جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلاميّة- قسنطينة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الّذي جعل في الأمّة المحمّديّة ينابيع هداية لا تنضب، وأجرى في تاريخها أنهاراً من التزكية ومعالم الإيمان، وجعل من أرض الجزائر رباطاً للعلم والسلوك والجهاد، تتعاقب عليها الأجيال، فتحفظ الأمانة وتورّث النور، على مدى الزمان.
والصّلاة والسّلام الأكملان الأتمّان على سيّدنا محمّد، إمام السالكين، وقدوة العارفين؛ علّم القلوب كيف تحيا بالله، وعلّم العقول كيف تهتدي بنور الوحي، فاجتمع في سنّته ميزان العلم وروح الإحسان.
أمّا بعد؛
أصحاب السماحة والفضيلة المشايخ والعلماء، حضرات السّادة والسيّدات،
أبنائي الطلبة والطالبات؛ أسرة الإعلام، أيّها الحضور الكريم، كلّ باسمه ومقامه،
السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
يسعدني أن أشارككم هذا الملتقى العلميّ الّذي خُصّص للمدرسة الصوفيّة في الجزائر؛ وهو موضوع يتجاوز كونه عنواناً أكاديمياً أو مجالاً بحثياً، ليغدو حديثاً عن أحد أعمدة الشخصية الروحية للأمّة، وعن أحد الأنهار الّتي غَذَّت وجدان المجتمع الجزائريّ، عبر القرون؛ وأسهمت في صياغة توازنه العقديّ والسلوكيّ والحضاريّ.
لقد تشكّلت المدرسة الصوفيّة في الجزائر، في سياق تاريخيّ عميق، حيث التقت نصاعة العقيدة السنّيّة، برسوخ الفقه المالكيّ، واحتضنتهما روح الإحسان، الّتي غَذَّت الضمائر، وزكّت النفوس، فانبثق نموذج تربويّ متكامل، يربط بين العلم والعمل؛ ولا يفصل بين الشريعة والحقيقة، ولا بين خدمة الإنسان وخدمة الأوطان. ومن هذا التلاقي تشكّلت منظومة روحية كان لها أثر بالغ في حفظ تماسك المجتمع وصيانة وحدته، وفي إمداد الأمّة بطاقة أخلاقية جعلتها قادرة على مواجهة الفتن والتحوّلات.
كان التصوّف في بلادنا مدرسة تربية، قبل أن يكون موضوع كتابة؛ ومسار تزكية قبل أن يكون محلّ جدل؛ وميدان عمل قبل أن يكون مجال تنظير. فيه نشأت الزوايا الّتي احتضنت القرآن وعلومه، وربّت الأجيال على القيم والفضيلة؛ وربطت القرى والمدن بشبكة من التضامن الروحيّ والاجتماعيّ؛ وامتزجت في رسالتها الروح الدينيّة الإسلاميّة بالروح الوطنيّة؛ فكانت حصناً للهويّة، وملاذاً للمجتمع في أزمنة الشدّة والمحن، في عهد الاحتلال الأجنبي البغيض.
نعم، نقولها واضحة العبارة، محكمة الإشارة، فلا نترك للكلمات أن تُساق إلى ظنون الأحداث، ولا أن تُتداول في مجالس العجلة؛ فالمعاني إذا خرجت من مواضعها ابتذلها التأويل، وأضاعها التعجّل. نقول: إنّ العلاقة بين التصوّف والعلم كانت، وستبقى، علاقة تلازم وتكامل؛ فقد كان العلماء سادة التربية، وما زالوا؛ وكان أهل السلوك حرّاس العلم، وما بدّلوا؛ فاجتمع ميزان الفقه، وبصيرة الإحسان، في منظومة واحدة، تحفظ التوازن، وتمنع الانحراف. وهذا التكامل هو ما تحتاج إليه مجتمعاتنا اليوم، في زمن تتكاثر فيه مصادر المعرفة، وتتنافس فيه الخطابات على تشكيل الوعي، وتوجيه الرأي العام.
وإذا كان التاريخ يشهد لهذا التراث بعمقه وفاعليته، فإنّ الحاضر يضعه أمام مسؤوليّات جديدة؛ حيث تتسارع التحوّلات الفكرية والاجتماعية والإعلامية، بوتيرة غير مسبوقة؛ وتتعاظم الحاجة إلى خطاب يزاوج بين الأصالة والوعي بالواقع؛ ويستحضر الحكمة الموروثة بروح المسؤوليّة المعاصرة. ومن هنا، تأتي أهميّة مثل هذه اللّقاءات العلميّة، الّتي تتيح إعادة قراءة هذا التراث قراءة واعية، وتستلهم منه ما يرسخ القيم الجامعة، ويعزّز التوازن، ويصون الاعتدال.
