Scroll Top

خطبة عيد الفطر المُبارك بجامع الجزائر (1447هـ – 2026م)

الخطبة الأولى

الله أكبر (سبعا). الله أكبر ما أهلّ هلال العيد، يسبّح بحمد الله، وهو الحميد المجيد.
الله أكبر ما أشرقت بأنوار الطّاعة القلوب والجباه. الله أكبر ما توجّه مؤمن إلى مولاه،
وكرّر في سرّه ونجواه: الله أكبر.

الله أكبر (خمسا). الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا.

سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلّا الله، والله أكبر.

الحمد لله الّذي جعل خاتمة الطّاعة عيدا، وفضّل الأمّة المحمّديّة على سائر الأمم، كرما منه، وفضلا وتأييدا. نحمده سبحانه ونشكره على نعمة التّوفيق، في كلّ لحظة ويوم، وعلى ما تنزّل من موائد كرمه في شهر الصّوم. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة من أخلص لله القول والعمل، ورُزق التّوفيق في العبادة، فطرح دواعي التّخاذل والكسل. وأشهد أنّ سيّدنا ونبينا محمّداً عبده ورسوله؛ أرسله الله رحمة للعالمين، ومعلّماً الإنسانية طريق الهداية والرشاد. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

اللهمّ اجعل الشهادة خاتمة قولنا، في الدّنيا الفانية، وعمدتنا للفوز بالحياة الخالدة الباقية. أمّا بعد:

الله أكبر (ثلاثا)

أيّها الإخوة المؤمنون؛

هذا يوم الفطر، يوم الجائزة، يحتفل فيه المسلمون بمظاهر الفرح، وحُقَّ لهم السّرور والابتهاج؛ أمرهم الله بالصّوم فصاموا، وندبهم إلى القيام فاستجابوا. والسّعيد في العيد، من فاز بقبول صيامه وقيامه، ورجع من مصلّاه بجائزة ربّه وإكرامه. فما أجدر أن يشكروا ربّهم على فضله ويحمدوه. فيوم العيد يوم شكر لله تعالى على تمام النعمة؛ يوم تظهر فيه ثمرة العبادة في القلوب، وأثرها في السّلوك؛ ويجتمع فيه الفرح بطاعة الله، مع استحضار معاني التّقوى الّتي تربّى عليها المؤمن في شهر الصّيام. يقول الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.

وقد أخبر النبيّ، صلّى الله عليه وسلّم، عن أثر الصّيام في نفس المؤمن، فقال، فيما رواه الإمام البخاري: “للصّائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربّه”. ففرحةُ العيد امتداد لفرحة الطّاعة؛ وعلامة على أنّ القلوب تعلّقت بربّها، واستضاءت بأنوار الصّيام والقيام، وتلاوة القرآن.

الله أكبر (ثلاثا)

عباد الله؛

إنّ العيد مناسبة تتجدّد فيها معاني الرحمة، وتتقوّى فيها روابط المجتمع بالإحسان والمودّة. فقد جعل الإسلام للفرح ضوابط تحفظ كرامة الإنسان، وتجعل السرور ممتدّاً إلى قلوب الضّعفاء وذوي الحاجات. وقد قال رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم: “المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضاً”. فالمجتمع الّذي يقوم على التعاون مجتمع قويّ متماسك، يواجه التحدّيات بروح التّضامن والتّكافل. ولذلك شُرعت زكاة الفطر لتكون سبباً في إدخال السّرور على الفقراء، حتى يعمّ الفرح يوم العيد بيوت المسلمين.

لقد عاشت الأمّة في شهر رمضان مدرسةً ربّانية عميقة الأثر، علّمتنا الانضباط والصّبر، وأرسخت في نفوسنا مراقبة الله تعالى في السرّ والعلن. والحكمة من الصّيام بيّنها الله في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.

