Scroll Top

كلمة عميد جامع الجزائر في تأبينيّة شيخ الزّاوية التّجانية بتماسين

                                               كلمة السّيّد وزير الدّولة، عميد جامع الجزائر،

                                              الشَّيخ محمّد المأمُون القاسميّ الحسنيّ

                                               في تأبينيّة شيخ الزّاوية التّجانية بتماسين،

                                   عضو المجلس العلميّ لجامع الجزائر، الشَّيخ محمّد العيد التّجاني التَّماسينيّ

  12 ربيع الآخر 1448 ه، الموافق 23 سبتمبر 2026م.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي جعل العلماء ورثة الأنبياء، ورفع أهل العلم درجات، وصلّى الله وسلّم وبارك على سيّد الكائنات، سيّدنا ونبيّنا وحبيبنا محمّد وعلى آله وأصحابه ذوي الفضل والمكرمات.

 

أصحاب الفضيلة العلماء والمشايخ،

حضرات السّادة أعضاء المجلس العلميّ لجامع الجزائر،

أيّها الحضور الكريم كلّ باسمه ومقامه.

 

السّلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

نجتمع اليوم في رحاب جامع الجزائر، لنستذكر أخًا عزيزًا، وعالمًا فاضلًا، وشيخًا مربّيًا، هو فضيلة الشّيخ محمّد العيد التّجانيّ، شيخ زاوية تماسين التجانيّة، عضو المجلس العلميّ لجامع الجزائر، الذي اختاره الله إلى جواره، بعد مسيرة حافلة بالعطاء؛ نسأل الله أن يتغمّده بواسع رحمته، ويسكنه فسيح جنّاته؛ وأن يجزيه عن العلم وأهله، وعن القرآن وخدمته، وعن وطنه وأمّته، خير ما يجزي به عباده المحسنين.

 

ونحن نجتمع، أيّها السّادة الكرام، لا لنقول إنّ واحدًا من رجالات الجزائر قد غاب فحسب، ولكن لنقف عند معنى الغياب، حين يكون الراحل من الرّجال الصّالحين، الّذين جعل الله آثارهم في النّاس حياة بعد رحيلهم، أولئك الأخيار الّذين جعلوا من حياتهم رسالة، ومن العلم أمانة، ومن التّربية عبادة، ومن خدمة النّاس صورة من صور الوفاء لله، جلّ في علاه.

 

وإنّ من أصدق ما يقال في مقام التّأبين: أنّ المرء لا يُقاس فقط بعدد السّنين الّتي عاشها، وقد وُلد الفقيد سنة أربعٍ وخمسين (1954م)؛ وإنّما بما تركه من أثر في النّفوس، وما غرسه من معنى في الأجيال، وما أبقى من عمل صالح يستمرّ بعد انقطاع عمله. قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ ﴾.

 

ومن هذا المنطلق، فإنّ الحديث عن الشّيخ محمّد العيد التّجانيّ، رحمه الله، ليس حديثًا عن رجل انتهت حياته بانتهاء أجلها؛ وإنّما هو حديث عن أثر نرجو أن يبقى، وعن مدرسة تربويّة وعلميّة كان أحد أعلامها، وعن معنى أصيل من معاني الشخصيّة العلميّة الجزائريّة، الّتي لا ترى تعارضًا بين عمق الانتماء إلى التّراث ووعي الإنسان بأسئلة العصر ومستجدّات الحياة.

 

لقد كان في مسار الفقيد ما يستوقف النّاظر؛ فقد نشأ في أحضان الزّاوية، وفيها تعلّم القرآن وتلقّى الثّقافة الإسلاميّة والتربيّة الروحيّة؛ ثمّ انفتح على الجامعة والعلوم الدّقيقة، فدرس الفيزياء، وحصل على الدّكتوراه، ومارس العمل الأكاديميّ والتّأطير الجامعيّ، قبل أن يحمل أمانة مشيخة زاوية تماسين، قبل ستّة وعشرين عامًّا، خلفًا لوالده الشّيخ محمّد البشير، رحمه الله.

 

وهنا تكمن إحدى الدّلالات العميقة في شخصيّته: فقد كان مساره شاهدًا على أنّ العلم، في التصوّر الإسلاميّ، لا ينبغي أن يكون جُزرًا متباعدة، ولا أن يتحوّل التخصّص العلميّ إلى قطيعة مع سؤال الإنسان عن المعنى؛ كما لا ينبغي أن يتحوّل التديّن إلى انغلاق عن حركة المعرفة ومقتضيات العصر.