إنّ المدرسة الصوفيّة الجزائريّة لم تكن ظاهرة محلّيّة محدودة، بل امتدّ إشعاعها عبر الفضاء المغاربيّ والإفريقيّ وما وراءه؛ وأسهمت في نشر قيم الوسطية والاعتدال والتعايش؛ فصارت جزءاً من الرصيد الحضاريّ، الّذي تتقاسمه شعوب متعدّدة. وهذا الامتداد يضعنا اليوم أمام مسؤوليّة مضاعفة في صون هذا الإرث، وتقديمه في صورته الصحيحة، بعيداً عن الاختزال أو التشويه أو القطيعة مع سياقه العلميّ والتربويّ.
من أجل ذلك، كنّا نهيب بالباحثين في مجال التصوّف الإسلاميّ، والدعاة إلى رسالته أن يبيّنوا حقيقته، ويبرزوا صورته الصحيحة، باعتباره أعلى مراتب الدين؛ فهو روح الإسلام، وحقيقة الإيمان، ومقام الإحسان.
إنّ عليهم البيان للناس أنّ التصوّف حياة روحيّة صافيّة، يرتفع بها الإنسان المخلوق إلى معرفة خالقه، ومحبّته، وإيثاره على ما سواه، عن طريق تزكية النفس، وجهادها في الله حقّ جهاده، حتى يهديها سبيله، وتنتصر على أهوائها وشهواتها، الظاهرة والباطنة. فلا فلاح للنّفس البشريّة إلّا بالتزكية.
وقمّة الحياة الروحيّة تتجلّى في سيرة رسول الله، ﷺ، المثل الكامل للسموّ الروحيّ، والعظمة الأخلاقية، والترقّي في مدارج الكمالات الإنسانيّة.
إنّ الأمناء على المدرسة الصوفيّة الجزائريّة مطالبون بالعمل الجادّ لأهداف، نُجملها في الآتي:
أوّلا: البيان بأنّ مدرسة التصوّف الإسلاميّ مصدرها القرآن، وهدي من تنزّل عليه القرآن؛ وعمادها العلم والمعرفة؛ ونهجها سلوك الطريق باستقامة واعتدال. ولا ينبغي، بحال من الأحوال، أن نُسوّيها بنظريّات أو ممارسات، مهما تكن مصادرها أو أصولها أو مواطنها، من هنا أو هناك.
ثانيا: دحض المزاعم بأنّ التصوّف نقطة جامعة لكلّ المشارب والمذاهب والمعتقدات؛ ومن ثَمّ لمختلف الممارسات. وكذلك المظاهر الوثنيّة، على شذوذها وانحرافاتها، واختلاف مواطنها.
ثالثا: تفنيد النظريّة القائلة بأنّ التصوّف ظاهرة اجتماعيّة مشتركة، تنسحب على كافّة المجتمعات، بتنوّعها وتعدّدها؛ فذلك من شأنه أن يميّع التصوّف الإسلاميّ ويفرغه من محتواه، وينزله في غير منزلته، وينأى به عن مرجعيّته ومفهومه الصحيح؛ ويجعله مجرد «طقوس» كما يقال، تتشكّل من مفاهيم المجتمعات وممارساتها المختلفة.
رابعا: نفي كلّ مدسوس أو دخيل على التصوّف الإسلاميّ الأصيل والكشف عن الجاهلين والمبطلين من أدعيائه؛ والردّ بالدليل على خصومه وأعدائه.
وخلاصة القول:
إنّ استحضار هذا التراث لا يعني الوقوف عند الماضي، بل استلهام طاقته المعنويّة لبناء الحاضر وصناعة المستقبل، في إطار رؤية تستحضر التحدّيات الراهنة، وتؤمن بأنّ الأمّة الّتي تعرف جذورها تحسن تقويم مسارها، وتوجيه خطاها.
حضرات السّادة الأفاضل، حضرات السيّدات الفضليات، أيّها الحضور الكريم؛
إنّنا، إذ نثمّن جهود القائمين على هذا الملتقى، ونحيّي العلماء والباحثين المشاركين فيه؛ نأمل أن تكون أعماله لبنة جديدة في مسار العناية بالمدرسة الصوفيّة الجزائريّة، بحثاً وتأصيلاً وتوثيقاً وتوجيهاً.
هذا، وباسم الله، وعلى بركته، وبحسن عونه وتوفيقه، نعلن افتتاح أشغال ملتقانا المبارك؛ سائلين الله تعالى أن يسدّد الآراء، ويبارك المسعى؛ وأن يجعل هذا اللقاء علماً نافعاً وعملاً صالحاً، وخطوة مباركة في خدمة الدّين والأمّة والوطن.
وَاللَّهُ وَلِيُّ الإِعَانَةِ وَالتَّوْفِيقِ.



