بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة السيّد عميد جامع الجزائر، الشّيخ محمّد المأمون القاسمي الحسني،
في فعاليّات افتتاح أشغال الملتقى العربي الأوّل: “الضّاد في وسائل الإعلام”، تحت عنوان:
“الضّاد: عهد الأمّة في الحرف والمعنى”
الحمد لله الّذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا، أنزله بلسان عربيّ مبين، غير ذي عوج: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [ يوسف: 02 ]. الحمد لله الذّي أكرمنا بخير كتاب أنزل، كما أكرمنا بخير نبيّ أوصل. والصّلاة والسّلام على نبيّنا وحبيبنا محمّد، القائل: [وليست العربيّة منكم بأب ولا أمّ، ولكنّ العربيّة هي اللّسان، فمن تكلّم العربيّة فهو عربيّ]. وهو القائل: [أحبّوا العرب لثلاث: لأنّي عربيّ، ولأنّ القرآن عربيّ، ولسان أهل الجنّة بالجنّة عربيّ]. أمّا بعد:
أصحاب المعالي والسعادة، أصحاب السماحة والفضيلة، أهل القرآن، رجال الفكر والأدب، وحملة القلم، أسرة الإعلام، أيّها الحضور الكريم، كلّ باسمه ومقامه.
السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يطيب لي في البداية أن أشكر السيّد وزير الاتّصال وجمعيّة الكلمة على الدّعوة الكريمة، لحضور هذا الملتقى، بعنوانه المتميّز، الّذي يمثّل استدعاءً رمزيًّا لحرف الضّاد، كخصوصيّة حضاريّة للأمّة. إنّنا نثمّن مثل هذه الملتقيات، ذات الطّابع الاستراتيجي في أبعادها الهُوّياتيّة، والمجتمعيّة، والأمنيّة. ولعلّ من نافلة القول أن نذكّر بأنّ الضّاد ليست ملكا للّغة فحسب، بل هي حارسة للهُوّية، ومعبّرة عن الرّسالة.
في المساجد والمدارس، وفي وسائل الإعلام: الضّاد ليست زينة، بل هي رسالة وأمانة.
حضرات السّادة والسيّدات:
الضّاد عهد الأمّة في الحرف والمعنى. اللغة التي اختُصّ بها هذا اللسان، لم تكن في تاريخها مكوّنًا لغويًا وحسب، بل كانت عهدًا ثقافيًا وأخلاقيًا تشكّلت به هُوّية أمّة، وصيغت به مفاهيمها، وقُرئت به شريعتها. الضاد، في رمزيّتها، حملت أثر الوحي، واحتفظت بملامح اللّسان في أعماق الذات، وامتدّت عبر الأزمان، كجسر بين البيان والوِجدان.
الإعلام العربي وتحدّيات الفصاحة المهجورة:
في واقعنا الإعلاميّ، تُواجه الضّاد حالة من التيه التعبيريّ، بين عامّيات صاعدة، ولغات هجينة، ومصطلحات مستوردة، تفقد المعنى توازنه. تعبيرات مبتورة، وألفاظ مقلّدة، وأداء يعاني انفصالًا بين الشكل والروح.
إنّ ما يُقدَّم على الشاشات والهوائيّات، يعكس مشهدًا لغويًا متوتّرًا، يضعف الذوق، ويشتّت الأذن، ويباعد بين المتلقّي وموروثه البلاغي. واللّغة الّتي تنزّل بها الوحي لا يليق أن يُساء استعمالها في قنوات ومنصّات، لا تعرف من الفصاحة إلّا الإيقاع. وصياغة اللغة في الإعلام ليست صياغ أدوات، بل صياغ مرجعيّة وهُوّية، ومقوّمات شخصيّة جماعيّة.
منابر جامع الجزائر.. خطاب برسالة واعية:
في جامع الجزائر: كان الوعي المبكّر بهذه الإشكاليّة؛ فكان اعتماد الفصحى في الخطب والدروس العلميّة، قرارًا قِيميًّا، قبل أن يكون تنظيميًا. المعنى في هذا الخطاب لا يُبنى على التصنّع ولا التكلّف، بل على لغة واضحة في دلالتها، متينة في أصولها، ناهضة بالتلقّي، قريبة من النفس بلا تزييف ولا تحريف.
المطلوب من الإعلام في حضرة الضاد:
إنّ وسائل الإعلام مدعوّة اليوم إلى دور رفيع تجاه العربيّة، يتمثّل في الإعلاء من الذوق التعبيري، وتحقيق التوازن بين الجاذبيّة والمشروعيّة اللسانية. المطلوب منه ليس التكلّف في البلاغة، بل بناء ذائقة جديدة، تليق بعصر السرعة، وتحترم عقل المتلقّي، وتعيد إلى المفردة قيمتها التعبيريّة والتربويّة، في آنٍ واحد.
حاجة وطنيّة إلى عقد لغوي غير معلَن:
نؤكّد، في هذا السّياق، أنّ هناك أرضية مشتركة بين الإعلام والخطاب الدينيّ؛ وتحتاج إلى تقعيد ضمنيّ، مفاده: أن نُشيّد بيانًا عربيًّا موثوقًا، لا يُثير الخلاف، ولا يُخدِش السمع، ولا يُربك المفاهيم. هذا العقد الرمزيّ بين الكلمة والمنبر والمنصّة، هو ما يصون اللّغة من الانزلاق، ويمنحها شرعيّة الحضور في زمن التنميط والتقليد. والمطلوب في هذا المجال: أن نعيد اللّغة إلى وظيفة البناء، لا التّزيين، والهداية لا الإثارة.
الضاد في إفريقيا: مسؤوليّة لغويّة وروحيّة:
في الفضاء الإفريقيّ، الّذي نهتمّ به كثيرا في جامع الجزائر؛ ونسعى إلى الإسهام في إعادة ربطه بمصدره الأوّل. فالشعوب الإفريقيّة تتطلّع إلى مَن يقدّم لها العربيّة في حُلّة معرفيّة مطمئنة، لا استعلاء فيها ولا تشويش. والجزائر، بحكم موقعها، وتجربتها، ومؤسّساتها، قادرة على تأهيل الخطاب العربيّ في إفريقيا، ضمن منظور سياديّ راسخ، وروح علميّة رشيدة. وتمهيدا لهذا الدّور، يخطّط جامع الجزائر لمشاريع التكوين، وبرامج للإقراء، وجسور للتعاون.
حضرات السّادة والسيّدات:
إنّنا، في هذا المؤتمر، وفي كلّ منبر يُعقد بعنوان الضّاد، نحتاج إلى التّذكير بأنّ اللّغة الّتي نُعلّم بها أبناءنا الصلاة، وندعو بها في المحاريب، ونبحث بها في المخابر العلميّة، لا يُمكن أن تكون موضوع ترف أو زينة. فالكلمة الّتي تنقل القيم، وترتّب الوجدان، وتنقل العلوم والمعارف، تُعامل بقدرها. ومن ضيّع حرمة لغته، خسر صوته أمام الأمم.
رحم الله الثّعالبيّ، الّذي كتب في مقدّمة مؤلّفه “فقه اللّغة”: “من أحبّ لغة القرآن، أحبّ من تنزّل عليه القرآن، ومن أحبّ من تنزّل عليه القرآن أحبّ من أنزل القرآن”.
اللّهم فاشهد أنّنا نحبّ لغة القرآن بحبّنا للقرآن. واجعلنا يا ربّنا من أهل القرآن، الّذين هم خاصّتك.


