من كلمة الشيخ محمد المأمون القاسمي في الملتقى الثامن عشر للدروس المحمدية بعنوان:
“التقوى مفتاح التعليم وعماد العمران:
جهود السّادة الصّوفية في إرساخ مركزية القرآن وبناء الإنسان”.
17 رمضان 1447ه. الموافق07 مارس 2026م
«..يشرّفني أن أختم معكم أعمال الملتقى الثامن عشر للدروس المحمّدية المباركة، التي اختارت لها الزاوية البلقايدية، هذا العام، محورًا
بليغ الدلالة، عميق الإشارة، هو “جهود السادة الصوفية في خدمة القرآن الكريم وعلوم الشريعة الإسلاميّة”.
إنّ اجتماعنا حول هذا الاختيار الموفّق، بإذن الله، ليس احتفاءً رمزيًا بتاريخ مضى، ولا وقوفًا عند أطلال مجد سلف؛ بل هو استدعاء علميّ لتجربة حضاريّة متكاملة؛ وإعادة قراءة لدورٍ كان له أثر حاسم في حفظ الدّين، وبناء الإنسان، وصيانة الهُوّيّة، واستمرار السلسلة الذهبيّة التي ربطت الأمّة بكتاب ربها، جيلاً بعد جيل.
إنّ الأمم لا تُقاس بقوّة جيوشها وحدها، ولا بامتداد عمرانها فحسب؛ وإنّما تُقاس، في المقام الأوّل، بقيمها وقدرتها على صناعة الإنسان. الإنسان في حضارتنا الإسلاميّة هو الموضوع وهو الهدف. لم يُصنع بالسيف ولا بالثروة، وإنّما صُنع أوّلاً بالقرآن؛ بالكتاب الذي هذّب النفوس، ورشّد العقول؛ وأخرج الأمّة من ركام التاريخ، لتكون شاهدة على النّاس.
ومن هنا، فإنّ الحديث عن جهود السّادة الصوفيّة في خدمة القرآن وعلوم الشريعة ليس حديثًا عن زاوية تاريخية ضيّقة، بل عن أحد الروافد الكبرى، الّتي حفظت التوازن الروحيّ والمعرفيّ، في الأمّة الإسلاميّة؛ وجعلت العلاقة بالقرآن علاقة حياة، لا علاقة احتفال موسميّ أو خطاب عابر..»
«..لقد جعلت الآية الكريمة، التي افتتحنا بها هذا اللّقاء، التقوى مفتاح التعليم، لا بوصفه حالة وجدانية مجرّدة، بل باعتباره شرطًا منهجيًا لسلامة الفهم: فالعلم في المنظور القرآنيّ ليس تراكم معلومات، ولا جدلًا ذهنيًا؛ بل هو نور يقذفه الله في قلبٍ أخلص، وعقلٍ تجرّد، ونفسٍ تزكّت.
فالقرآن حين يربط بين التقوى والتعليم لا يقدّم لنا توجيها أخلاقيّا بحتا، أو فكرة وعظيّة فحسب؛ بل يؤسّس لرؤية معرفيّة، مفادها أنّ المعرفة الحقيقيّة لا تنفصل عن الأخلاق؛ وأنّ العلم الذي لا يثمر خشية، ولا يُولّد تواضعًا، ليس علمًا بالمعنى القرآنيّ، بل هو مجرّد معلومات قد تزيد صاحبها غرورًا، بدل أن تزيده هداية.
وهذا المعنى قد قرّره العلماء، منذ القرون الأولى، حين قالوا إنّ العلم نور، ونور الله لا يُهدى لعاصٍ. كما قال الإمام الشافعي، رضي الله عنه:
شكوتُ إلى وكيع سوء حفظي* فأرشدني إلى تركِ المعاصي
وأخبرني بأنّ العلم نـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــور* ونور الله لا يؤتى لعـــــــــــــــــاصٍ.
