كلمة السيّد عميد جامع الجزائر، الشّيخ محمّد المأمون القاسميّ الحسنيّ، في افتتاح أشغال الملتقى الوطنيّ:
“أعلام الجزائر.. تراثنا في سِيَر عظمائنا”.
المركز الثّقافيّ لجامع الجزائر – الأربعاء 04 ذي القعدة 1447هـ، الموافق 22 أفريل 2026م.
الحمد لله الذي أكرم هذه الأرض برجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فصار العلم في سيرتهم عملاً، وصارت السيرة في آثارهم علماً يُهتدى به في مسالك الفكر والإصلاح.
ونصلّي ونسلّم على سيّدنا محمّدٍ صلاةً تفتح لقلوبنا أبواب الفهم، وتُزكّي مسالك العلم، وتربط حاضر الأمة بسلسلة هدايته المتصلة عبر الزمان.
أيّها السادة العلماء والباحثون،
أيّها الأساتذة والطلبة،
ضيوف جامع الجزائر الكرام،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد؛
فيسرّني أن أرحّب بكم في رحاب جامع الجزائر، في هذا الملتقى الوطني الموسوم بـ: “أعلام الجزائر.. تراثنا في سير عظمائنا”؛ الّذي يُعقد في سياقٍ علميّ رمزيّ، يجمع بين يوم العلم وشهر التراث؛ فيتجاور الزمنان ليذكّرا بأنّ الأمم التي تحفظ ذاكرتها العلميّة تحفظ مستقبلها؛ وأنّ صيانة التراث ليست استدعاءً للماضي، بقدر ما هي تأسيسٌ لوعيٍ متّصل الجذور، ممتدّ الآفاق.
لقد شاء الله أن يكون لعلماء الجزائر حضورٌ خاص في تاريخ الأمة؛ حضورٌ لا تُحيط به زاوية واحدة من زوايا النظر، ولا يستوعبه بعدٌ واحد من أبعاد القراءة. فقد كانوا حملة علمٍ راسخ، وفقهٍ متين، وإسهامٍ معرفي امتد أثره في المجتمع والفكر والهوّية عبر القرون. وما تزال آثارهم شاهدةً بأنّ المدرسة العلمية الجزائرية لم تكن مدرسة معزولة عن محيطها؛ بل كانت مدرسة حياة، تشكّلت في فضاءٍ تتداخل فيه التربية والفقه والتفسير واللغة والإصلاح الاجتماعي، فتكوّنت بذلك شخصية العالم الذي يحمل العلم منهجاً ويصوغه رسالةً ويترجمه عملاً في واقع الناس.
ويأتي هذا الملتقى استجابةً لحاجةٍ علميةٍ ملحّة، تتمثّل في إعادة قراءة تراث علماء الجزائر قراءةً متوازنةً تُنصف أبعاد عطائهم، وتحرّر سيرهم من ضيق الصورة النمطية التي اختزلت بعض الشخصيات في جانبٍ واحد من جوانب حضورها العلمي. إنّ إنصاف العلماء إنصافٌ للعلم ذاته، وتصحيح صورتهم في الوعي الجمعي خطوةٌ لازمة لاستعادة علاقتنا الصحيحة بتراثنا؛ علاقةٍ تقوم على التحقيق والتثبّت، وعلى الفهم المتدرّج الذي يضع الجهد العلمي في سياقه التاريخي والمعرفي.
وفي هذا السياق، يحسن التذكير بأنّ المرجعيّة الدينية الوطنية، التي نعتز بها اليوم، لم تتشكّل في ظرف عابر، ولا وُلدت استجابةً لطارئٍ سياسي أو جيوسياسي؛ وإنّما هي حصيلة نضجٍ تاريخيّ تراكميّ، امتد عبر قرون من التعليم والتأليف والتزكية والتدريس والتأطير المجتمعي. فقد تخلّقت ملامحها في حلق العلم، وفي مدارس الفقه والتفسير واللغة، وفي مساجد المدن وزوايا البلدان والقرى، حيث تواطأت جهود العلماء جيلاً بعد جيل على إرساخ منهجٍ علميّ متوازن يجمع بين النص وفهمه، وبين الفقه ومقاصده، وبين العلم ووظيفته في حفظ انتظام المجتمع واستقراره الروحي والفكري.
