بسم الله الرحمن الرحيم
ملخّص الكلمة الّتي ألقاها السيّد محمّد المأمون القاسميّ الحسنيّ، عميد جامع الجزائر
في احتفاليّة الذّكرى المئويّة لتأسيس معهد الحياة في مدينة القرارة، ولاية غرداية.
يوم الأربعاء الفاتح ذي الحجة 1446ه، الموافق 28 ماي 2025م.
قرن من “الحياة“
“… إنّنا، في هذا اليوم، لا نُحيي مجرّد ذكرى لمعهد علميّ ومؤسّسة تربويّة؛ بل نُحيي مائة عام من “الوعي المقاوم”، في معهدٍ عريق اختار مؤسّسه، عن وعي، أن يُسمّيه: “معهد الحياة”. والحياة هنا: ليست ضدّ الموت البيولوجي، بل ضدّ السّكون الحضاريّ، والاستلاب الفكري، والاغتراب الثقافي، وضدّ الانطفاء الروحيّ، والانفصال عن مبادئ الإسلام وقيمه، والنأي عن مقاصد رسالته.
إنّ من يؤسّس للعلم في زمن الاحتلال، هو في الحقيقة يؤسّس للكرامة في زمن الإذلال، ويؤسّس للمستقبل، يوم أرادوا لنا أن نبقى في الماضي رهائن عهد الاحتلال …”
الجزائر لا تبنى بمذهب واحد، بل بعقيدة جامعة ومرجعيّة موحّدة:
“… لقد أثبتت تجربة معهد الحياة، كما هي رسالة الزوايا العلمية، والمدارس الإصلاحية، أنّ الجزائر لا تُبنى بالفرقة والتشرذم المذهبي، بل بعقيدة جامعة، ومرجعية موحّدة. تبنى بالتنوّع المتآخي، في ظلّ ثوابت موحّدة، ووحدة وطنيّة. فالإسلام الذي جمعنا، ليس مجرّد موروث؛ بل هو وعي جامع، يترفّع عن التصنيف، ويتقدّم على العناوين المذهبية…”
“… ما أحوجنا اليوم، بعد قرن من الزمان، إلى روح الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض، ورفيق دربه الشيخ سعيد شريفي. ما أحوجنا إلى روح عبد الحميد بن باديس، كما إلى روح سيّدي محمّد بن أبي القاسم الهاملي، وإلى أولئك الأخيار من العلماء الربّانيين، رحمهم الله أجمعين، الّذين مثّلوا في المجتمع قيم الإسلام، بسماحة دعوته، ويُسر شريعته، ووسطية منهجه. فكلّهم خدموا الإسلام، وبنوا الجزائر من زوايا مختلفة، لكن بمنظار واحد: البناء بالعلم، والنهضة بالعقل، والإيمان بالوطن. لقد امتزجت في رسالتهم الروح الدينية الإسلامية بالروح الوطنية؛ وكانت تهدف إلى إصلاح الفرد المسلم، وبناء شخصيته السّويّة المتوازنة، وتحصينه بدروع التقوى وسلاح الإيمان، وأخذه بجدّ إلى العلم النافع، وهدايته إلى العمل الصالح، وتحريره من العبودية للدنيا، ليعتصم بالعبودية لله، وتكون أسبابه موصولة بالله. كانت دعوتهم إلى العلم المرتبط بالأصلين: الكتاب والسنة. ومنهجهم يربط العلم بالعمل وينير السبيل إلى العمل المهتدي بالعلم، المقترن بالإيمان.
انتهج أولئك العلماء السّبيل الأرشد، واختاروا المنهج التربوي الأصيل، الّذي يربط برباط محكم بين التوجيه الراشد، والسّلوك العملي في الحياة. والمنهج القويم هو الّذي يجمع، في انسجام وتكامل، بين الجانب التّشريعي والجانب الرّوحي من الإسلام؛ وبه ترتبط الحياة الرّوحيّة بالحياة الاجتماعيّة؛ وتتحقّق به الحياة الإسلاميّة المتوازنة…”
“… وإذا كان لكلّ دعوة أساس تنهض عليه، ومصدر ترجع إليه؛ فإنّ التربية في منهج الإسلام عمادها القرآن، الّذي يجمع أصول التربية والتعليم؛ ويضمن للعاملين به فقها في الدين، واستقامة على الطريق.