ولم يكن ذلك على سبيل الوعظ الصّرف، بل كان تعبيرًا عن حقيقة معرفية عميقة: أنّ صفاء القلب يفتح آفاق الفهم؛ وأنّ التلوّث الأخلاقيّ يحجب البصيرة، فيتحوّل العلم إلى جدل عقيم، أو معرفة باردة، لا أثر لها في السلوك. وقد عبّر الإمام مالك عن هذا المعنى، حين قال لتلميذه: “ليس العلم بكثرة الرواية، وإنّما هو نور يجعله الله في القلب”.
ومن هنا، نفهم لماذا كان القرآن الكريم، يربط بين العلم والخشية، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. فالعالم الحقيقيّ هو الذي يقوده علمُه إلى التواضع، لا إلى الكبر؛ وإلى العمل، لا إلى الادّعاء..»
«..وإذا كانت التقوى شرطًا للتعليم، فإنّ التعليم بدوره حارس للتقوى، يعصمها من الانحراف، ويمنعها من التحوّل إلى عاطفة بلا بصيرة. فالتديّن، حين ينفصل عن العلم، قد يتحوّل إلى غلوّ أو جمود؛ والعلم، حين ينفصل عن التقوى، قد يتحوّل إلى أداة هيمنة أو جدل فارغ.
وهكذا، نشأت في الحضارة الإسلامية، عن سيّدنا رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، مدرسة تربويّة متكاملة، تقوم على الجمع بين التلاوة والتزكية والتعليم:﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ آل عمران/: 164.
لقد قامت هذه الحضارة على هذا التوازن الدقيق بين تزكية النفس، وتعليم العقل: فالقرآن لم ينزل ليكون كتابًا محفوظًا في الصدور فحسب، بل ليكون قوّة موجّهة للحياة، يحرّك الضمير، ويضبط السلوك، ويقيم العدل في المجتمع.
ولذلك، فإنّ خدمة القرآن لا تقتصر على حسن التلاوة، أو إتقان الحفظ؛ وإنّما تمتدّ إلى إقامة معانيه في النفوس، وتنزيل مقاصده في الواقع. والقرآن، حين استقرّ في قلوب الصحابة، رضوان الله عنهم، لم يحفظوه فقط، بل تحوّل في حياتهم إلى أخلاق وسلوك ونظام حياة.
وقد عبّر سادتنا الصحابة عن هذا المعنى، حين قالوا: “كان الرجل منّا، إذا تعلّم عشر آيات، لم يتجاوزهنّ حتّى يعلم معانيهنّ ويعمل بهنّ”. ولذلك، كانت أوّل مدرسة قرآنيّة في الإسلام هي مدرسة التربية، قبل التدوين؛ فنشأت هذه العلاقة الوطيدة بين العلم والعمل، وبين الفهم والسلوك، علاقة عضوية لا انفصام فيها.
وتلقّت الأمّة من بعدُ، هذا المعنى تلقّيا حسنا، فنشأت فيها تقاليد علميّة تجمع بين الحفظ والفهم، وبين التلاوة والعمل، وبين التفسير والسلوك؛ حتّى أصبح القرآن محورًا تدور حوله علوم الشريعة كلّها، بل وحتّى العلوم الكونيّة، التي ازدهرت في ظلّ الحضارة الإسلامية..»
«..حين نتحدّث عن جهود السّادة الصوفيّة، في خدمة القرآن والعلوم الشريعة، فإنّنا نعني ذلك التصوّف الذي تشبَّع بالكتاب والسنّة، وتقيّد بأصول الفقه، وانضبط بقواعد الاعتقاد.
لقد كان كبار أئمّة التصوّف يؤكّدون أنّ الطريق إلى الله لا يُسلك إلاّ على بساط الشريعة؛ وأنّ كلّ ذوقٍ لا يشهد له الكتاب والسّنّة فليس من الدّين في شيء. ويخرج من هذا كلّ ادّعاء تصوّف انفلت من ضوابط الشريعة، أو اختلط بخرافة أو انحراف.
إنّنا نجد أنفسنا، إذن، أمام علمٍ من علوم التربية الإسلاميّة، نشأ في أحضان القرآن والسّنّة، وتطوَّر عبر القرون، ليكون مدرسة لها قواعدها، ومناهجها، وعلماؤها، وأغراضها، وغاياتها.