فالتّقوى هي الغاية من العبادة، وهي النّور الّذي يستقيم به السّلوك، وهي الميزان الّذي تُقاس به قيمة الإنسان عند الله، بما يخرج به الصّائم من رمضان، من صدق وأمانة، وصفاء القلب، واستقامة السّلوك. فالصّيام يبني الضمير الإيماني، ويوقظ الإحساس بمراقبة الله، ويجعل الإنسان أكثر حرصاً على بذل المعروف، وإيصال الخير للنّاس. وإذا حمل المسلم هذه القيم معه بعد رمضان، فإنّ أثر العبادة يمتدّ في حياته كلّها؛ فتتجلّى ثمارها في حسن الخلق، وفي السّلوك الفرديّ والجماعيّ. فالميزان الّذي لا يخطئ في معرفة صحّة العبادات وصدقها، هو ما تثمره الطّاعات في الحياة الخاصّة والعامّة، من صفاء ورحمة، وأخوّة وإحسان.

الله أكبر (ثلاثا)

إخوة الإيمان؛

لقد عشنا أمس، نسمات يوم النّصر، يوم مشرق الصّفحات؛ وأحيينا ذكراه، والسّعادة تملأ قلوبنا. وإنّ للنّصر روعة، ولذكراه أثرًا ومتعة. والذّكرى تنفع المؤمنين.

إنّ من واجبنا أن نتذكّر دائمًا أنّ للنّصر المؤزّر أسبابا لابدّ من توافرها؛ وفي طليعتها،
بعد إعداد كلّ قوّة مستطاعة، الإيمان بالله، واليقين الجازم أنّ لهذا الكون خالقًا سبحانه، يدبّر شأنه، ويتصرّف فيه بقدرته وحكمته.

وفي رحاب الذّكرى الّتي تحفّها أنوار شهر القرآن، وفي أجواء الاحتفال بعيد النّصر، نستحضر أمانة أرض فلسطين، كجزء من تراثنا الإسلاميّ المجيد، حباها الله وأكسبها صبغة القداسة، منذ القدم، وبارك فيها وما حولها. والواجب على المسلمين أن يجمعوا أمرهم، في عزم وإخلاص، ليؤدّوا واجبهم، نحو أرض الإسراء والمعراج، وموطن المسجد الأقصى، أولى القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين. وإنّه لعهد في رقابنا متين. فالمسلمون تتكافأ دماؤهم؛ يسعى بذمّتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم.

وكما احتفلنا في الجزائر بعيد النّصر، الّذي تحقّق بعون الله، فسنحتفل، بإذن الله، بنصر الشعب الفلسطينيّ، بتأييد من العزيز الحكيم، ثمّ بصبره ورباطه، وصموده وجهاده. ﴿ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾

الله أكبر (ثلاثا)

عباد الله؛

إنّ العالم اليوم يشهد ما يسمّى بالحروب الهجينة، التي لا تُخاض بالسلاح وحده،
بل تُدار أيضاً بالكلمة والصورة والمعلومة؛ تتلاعب بالهُوّية وتخترق العقول، قبل أن تستبيح الحصون والحدود.

وقد أتى عيد الفطر هذا العام، والعالم من حولنا يمرّ بأوقات مضطربة، تتكاثف فيها الأزمات، وتتزايد المخاوف، وتتزاحم التحدّيات؛ حتّى بدا كأنّ البشرية تعيش على حافّة بركان، وتتحرّك في فضاء يملؤه القلق والكرب، في كافّة أرجاء الشّرق والغرب.

غير أنّ المؤمن يعلم أنّ زمام الأمور كلّها بيد الله سبحانه؛ وأنّ فوق كلّ ذي قوّة في الأرض قدرة الله القاهر فوق عباده، العزيز الجبّار، الّذي بيده مقاليد السّماوات والأرض، والقلب المؤمن يوقن بأنّ العدل الإلهي قائم، وأنّ سنن الله في خلقه لا تحابي أحداً. قال الله
في كتابه العزيز: ﴿وإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم﴾

وفي خضمّ هذه الخطوب الكبرى تأتي رسالة الإسلام بهديها الإنسانيّ العميق، لتكون الملاذ الآمن للبشريّة؛ إذ يقوم الدين الحنيف على ردّ المظالم، ونشر الطمأنينة بين الناس، وإرساء معاني الرحمة والعدل والإحسان.