 

ولعلّ هذه الرّوح هي الّتي جعلت تجربته موضع اهتمام الدّراسات الّتي تناولت مشروعه التربويّ؛ فقد وصف باحثون منهجه بأنّه محاولة للجمع بين أصالة التّراث الصوفيّ ومستجدّات العصر، وبين التربيّة الروحيّة والتّكوين العلميّ، مع جعل التّعليم أداة لتكوين الإنسان القادر على الإسهام في خدمة مجتمعه ووطنه، وترقية حياة أمّته.

 

 

 

أيّها الحضور الكريم،

إنّنا حين نستحضر اليوم الشّيخ محمّد العيد التجاني، لا نريد أن نحصر تجربته
في مقام الطّريقة، ولا في مقام الزّاوية، ولا في مقام الجامعة؛ لأنّ قيمة العالم الحقيقيّ تظهر حين تتّسع رسالته لهذه الدّوائر كلّها، وحين يكتشف الإنسان أنّ خدمة الدّين لا تكون بلون واحد، وأنّ بناء الإنسان لا يتمّ بالعلم وحده، ولا بالوعظ وحده، ولا بالتّكوين الروحيّ وحده، وإنّما باجتماع هذه المعاني في شخصيّة متوازنة.

وفي هذا الإطار، نفهم دلالة المنهج الّذي قامت عليه تجربتنا التربويّة في الزّوايا العلميّة: العلم والعمل والعبادة.

 

فالعلم الّذي لا يتحوّل إلى عمل قد يبقى معرفة باردة؛ والعمل الّذي لا يقترن بالإيمان، ولا يهتدي بالعلم قد يتحوّل إلى حركة بلا بصيرة؛ والعبادة الّتي لا تُثمر صلاحًا في النّفس وإحسانًا إلى الخَلقِ قد تفقد كثيرًا من مقاصدها التربويّة.

 

 

 

 

إنّ اجتماع هذه المعاني الثلاثة هو في حقيقته استعادة للإنسان المسلم
في وحدته: عقلٌ يتعلّم، ويدٌ تعمل، وقلبٌ يتعبّد.

 

وهذا، في تقديري، هو أحد المعاني الّتي تستحقّ أن تُستعاد اليوم من تجربة الفقيد؛ لأنّ أزمتنا المعاصرة ليست في نقص المعلومات وحدها، وإنّما في السّؤال الأعمق: كيف نحوّل المعرفة إلى حكمة، والحكمة إلى سلوك، والسّلوك إلى عمران؟

 

لقد أدرك الشّيخ محمّد العيد، في مشروعه التربويّ، أنّ الزّاوية إذا أرادت أن تؤدّي رسالتها في زمن جديد، فلا يكفي أن تحفظ ماضيها، بل عليها أن تجعل ذلك الماضي قوّة لبناء المستقبل. ولذلك ارتبط مشروعه بالتّعليم، وتربية النّاشئة، والعناية بالقرآن، ومواكبة العصر، والانفتاح على المعرفة الحديثة.

وهذا هو المنهج الربّانيّ الّذي نحتاج إلى استعادته في كلّ عمل إصلاحيّ:

أن ننطلق من الثّابت، دون أن نتجمّد عند الصّورة؛ وأن نواكب المتغيّر، دون أن نفقد البوصلة؛ وأن نأخذ من الوحي هدايته، ومن التّراث حكمته، ومن العصر أدواته، ومن الواقع أسئلته.

 

وإذا كان الفقيد قد ترك تماسين، وهي تحمل في ذاكرتها أكثر من قرنين من الرّسالة العلميّة والتربويّة، فإنّ أعظم الوفاء له ليس أن نعدّد مناقبه فحسب، وإنّما أن نصون المعاني الّتي عاش لها:

 

أن يبقى القرآن حاضرًا في التّربية؛ ويبقى العلم طريقًا إلى النّهوض؛ وأن تبقى العبادة باعثا على العمل الصّالح؛ وتبقى الزّاوية فضاء للعلم والتّزكية وخدمة المجتمع.

وقد عُرفت زاوية تماسين، منذ تأسيسها، في مطلع القرن التّاسع عشر، بوظيفتها التعليميّة والتربويّة والاجتماعيّة؛ وهو الإرث الّذي واصل الفقيد خدمته وعمل لتطويره.