لقد كان كبار أئمّة التصوّف يعلنون بوضوح أنّ طريقهم لا يقوم إلاّ على أساسين: الكتاب والسنّة. وكانوا يقولون: “طريقنا هذا مقيّد بالكتاب والسنّة، فمن لم يقرأ القرآن، ويكتب الحديث، لا يُقتدى به في طريقنا”. وكذلك قالوا إنّ “كلّ حقيقة لا تشهد لها الشريعة فهي زندقة“.
وفي هذا السياق، نفهم أنّ التصوّف في جوهره ليس علمًا منفصلًا عن الفقه أو العقيدة، بل هو البعد التربويّ للشريعة الإسلاميّة. فإذا كان الفقه يُعنى بأحكام الظاهر، فإنّ التصوّف يُعنى بإصلاح الباطن، حتّى يتحقّق التوازن بين الصورة والروح.
وهذا التوازن هو الذي، جعل الحضارة الإسلاميّة قادرة على الجمع بين العمق الروحيّ والدقّة العلميّة. فلم يكن التصوّف عند العلماء اعتزالا للحياة، أو هروبًا من الواقع؛ بل كان وسيلة لتطهير القلب، حتّى يصبح الإنسان أصدق في العمل، وأرحم في التعامل، وأكثر قدرة على العدل.
ولهذا نجد أنّ كثيرًا من أعلام الأمّة جمعوا بين الفقه والتصوّف، مثل الإمام أبي حامد الغزّالي، في كتابه “إحياء علوم الدين”؛ حيث أعاد ترتيب العلوم الشرعية على أساس يربط بين العلم والعمل والإخلاص؛ وكما كان أبو القاسم القشيري، صاحب الرسالة القشيرية، يربط بين علوم الشريعة والسلوك الروحيّ ربطًا منهجيًا، حتى أصبحت مدرسته مثالاً على التكامل بين الفقه والتصوّف. وهذا الذي يجعلنا نذكّر بأنّ المنهج القويم هو الذي يجمع في انسجام وتكامل بين الجانب التشريعيّ والجانب الروحيّ من الإسلام. وبه تتحقّق الحياة الإسلامية المتوازنة، وترتبط الحياة الروحية بالحياة الاجتماعية..».
«..إذا تأمّلنا تاريخ الأمّة في العصور الزاهرة، وجدنا أنّ كلّ نهضة حقيقيّة كانت مسبوقة بعودة صادقة إلى القرآن، وفهم عميق لروحه ومقاصده.
ففي عصر الخلافة الراشدة، أعظم فترة بعد عهد النبوّة، لم يكن القرآن مجرّد كتاب يُتلى، بل كان دستورًا يحكم السياسة، ويضبط الاقتصاد، ويهذّب الأخلاق. وكان الحاكم والمحكوم يرجعان إليه في حلّ النزاعات، وتحديد الحقوق والواجبات.
ولهذا، قامت الدولة على العدل، قبل القوّة، وعلى القيم قبل المصالح. ولم تكن قوّتها في سيوفها فقط، بل في قيمها وأخلاق رجالها، وفي وضوح مرجعيّتها.
ثمّ جاءت العصور اللّاحقة؛ فشهدت الأمّة ازدهارًا علميًا هائلًا: ففي دمشق، وبغداد، وإسطنبول، عواصم الخلافة الأمويّة والعبّاسية والعثمانية، نشأت حركات ترجمة واسعة، وتطوّرت علوم الطبّ والفلك والرياضيات، إلى جانب علوم الشريعة والحقيقة.
ولم يكن ذلك الازدهار وليد المصادفة؛ بل نتيجة لثقافة علميّة راسخة، ترى في المعرفة عبادة، وفي البحث عن الحقيقة جزءًا من الاستخلاف في الأرض..»
«..لقد أدّت المدارس الصوفيّة، والزوايا العلميّة، عبر التاريخ، دورًا مهمّا في حفظ العلوم القرآنية ونشرها. كانت حلقات الذكر، في كثير من الأحيان، متلازمة مع حلقات التعليم؛ حيث يجتمع الطلاّب حول الشيخ، لتعلّم القرآن الكريم، حفظًا وتفسيرًا وسلوكًا.