وممّا لا ريب فيه أنّ التعليم بلا تربية لا فائدة منه، والتربية من غير علم لا تحقّق ثمرتها، على الوجه المطلوب. فلا خير في علم لا يكتسي بالأخلاق، ولا جدوى من تربية لا تنشئ جيلا صالحا، ولا تثمر استقامة وعملا صالحا.
إنّنا نحمد الله على ما حبانا به من معاقل التربية والتعليم في أرض الجزائر الواسعة. ففي هذه الديار، كما في غيرها، نرى مدرسة جزائرية أصيلة، قاومت بالعلم، وعلّمت بالصمت، وربّت على الانتماء، ليبقى شعبنا المسلم وفيّا لعهد الشهداء الأبرار، متمسّكا بقيمه ومبادئه، معتزّا بانتمائه الحضاريّ الأصيل …”
الزوايا العلميّة والمدارس الإصلاحية.. جسور في خدمة الوطن وتحصين المرجعية:
“… إنّ الزوايا العلمية والمنارات القرآنية، كما المعاهد الإباضية، كلّها جداول تصبّ في نهر واحد: الجزائر الجامعة. فنحن أبناء مدرسة قرآنية واحدة، قد تختلف لهجاتنا، ولهجات التفسير والشرح في دروسنا، لكنّها اتفقت على أصول ثابتة، ومبادئ راسخة، من أبرز عناوينها: قداسة العلم، وأولوية الجماعة، وحرمة الفتنة، وشرف خدمة الأمّة، في أعزّ ما تُخدم فيه الأمّة؛ ألا وهو دينها، مصدر عزّتها، وضامن وحدتها، وقِوام حياتها.
إنّ شعبنا الّذي يتمسّك بالإسلام، منذ أن هداه الله إليه، يرفض أن يشكَّك في هوّيته، أو يساء إلى ثوابته. وجدير بنا، في هذا المقام، أن نذكّر بأنّ الأمازيغية في الجزائر تعدّ امتدادا تاريخيا لمسيرتنا الحضارية؛ وهي ليست عنصرا غريبًا عن الإسلام، أو العروبة؛ بل كانت سندا للدّين، ووعاءً للثّقافة العربيّة الإسلاميّة، عبر التّاريخ. ونحن نؤمن أنّ الهُوّيّة الجزائريّة لا تختزل في لسان، ولا في مكان. وسرّها في ثرائها وتنوّعها، وإجماع شعبنا على الرضى بالإسلام دينا، والتمسّك به عقيدة وشريعة، مع تبنّي العربية والأمازيغية ثقافة وتعبيرا؛ فكان الوطن حاضنة الجميع، وكانت قلاع الجزائر حصنهم المنيع.
لقد كنّا ندعو، باستمرار، لكي تكون العلاقة بين العربية والأمازيغية علاقة تنوّع وتكامل، لا علاقة صراع وتصادم؛ ونؤكّد اليوم مجدّدا أنّ هذه العلاقة ينبغي أن تكون عامل انسجام في المجتمع الجزائري.
إنّ بلادنا تشهد تحوّلات تاريخية، وتمرّ بمرحلة فاصلة في مسيرتها الحافلة بالأحداث والذكريات. وإنّ علينا، نحن الجزائريين، أن نحمي الهُوّيّة من الاختراق في الداخل، ومن الاختطاف من الخارج، لأنّ الهُوّيّات هي أكثر من رمزيات، فهي وجود فردي واجتماعي متكامل، وانتماء راسخ في الضمير الجمعي والفردي. وعندما تستثمر الهوية سياسيّا تتحوّل إلى وقود فتنة، لا سمح الله. وإنّما تتحصّن الهُوّيّة وتقوى مناعتها، حين يشعر كلّ مواطن أنّه معنيّ بوطنه، محميّ في حقوقه وكرامته، مشمول، بعد الله، بعدالة دولته؛ حيث تتكافأ الفرص، وينال كلّ مواطن حظّه وحقّه، في أيّ أرض من بلاده يسكنها، وفي أيّ موقع عمل يسهم به في بناء وطنه وترقية مجتمعه.
ينبغي لنا أن نرتقي إلى ما فوق الاستقطابات اللّغويّة أو الثّقافيّة، ونجعلها روافد قوّة، ومصدر ثراء، وعنوان تكامل؛ ونتوجّه إلى تعزيز العدالة الاجتماعيّة، والسيادة السياسيّة والاقتصاديّة، وتحقيق القفزة الرّقميّة والتكنولوجية، وبلوغ الرّفاه الوطنيّ؛ لأنّ التّحدّي الحقيقيّ للمواطن الجزائريّ ليس في القول: من أنا؟ بل في القول: ماذا أستطيع أن أكون؟
نحن في حاجة إلى وعي جديد بهُوّيّتنا الواحدة، في عصر الشبكات الرقمية، وفي ظلّ الاستلاب والاغتراب، حتّى بين الفرد ونفسه.
