون شكّ، يعلمون أنّ التّأطير ليس متابعةً إداريّة، بل رعايةٌ علميّة وتزكيةٌ فكريّة. نحن نريدُ تشجيع البحث الإبداعيّ لا الاستنساخيّ؛ نريدُ غرس أخلاقيّات البحث، ومنها الأمانة والتّواضع العلميّ واحترام الآخر والرّأي المخالف. أوصي الأساتذة الكرام أن يرافقوا الطّلبة فكريّاً ونفسيّاً؛ فمرحلة الدّكتوراه مسارُ صبرٍ ومجاهدة لمن عرفها، ونريدُ أن يتحلّى أبناؤنا بالصّبر والمجاهدة.
من جهة أخرى، أودّ أن أذكّرَ بالبعد الدّولي لدار القرآن، في جامع الجزائر؛ أذكّرُ بهذه المناسبة باستقبال هذه المؤسّسة للطّلاب الدّوليّين في طور الدّكتوراه، ثمّّ في طور الماستر الدوليّ. وهذا يعني أنّ دار القرآن تدخلُ في مرحلة جديدة من الإشعاع العلميّ. ونريدها أن تقدّم نموذجاً للجامعة الإسلاميّة المعاصرة، تجمعُ بين الحداثة المعاصرة، وبين العمق الرّوحيّ، والدّقّة الأكاديميّة.
إليكم، أبنائي الطّلبة والطّالبات، أقول: أنتم تمثّلون الدّفعة الثّانية، أي إنّكم لستم بداية الطّريق، بل تثبيتاً لمسار الطّريق. أنتم المشعلُ الذي ننتظرُ منه أن يصنعَ مدرسةً علميّة جزائريّة ذات إشعاع عالميّ؛ مدرسة قادرة على إنتاج فكرٍ رصين، متجدّد في الثّوابت، متفتّح على الكونيّة. أريدُ منكم أن يكون أكبر همّكم تحصيل العلم، أن يكون همّكم بناء الإنسان، قبل بناء الأطروحة، وإعداد الرسالة. ليكن هدفكم خدمة الأمّة وخدمة الإنسانيّة، لا مجرّد تحصيل الدّرجات والرّتب العلميّة.
حضرات السّادة والسيّدات. أنا سعيدٌ بهذه الأوقات المباركات وأنا أشهدُ معكم هذا الافتتاح، أسألُ الله سبحانهُ وتعالى أن يحفظكم ويثبّتكم ويسدّدكم ويوفّقكم، وأن يجعلَ مسيرتكم العلميّة لبنةً في صرح هذا المشروع الحضاريّ المبارك.
اللّهمّ اشرح صدورنا، ويسّر أمورنا، واختم بالصّالحات أعمالنا، واختم بالسّعادة آجالنا. اللّهمّ وفّقنا لما تحبُّ وترضى، وخذ بنواصينا للبرِّ والتّقوى. اللّهمّ صلِّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد، صلاةً تفتحُ لنا بها أبواب الخير والرّضا والتّيسير، وتغلقُ عنّا بها أبواب الشّرّ والهمّ والتّعسير، وتكون لنا بها وليّاً ونصيراً، يا نعم المولى ويا نعم النّصير.
وآخرُ دعوانا أن الحمدُ لله ربّ العالمين.