فعلى سبيل المثال، كان سيّدي عبدُ القادر الجيلاني، مؤسّسُ الطريقة القادريّة، فقيهًا، ومحدّثًا، ومفسّرًا؛ وكانت مدرسته تجمع بين تعليم القرآن والفقه والحديث والتربية الروحية.
كما أنّ الإمام الجنيد البغدادي كان من كبار علماء عصره، وقد أسهم في إرساخ مفهوم التصوّف السنّي المنضبط، الذي يجعل القرآن والسنّة مرجعية لكلّ معرفة روحية.
وفي الأندلس، ازدهرت الفنون والآداب والعمارة؛ وظهرت شخصيّات علميّة كبرى، جمعت بين علوم الدّين والدّنيا. وكان المجتمع الأندلسي مثالًا على إمكان التعايش بين الروحانية والعمران.
فقد برز علماء جمعوا بين الفقه والتصوّف والتفسير، مثل أبي القاسم القشيري، الذي ألّف رسالته الشهيرة في التصوّف؛ وكذلك أبو عبد الله ابن عجيبة الحسنيّ، في المغرب الإسلامي، الذي كتب تفسيره المعروف “البحر المديد في تفسير القرآن المجيد”، جامعًا بين التفسير اللغويّ والإشارات الروحيّة.
وأسهمت هذه المدارس في إرساخ تقاليد علمية تقوم على الجمع بين حفظ القرآن، وفهمه، وتزكية النفس بهديه؛ وهو ما حافظ على استمرارية العلوم القرآنية عبر القرون والأجيال.
إنّ هذه النماذج التاريخيّة تؤكّد أنّ القرآن، حين يكون في مركز الحياة، تتحقّق به نهضة متوازنة، تجمع بين العلم والعدل والجمال؛ كما توضّح بجلاء أيضا أنّ التصوّف، في صورته الأصيلة، لم يكن يومًا طريقًا للانقطاع عن العلم؛ بل كان جسرًا يصل بين ظاهر الشريعة وباطنها، وبين النصّ القرآنيّ وروحه الحيّة في حياة الناس..»
«..وإذا انتقلنا من هذا الأفق الحضاريّ الواسع إلى التجربة الجزائريّة، فإنّنا نجد أنموذجًا فريدًا في تاريخ العلاقة بين الزوايا الصوفيّة وخدمة القرآن الكريم والهُوّيّة الوطنية: فالجزائر، عبر قرون طويلة، لم تعرف المؤسّسات التعليمية الرسمية وحدها، بل كانت الزوايا هي الجامعات الشعبيّة الّتي حفظت الدّين واللّغة والذاكرة الجماعية. فقد اضطّلعت هذه المعاقل العلمية في الجزائر، عبر قرون متعاقبة، بدورٍ يتجاوز حدود الوظيفة الدينيّة الضيّقة، لتغدو مؤسّساتٍ حضاريةً جامعةً، أسهمت في حفظ القرآن الكريم، ونشر علوم الشريعة، وصيانة الوجدان الدّيني والثقافيّ للأمّة، عبر اختيار دقيق في نشر المذهب المالكيّ، وإرساخ العقيدة الأشعريّة، وتربية الناس على التصوّف السنّي المعتدل.
كانت الزاوية في الوجدان الجزائريّ مدرسةً، قبل أن تكون مقامًا؛ وموئل علمٍ، قبل أن تكون موضع ذِكر؛ حيث تعاقبت فيها حلقات التحفيظ ومجالس الفقه والتفسير؛ وتوارث فيها الشيوخ والمريدون أمانة القرآن، جيلًا بعد جيل؛ حتّى غدا المصحف العظيم في الجزائر أعمق من كتاب يُتلى بالألسن ويُحفظ في الصدور، إلى روح تسري في بنية المجتمع وضمير الأمّة، تظهر ثمراتها عند كلّ تحدّ داخليّ أو خارجيّ.
ومن رحم هذه المؤسّسات، نشأت شخصيةٌ جزائرية ممّيزة، صاغتها التربيّة القرآنيّة والتزكية الروحيّة؛ فامتزج فيها الإيمان بالعلم، والوقار بالشجاعة، والاعتدال بالثبات على المبادئ.