ومن ثمّ فإن قراءة سير أعلام الجزائر قراءةً علميةً متوازنة إنّما هي قراءة في مسار تَشَكّل هذه المرجعية نفسها؛ لأنّ العلماء لم يكونوا أفراداً معزولين في تاريخ المعرفة، بل كانوا حلقاتٍ متّصلةً في سلسلة البناء العلميّ الذي صاغ شخصيّة المجتمع الجزائري، وحدّد معالم تديّنه، وأسّس لوعيٍ دينيّ متجذّر في العلم، متحرّر من ردود الأفعال الظرفية، ومؤسَّس على الامتداد التاريخي والخبرة الحضارية المتراكمة.
ومن هنا، تتجلّى أهمّية الوقوف عند نماذج بارزة في تاريخنا العلميّ، في مقدّمتها الإمام العلّامة عبد الرحمن الثعالبي، والشيخ العلّامة أبو العباس أحمد بن يوسف الملياني؛ وهما من الشخصيات التي رسخت في الذاكرة الشعبية بصورتها الروحية، بينما بقيت جوانب واسعة من عطائهما العلمي والفقهي والتربوي في حاجة إلى مزيد من الكشف والتحقيق.
إنّ استحضار مؤلّفاتهما ومنهجهما في التعليم والتأطير والإصلاح ليس خروجاً عن تلك الصورة، وإنما هو استكمالٌ لها، وردٌّ للعلم إلى مكانته الطبيعية في قراءة سير العلماء.
إنّ هذا اللقاء العلميّ دعوةٌ إلى حوارٍ مسؤول بين الباحثين، وإلى قراءةٍ رصينة تستأنف مسار التحقيق في تراثنا الوطني، وتفتح آفاقاً جديدة لربطه بقضايا الفكر المعاصر وإشكالاته، كما يمثّل خطوةً في سبيل تعزيز البحث الأكاديمي وتشجيع الدراسات النقدية الّتي تتناول أعلام الجزائر ومؤلّفاتهم، بما يسهم في إدماج هذا التراث في الفضاء التعليمي والبحثي، ويعمّق الوعي بالهوية العلمية الوطنية.
وإنّ من تمام الوفاء لهذا الجهد العلميّ، أن تمتدّ ثماره إلى الفضاء التربوي والتعليمي، حتى تتعرّف الأجيال الناشئة إلى أعلامها، في صورتهم العلمية الكاملة؛ وتستعيد صلتها بتاريخها المعرفي في سياقٍ تربويّ رصين يربط المعرفة بالهوية، ويصل الحاضر بجذوره العميقة.
إنّ إدراج معالم المرجعيّة الدينيّة الوطنية وسير علمائنا في مدارسنا وجامعتنا، ضمن المسارات التعليمية والبحثية الرصينة، من شأنه أن يرسخ الوعي بتاريخنا العلمي، ويمنح الناشئة أدواتٍ أصيلة للفهم والنقد والبناء، ويعزّز المناعة الفكرية والحضارية للمجتمع، في زمنٍ تتسارع فيه التحولات، وتتزاحم فيه الرؤى والخطابات، وفي عالم جعل تفكيك الصلابة الاجتماعية للمجتمعات هدفا للهيمنة. إنّنا إن قمنا بذلك، أصبح التراث العلمي طاقةً حيةً تُسهم في بناء إنسان جزائريّ متوازن الوعي، ثابت الانتماء، منفتح الإدراك، قادرٍ على التفاعل مع العالم بثقةٍ راسخةٍ في ذاته الحضارية.
أيّها الحضور الكريم؛
إنّي إذ أرحّب بكم جميعاً، أحيّي جهود المركز الثقافي لجامع الجزائر في تنظيم هذا الملتقى؛ وأثمّن مشاركة الأساتذة والباحثين الذين لبّوا نداء العلم، وحملوا مسؤولية البحث والتحقيق، إسهاماً في بناء معرفةٍ رصينةٍ بتاريخنا العلمي.
نسأل الله أن يبارك أعمالكم، وأن يجعل هذا الملتقى لبنةً في صرح الوفاء لعلماء الجزائر، وأن يوفّقنا جميعاً لخدمة العلم وأهله، إنه وليّ ذلك والقادر عليه.
والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