ولقد سمّى الله تعالى هذا الدين باسم يحمل في ذاته معنى الأمان: فلفظ الإسلام مشتقّ من السّلام، وهو معنى يتردّد في شعائر الدين وأخلاقه وتعاليمه. فالمؤمن يتكرّر على لسانه لفظ السّلام، فيبدأ يومه بتحية السّلام، ويختم صلاته بالسّلام، ويعيش مع الناس بروح السّلام؛ مستجيبا لهدي رسول الله، في قوله، عليه الصّلاة والسّلام: “والّذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنّة حتّى تؤمنوا. ولا تؤمنوا حتّى تحابّوا. أولا أدلّكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم. أفشوا السّلام بينكم”.

وهذه الرسالة العظيمة ترتبط باسم من أسماء الله الحسنى، كما قال سبحانه: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ﴾، فالله السّلام، ومنه السلام، وإليه يعود السلام، ومن هدي الإسلام أن تنتشر الطمأنينة بين العباد، ويعيش النّاس في ظلّ العدل والسّلام.

في هذا المقام نستحضر ما حبا الله به بلادنا من تاريخ مجيد ورصيد حضاريّ تليد.

إنّ الجزائر بما تحمله من تضحيات جسام، وما كسبته من مبرّات في مساعي السّلام، قادرة، بإذن الله، على أن تسهم بالمزيد من العطاء في سبيل نصرة الحقّ، ونشر قيم السلام.
وهي الّتي عرف عنها نصرة القضايا العادلة، والدّفاع عن حقوق الشّعوب وكرامة الإنسان؛ وهو مكسب أخلاقي وحضاريّ، سيبقى حاضرًا في مسيرتها، بإذن الله.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، من كلّ ذنب فاستغفروه. إنّه غفور رحيم.

الخطبة الثانية

الله أكبر (سبعا). الله أكبر خلق الخلق وأحصاهم عددا، وكلّهم آتيه يوم القيامة فردا. الله أكبر ما ذكره الذّاكرون. الله أكبر ما هلّل المهلّلون، وكبّر المكبّرون. الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا. وسبحان الله بكرة وأصيلا. 

الحمد لله الّذي يسّر لعباده طريق العبادة، أحمده، وهو أحقّ أن يحمد ويشكر. وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له. شهادة يأمن من قالها، وعمل بمقتضاها يوم الفزع الأكبر.  وأشهد أنّ سيّدنا ونبيّنا محمّداً عبده ورسوله، صاحب المقام المحمود والكوثر، صلّى الله عليه وسلّم تسليماً كثيراً إلى يوم البعث والمحشر.

أمّا بعد عباد الله؛

فقد كانت هذه الأرض المباركة، عبر القرون، موطن العلماء والقرّاء والصّلحاء؛ وظلّ القرآن الكريم في الجزائر محور الحياة العلمية والروحية، تتوارثه وتتناقله الصدور، جيلاً بعد جيل، وتحيطه الأمّة بالرعاية والتبجيل. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾. فالقرآن مصدر الهداية، ومرجع الأخلاق، ونور العقول والقلوب، يهدي إلى أقوم طريق، وأهدى سبيل.

وفي هذا الإرث المبارك؛ يجد شباب الأمّة اليوم منبعاً صافياً لبناء شخصيّتهم، وترقية حياتهم، وإرساخ هُوّيتهم.

فالجيل الّذي تربّى أسلافه في كتاتيب القرآن، وفي رحاب الزّوايا والمساجد،
يحمل في أعماقه صلة وثيقة بكتاب الله، الذي حفظ لهذه الأمّة وحدتها، وصان كرامتها، واسترجعت به حرّيتها وسيادتها.

إنّ شباب الجزائر مدعوّون اليوم إلى أن يكونوا الامتداد الحيّ لهذا العهد المبارك، يستلهمون من القرآن نور الهداية، ومن تاريخ وطنهم روح المسؤولية، والعزيمة على الرّشد، وعلى حبّ الخير وخير العمل.