 

حضرات السّادة والسّيّدات؛

إنّ فقد العلماء يذكّرنا بحقيقة لا ينبغي أن تغيب عن وعينا: أنّ المؤسّسات تبقى حين يحمل أبناؤها رسالتها، وأنّ العلم يبقى حين يتحوّل إلى تربيّة، وأنّ التربيّة تبقى حين تتحوّل إلى أخلاق، وأن الأخلاق تبقى حين تصبح سلوكًا في النّاس.

 

 

ومن هذا المنظور، فإنّ جامع الجزائر، وهو يحتضن اليوم هذه التأبينيّة،
من خلال مجلسه العلميّ، إنّما يكرّم في شخص الشّيخ محمّد العيد التّجانيّ، رحمه الله، قيمة من القيم الّتي يقوم عليها مشروعه؛ قيمة العالِم الّذي يجمع بين رسوخ الأصل والانفتاح على المعرفة، وبين صفاء الرّوح ومسؤوليّة الواقع؛ وبين الوفاء للتّراث والقدرة على مخاطبة الإنسان في عصره.

 

لقد وفّقنا الله سبحانه، لاختيار الفقيد عضوًا في المجلس العلميّ لجامع الجزائر، وهو المجلس الّذي أُنيطت به رسالة الإسهام في الإشعاع الدينيّ والعلميّ للجامع، والمشاركة في الحوار العلميّ، والبحث في قضايا العصر، والإسهام في حماية المرجعيّة الدينيّة الوطنيّة. ومن ثمّ، فإنّ فقد أحد أعضائه ليس فقدًا لشخص فحسب، وإنّما هو فقد لصوت علميّ وتجربة إنسانيّة، كانت حاضرة في مسيرة هذه المؤسّسة النّاشئة في خدمة العلم والدّين والوطن.

 

ولقد كان من جميل الوفاء أن شارك جامع الجزائر في تشييع الفقيد بتماسين؛ وأن نقف اليوم في هذا الصّرح الجامع لنستعيد سيرته؛ وكأنّ المسافة بين تماسين والجزائر العاصمة تختصرها رسالة واحدة: أنّ العلم الصّادق لا تحُدّه الجغرافيا، وأنّ ما يُغرس في زاوية من زوايا الجزائر يمكن أن يكون جزءًا من الذّاكرة العلميّة والروحيّة للأمّة كلّها.

رحم الله الشّيخ محمّد العيد رحمة واسعة، وجعل القرآن الّذي خدمه شفيعًا له وأنيسًا في قبره، والعلم الّذي نشره نورًا بين يديه، والأجيال الّتي ربّاها صدقة جاريةً في ميزانه، وكلّ مجلس علم أسهم فيه رفعةً لدرجته.

 

ورحم الله فيه العالم والمربيّ والشّيخ والأستاذ، وجزى والديه ومشايخه وأهله وطلبته ومحبّيه عنه خير الجزاء.

 

والله نسأل أن يحفظ زاوية تماسين، وكلّ الزّوايا العلميّة والمنارات الرّبانيّة، في كلّ القطر الوطنيّ، وأن يوفّق القائمين عليها إلى الإخلاص في حمل رسالتها، وأداء أمانتها بحقّها.

 

كما نسأله سبحانه أن يحفظ علماء الجزائر ومشايخها؛ وأن يوفّقنا وإيّاهم لأداء رسالتنا في جمع الكلمة، وصيانة المرجعيّة، ونشر العلم، وربط المعرفة بالأخلاق، والدّين بالعمران، والتّراث بمقتضيات الحاضر.

 

اللّهم ارحم عبدك محمّد العيد؛ واجعل ما تركه من علم وتربية وخدمة للقرآن والناس ذخرا له في صحائف أعماله وميزان حسناته.

 

اللّهم إن كان محسنًا فزد في إحسانه، وإن كان مسيئًا فتجاوز عن إساءته،
اللّهم أكرم نزُله، ووسّع مدخله، واجعل قبره روضة من رياض الجنة، وتقبّله في عبادك المتّقين وألحقنا به في الصّالحين.

 

﴿رَبَّنا اغفِر لَنا ولِإِخوانِنا الَّذينَ سَبَقونا بِالإيمانِ وَلا تَجعَل في قُلوبِنا غِلًّا لِلَّذينَ آمَنوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤوفٌ رَحيمٌ﴾.

 

والحمد لله ربّ العالمين.