إنّها شخصيةٌ تشرّبت من الزوايا معنى الوسطيّة، فكانت بعيدة عن الغلوّ والتفريط؛ واستمدّت من حلقات الذِّكر قوّة السكينة والطمأنينة؛ ومن دروس الفقه روح الانضباط والاتّزان؛ ومن تاريخ الجهاد الذي خرج من أفنيتها وأقسامها معنى الكرامة والرفض للظلم والعدوان.
ولذلك أضحت الزوايا عندنا، أكثر من كونها مدارس للعلم؛ بل كانت مصانع للرجال، تُنشئ إنسانًا يعرف ربّه، ويحفظ كتابه، ويصون لغته، ويعتزّ بهُوّيته، ويقف في وجه محاولات الطمس والاستلاب والاغتراب..»
«..لقد تشكّلّت الشخصيّة الجزائريّة، في ظلّ هذا الامتزاج الفريد بين العلم والتصوّف، وبين القرآن والوطن؛ فكانت شخصيّةً متديّنة دون انغلاق، وطنيّة دون تعصّب، راسخة الجذور في تاريخها، متفتّحة، في الوقت ذاته، على آفاق الإنسانيّة الواسعة؛ وهي السّمات التي ما تزال إلى اليوم تشهد بأنّ الزوايا أبعد من كونها مجرّد صفحات في تاريخ مجيد؛ بل كانت، وما زالت بحمد الله، إحدى الركائز العميقة التي تقوم عليها هُوّية الجزائر ووجدانها الحضاريّ.
ومن بين الشخصيّات التي تجسّد هذا الأنموذج التاريخيّ يبرز الأمير عبد القادر بن مُحيي الدين الحسنيّ الجزائريّ، الذي جمع بين القيادة السياسيّة، والجهاد العسكريّ، والتربية الصوفيّة العميقة؛ فقد كان تلميذًا للمدرسة الصوفيّة القادرية، ثمّ شيخَها؛ وجمع بين العلم الشرعيّ والرؤية الحضاريّة الواسعة، حتى أصبح رمزًا عالميًا للفروسيّة الروحيّة، والأخلاق الإنسانية.
كما يبرز أيضًا الشيخ أحمد التيجاني، مؤسّس الطريقة التيجانيّة، الّذي أسهمت مدرسته الروحية في نشر العلم والقرآن في مناطق واسعة من إفريقيا؛ وربطت المجتمعات الإسلاميّة في تلك البلدان بسلسلة تربويّة تقوم على الذكر، والعلم، والسّلوك؛ وأصبحت الوسيلة الوثقى لنشر التعليم القرآنيّ وإرساخ الهُوّية الإسلامية في المجتمعات المحلّيّة..»
«..إنّ استحضار هذه النماذج من تراثنا الحافل بالأمجاد لا ينبغي أن يتحوّل إلى مجرّد حنين إلى الماضي. فالتاريخ لا يُستدعى للبكاء عليه، بل للاستلهام والافادة من دروسه.
إنّ العالم اليوم، يعيش تحوّلات عميقة: ثورة معرفيّة، وتغيّرات اجتماعيّة، وصراعات فكريّة. وفي خضمّ هذه التحوّلات، يواجه الخطاب الدّينيّ تحدّيات كبيرة، لا تخفى على أمثالكم.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تجديد العلاقة بالقرآن؛ حيث يعود مركزًا للفكر والسلوك، كما كان دائما، لا مجرّد نصّ محفوظ في الصدور.
إنّنا بحاجة إلى علماء يجمعون بين عمق الفقه واتّساع الأفق، وبين معرفة التراث وفهم الواقع، وبين أصالة المرجعيّة ومرونة الاجتهاد.
كما أنّنا بحاجة إلى مؤسّسات علميّة تعيد الاعتبار إلى التربيّة الروحيّة، بجانب التعليم الأكاديميّ؛ حتّى يتخرّج الطالب عالمًا في تخصّصه، مستقيمًا في أخلاقه، نافعًا لمجتمعه؛ يعيش في أمّته، يحمل ضميرًا حيًّا، وعقلا راشدًا، وفكرا سويًا.