وفي هذا السّياق، نحتاج إلى مرجعية راسخة تهدي العقول، وتضبط المواقف والسّلوك، على منهج الوسطيّة والاعتدال. وليس أرسخ من كتاب الله الهادي إلى سواء السّبيل. ولذلك؛ لا مناص من ارتباط الأمّة بالقرآن، ليظلّ حصناً فكرياً وأخلاقياً يحفظ للمسلم مناعته وتوازنه، ويمنحه سلامة التصوّر، ووضوح الرؤية والبصيرة.

إنّنا، في زمن تتسارع فيه التحوّلات، وتتشابك التحدّيات، ولا سيما في الفضاء الرقمي؛ حيث تتداخل المعرفة بالدعاية، وتختلط الحقيقة بالزيف، ويلتبس الحقّ بالباطل.

فإذا استضاءت العقول بنور القرآن، وامتزج الوعي الرّقميّ بقيمه الأخلاقيّة ومقاصده الإنسانية، استطاع شباب الأمّة أن يتحرّكوا في هذا العالم المتغيّر بثبات ووعي؛ ويكونوا حرّاساً لهوّية وطنهم وثوابت أمّتهم؛ ويقفوا في مواجهة التحدّيات الفكرية والثقافية، بثبات وبصيرة، وبعلم راسخ، وعقل راشد.

نسأل الله تعالى أن يحفظ شباب الأمّة، ويعصمهم في دينهم، ويجعلهم قرّة عين لأمّتهم؛
ويديم على شعبنا نعمة الوحدة والتضامن والوئام، في ظلّ قيمه الرّوحيّة والوطنيّة، وانتمائه الحضاريّ الأصيل.

فاتّقوا الله، عباد الله؛ وليكن رباط الأخوّة يزداد متانة وقوّة. اغتنموا العيد لتظهروا بمظهر أهل الإيمان. والله نسأل أن يجعلنا وإيّاكم من أهل الفضل والإحسان.

اللّهمّ إنّا ندعوك كما أمرتنا، فاستجب لنا كما وعدتنا. اللّهمّ ردّنا والمسلمين إلى دينك ردّا جميلا. وأعدنا إليه عودا حميدا. اللهمّ أصلح لنا الحال والمآل، وبلّغنا فيما يرضيك الآمال. اللهمّ أصلح الرّعاة والرّعيّة. واحفظ أمّتنا من كلّ بليّة. اللهمّ وفّق وليّ أمرنا لما تحبّ وترضى، وخذ بناصيته للبرّ والتّقوى، وارزقه البطانة الصّالحة الّتي تدلّه على الخير، وتذكّره به، وتعينه عليه. اللّهمّ وفّق ولاة أمور المسلمين في كلّ مكان. اللّهم أصلحهم وأصلح بهم. ووفّقهم لهداك، واجعل عملهم في رضاك. اللّهمّ أصلح لنا ديننا الّذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا الّتي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا الّتي إليها معادنا. واجعل الحياة زيادة لنا في كلّ خير. واجعل الموت راحة لنا من كلّ شرّ، ومتّعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوّتنا ما أحييتنا. واجعله الوارث منّا. ولا تجعل الدّنيا أكبر همّنا، ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النّار مصيرنا. واجعل الجنّة هي دارنا ومستقرّنا. ولا تسلّط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا. اللهمّ ارفع مقتك وغضبك عنّا، ولا تؤاخذنا بما فعل السّفهاء منّا. اللّهمّ اجعل بلدنا هذا بلدا آمنا مطمئنّا، سخاء رخاء، وسائر بلاد المسلمين. اللّهمّ أصلح أحوال المسلمين. اللّهمّ احقن دماءهم، وألّف بين قلوبهم، كما ألّفت بين الأنصار والمهاجرين. اللهمّ انصر إخواننا المؤمنين المستضعفين في كلّ مكان. اللهمّ انصرهم في غزّة وأرض فلسطين. وردّ عنهم عدوان الظّالمين. اللّهمّ احفظ جمعنا هذا بما تحفظ به عبادك الصّالحين، حفظ الله جمعكم، وجعل عيدكم مباركا سعيدا، فاغتنموا أوقاته لتظهروا بمظهر أهل الإيمان. والله أسأل أن يجعلني وإيّاكم من أهل الفضل والإحسان.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.