فلنعُدْ لمشارب هُوّيّتنا الأصيلة. لنتمسّكْ بثوابتنا، ولنكن أمناء على قيمنا ومقوّمات شخصيّتنا. ولنجعل من ألسنتنا، على اختلافها، صدى للغة واحدة، ولحضارة واحدة، ولخطاب واحد جامع وموحّد.
ولعلّ من نافلة القول، في هذا السياق: إنّ التمكين للغة الأجنبية في بلادنا، هو تمكين لحماة الفرنسة ودعاة التغريب، الّذين يعملون، دون هوادة، لتنفيذ مشروعهم، حتّى تبقى له الهيمنة، في مختلف مجالات الحياة، وتظلّ له السّيادة في جميع القطاعات والمؤسّسات.
ولعلّكم سمعتم مؤخّرا كيف يتحسّر ساسة وإعلاميون ومفكّرون عن تقهقر الفرنكوفونية في بلادنا، وتخوّفهم من تحوّل شبابنا نحو لغات عالمية أخرى …”
من معهد الحياة إلى جامع الجزائر وحدة الرسالة:
“… إنّ جامع الجزائر هو امتداد طبيعيّ لتلك الرسالة الجامعة الموحّدة الّتي اضطلع بها أولئك الرجال، بعدما انتقلنا من مقاومة الاحتلال إلى مقاومة التفكّك وآثار الاحتلال؛ ومن معركة الاستعمار إلى معركة تحصين الهوّية والمرجعية، وتثبيت دعائم الاستقلال.
إنّ جامع الجزائر، ليس صرحًا دينيّا فحسب، بل قلعة حضاريّة، ومنارة علميّة تهدي إلى أقوم سبيل. هو منصّة لتهذيب الوجدان، وإصلاح النّفوس بهداية الإيمان، وفتح الحوار العقلانيّ، وتوجيه العناية وصرف الاهتمام، من الّذي يفرّقنا، إلى ما يجمعنا؛ ومن الحقّ في الاختلاف، إلى الواجب في التّآلف والتّعاون، والوئام والانسجام. إنّه قلعة لجميع الجزائريين، يرى كلّ واحد فيه حصنه المنيع، وعلامته الدالّة على أصله وحاضره ومصيره. إنّه معقل تلتفّ حوله كلّ الفئات، معتصمة بحبل الله، بعيدا عن أيّ تضليل، أو غلوّ أو تقصير. يلجأ إليه البعيد والقريب، ليجد نفسه في رحابه، ويتلمّس طريقه نحو الخلاص، في خِضمّ العولمة الجارفة، والفردانية القاتلة.
إنّنا نلتقي اليوم عند هدف واحد، ألا وهو بناء الفرد الجزائريّ المؤمن العارف، القادر على خدمة وطنه من موقعه، دون استبعاد أو إقصاء، بناء الفرد المستقيم الّذي يحسن فهم دينه، ويحسن العمل به، يؤمن بانتمائه الإسلامي الواحد، ويرفض الفرقة والتجزئة والطائفية، وينبذ الأنانية والعصبية الجاهلية…”
في المئوية.. دعوة لتجديد عهد
“… نحن اليوم لا نحتفي فقط بماضٍ مشرّف، بل نوقّع عهدًا جديدًا أمام الله والتاريخ: أن نواصل التعليم المفيد، والتكوين النزيه، والخدمة المثمرة. فمعهد الحياة ليس في ولاية غرداية فقط، بل هو فكرة جزائرية تستحقّ أن تُنقَل وتُروى وتُستثمر، في برامج التعليم، وفي الدعوة والإعلام.
إنّنا لا نُحيي مائة عام من التاريخ، بل نُحيي مائة عام من الوفاء للأمّة. فطوبى لمن غرس، وطوبى لمن واصل الغرس، وطوبى لمن حفظ الماء من التبذير، والتنوّع من التبديد، وصان الجزائر من التشتّت والتمزيق …”
والله يقول الحقّ وهو يهدي السبيل.
والحمد لله ربّ العالمين.