وهنا، يبرز دور جامع الجزائر، هذا الصرح الدّينيّ الشامخ، بما يمثّله من مشروع واعد، يهدف إلى الجمع بين علوم الشريعة والعلوم الكونيّة، وإلى تكوين جيل من العلماء الرّبّانيّين، القادرين على مخاطبة العصر بلغة العلم والحكمة والوسطية..»
«..إنّ الآية الكريمة: “وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ” ترسم لنا معادلة متكاملة: التقوى أساس العلم، والعلم طريق إلى التقوى.
فإذا اجتمعت هاتان القيمتان في قلب الإنسان، نشأت شخصيّة متوازنة، تعرف ربّها، وتفهم واقعها، وتسعى إلى إصلاح ذاتها، وترقية حياتها، والإسهام في بناء مجتمعها، بالدين القيّم والعقل الراشد.
إنّ العلاقة بين التقوى والعلم لا تعني الفرد مجرّدًا؛ بل هي أساس لبناء الحضارة. فحين يفقد العلمُ القيمَ يتحوّل إلى أداة هيمنة؛ وحين تنفصل الروحانية عن العقل، تتحوّل إلى عاطفة بلا بصيرة. أمّا حين يجتمع نور العلم مع صفاء التقوى، فإنّ الإنسان يصبح قادرًا على تحقيق التوازن بين متطلّبات الدنيا ومقاصد الآخرة، وبين العقل والقلب، وبين العمل والعبادة.
وهذه هي الرسالة الكبرى التي حملها القرآن، عبر التاريخ؛ وسعى الصالحون من علماء الأمّة الربّانيين إلى تجسيدها في حياتهم وفي مؤسّساتهم.
إنّ الأمّة التي تفصل بين العلم والأخلاق، أو بين الدّين والحياة، تفقد توازنها، وتصبح عرضة للتطرّف أو التفكّك والانحلال.
أمّا الأمّة الّتي تجعل القرآن مركز رؤيتها، فإنّها تستطيع أن تبني حضارة تقوم على العدل والرحمة والمعرفة والإحسان. وتلكم بعض الخصائص الذاتية للحضارة الإسلامية؛ وقد كانت بحقّ حضارة رسالة ومسؤولية؛ حضارة أمّة تخدم دينها بخدمة الإنسانية.
ولعلّ هذا هو الدرس الأكبر الذي يمكن أن نستخلصه من تاريخ السّادة الصوفية، في خدمة القرآن الكريم والعلوم الشرعية؛ ومن التجربة الجزائرية في الجمع بين التربية والتعليم والمقاومة الروحية والثقافية.
وهنا يبرز المشروع الذي يسعى جامع الجزائر إلى تجسيده. فالنموذج الحضاريّ الذي نطمح إليه: إنسان يقرأ القرآن بعين القلب والعقل معًا؛ فيتحوّل النّصّ في حياته إلى سلوك، ويتحوّل العلم إلى عمل، والذكر إلى أثر في المجتمع. إنسان يدرك أنّ الدّين ليس انسحابًا من العالم، بل حضورًا فيه، بقيم الرحمة والعدل والإحسان..»
«..إنّنا لطالما أكّدنا أنّ خدمة القرآن لا ينبغي أن ينحسر شعارًا يُرفع في المناسبات؛ بل يجب أن يُثبّت عهدا يُجدّد في القلوب، ومسؤولية تُحمل على العواتق. وأنّ جهود السّادة الصوفية في تاريخنا لم تكن إلاّ ترجمةً عمليّة لهذه الحقيقة: أنّ القرآن، إذا استقرّ في الصدور، أنار العقول، وأصلح السلوك، وأقام العمران.
فلنجعل من تقوى الله أساس علمنا، ومن علمنا زاد عملنا، ومن عملنا جسراً يربط بين السماء والأرض، وبين النص والواقع، وبين الماضي والمستقبل. ولنجتهد لكي نكون ورثة حقيقيين لتراث أمّتنا، أُمناء عليه، لا بالحفظ فقط، بل بالفعل والتجديد..»


