ألقى عميد جامع الجزائر، الشيخ محمّد المأمون القاسمي الحسنيّ، كلمةً، بمناسبة تنظيم قسم الإرشاد النسويّ بالفضاء المسجديّ، ندوة علميّة، حول: “نوازل الصّوم الخاصّة بالمرأة بين الطبّ والفقه”؛ هذا نصّها:
يطيب لي، في البداية، أن أشكر قسم شؤون المرأة والأسرة على اختياره الموفّق لموضوع هذه الندوة الفقهيّة الطبّيّة، “نوازل الصّوم الخاصّة بالمرأة بين الطّبّ والفقه“. وهو موضوع يأتي في سياق الحاجة المستمرّة إلى تجديد النّظر في القضايا الفقهيّة المرتبطة بالحياة المعاصرة، لاسيما تلك التي تمسّ شؤون المرأة، من منطلق فقهيٍّ رصين، ومنظور طبيٍّ دقيق.
إنّني أثمّن المستوى الّذي ارتقى إليه قسم الإرشاد النسوي في الفضاء المسجدي؛ فالمرأة، هي نصف المجتمع، وشريكة الرّجل في البناء والحياة، لها خصوصيات شرعيّة وصحّيّة، تتطلّب اجتهادًا يعتمد القواعد والأصول، ويراعي مقتضيات العصر ومعطيات الطبّ الحديث، في إطار مقاصد الشريعة الكبرى، التي تجعل من التيسير ورفع الحرج أصلًا ثابتًا في التشريع.
إنّ الصّيام، وهو الركن الرابع من أركان الإسلام، لم تجعله الشريعة حِملًا فوق الطاقة، بل راعت أحوال النّاس: فجعلت الرخص مخرجًا من المشقّة، ومن ذلك أحكام الصوم المتعلّقة بالمرأة، في حالات الحيض والنفاس، والحمل والإرضاع، والمرض المؤقت والمزمن، وغيرها من الحالات التي تحتاج إلى تأصيل فقهيّ متجدّد، ونظرٍ طبّيّ متخصّص، ليتحقّق التكامل في معالجة هذه المسائل، ويكون الاجتهاد نابعًا من فهم دقيق للنصوص والمقاصد، ومستندًا إلى المعطيات العلميّة المؤكّدة.
إنّ الحديث عن نوازل الصّوم الخاصّة بالمرأة، بين الطبّ والفقه، ليس مجرّد نقاش فقهيّ نظريّ، بل هو سعيٌ إلى تحقيق الانسجام بين ثوابت الشريعة ومتغيّرات العصر، في ضوء الفهم الصحيح لمقاصد الدين وحكمة التشريع. فالمرأة المسلمة، وهي تؤدّي عباداتها، تحتاج إلى اجتهاد يراعي طبيعتها، ويتفهّم واقعها، ويوفّر لها الأحكام التي تجمع بين التيسير والانضباط، بعيدًا عن التفريط والإفراط.
إنّ تعزيز وعي المرأة المسلمة بهذه المسائل، في إطارٍ يجمع بين الفقه الرصين والمعرفة الطبّيّة الدقيقة، هو ضرورةٌ لحفظ التوازن بين التديّن السليم والتفاعل الإيجابيّ مع مستجدّات الحياة. كما أنّ صون الأسرة المسلمة من تيارات التمييع أو الجمود، هو جزءٌ من حماية هوّيّتنا وثوابتنا، في زمنٍ تتكاثر فيه التحدّيات، وتتعدّد فيه الدعوات التي تحاول زعزعة البناء الاجتماعيّ والأخلاقيّ للأمّة.
وهنا أستسمح الحضور الكريم في الحديث عن عناية الإسلام بالمرأة، ما دامت هذه الندوة العلمية تنظّم إحياء لليوم العالمي للمرأة.
إنّ الدارس لديننا الحنيف يعلم كيف تولّى الإسلام المرأة بالعناية والرعاية، وأحاطها بسياج منيع من الصيانة والحماية، ورسم لها خير منهج؛ فحدّد مسؤوليتها في الأمّة، ورسالتها في المجتمع، وبيّن مالها من حقوق، وما عليها من واجبات، باعتبارها النواة الأولى، واللبنة الكبرى، التي تقوم عليها الأسرة.
لقد جاء الإسلام، والمرأة مهضومة الحقوق، مسلوبة الكرامة؛ فرفع مكانتها، ومنحها حقوقها، وصان لها كرامتها، واعتبرها شريكة للرجل، شقيقةً له في الحياة، وساوى بينهما في شتّى المجالات، وجعل هذه المساواة قائمةً على ميزان الشرع، بما يراعي الفطرة، ويؤدّي إلى التكامل، لا إلى الصراع والتنازع.
وما نلاحظه، هنا وهناك، أنّ بعض الجاهلين يروّجون تأويلات خاطئة، تزعم بأنّ الإسلام هضم المرأة حقوقها. كما استغلّ دعاة تحرير المرأة واقعها المزري في المجتمع المسلم، للعمل على تجريدها من الالتزام بأحكام الشريعة الإسلاميّة، ومن قيمها وآدابها. وفي المقابل، نجد التقاليد السيّئة تتستّر بستار الدين، كما نجد الخطاب الدّيني يتجاهل ما حقّقته المرأة المعاصرة من حقوق مشروعة، يقرّها الإسلام، في حين أنّ المرأة المسلمة ما زالت محرومة منها، في أماكن كثيرة. ومثل هذا الخلل، إذا لم نعمل لإصلاحه، فإنّ الخصوم يستغلّونه، وتنساق المرأة المسلمة وراءهم، بحثا عن مخرج من واقعها الأليم.
حضرات السيّدات، أيّها الجمع الكريم.
هناك قضايا تعاني فيها المجتمعات الإسلاميّة مشكلات حقيقية؛ ومنها قضية المرأة والأسرة، وقضايا المساواة والحرية والشورى والعدالة الاجتماعية. وإذا لم نبادر إلى إعطاء التصوّر السليم لإصلاح الخلل، ونحوّل ذلك إلى برامج علمية وحركة اجتماعية، يُسهم العلماء والمفكّرون وولاة الأمور في توجيهها وتنفيذها، فإنّ خصوم الإسلام سيعملون من أجل ذلك، بطريقتهم الخاصّة، التي تنتهي بإبعاد الإسلام عن الحياة العامّة، كما يريدون.
إنّنا مدركون لسرعة التطوّر الذي طبع مختلف مجالات الحياة في عصرنا هذا، وإنّنا واعون بضرورة التفاعل الإيجابيّ مع هذا التطوّر، وفق ضوابط الشرع. فالتّشريع في الإسلام يستوعب المستجدّات، ويراعي أحوال الناس، كما أنّ الاجتهاد الفقهيّ مطالب بأن يكون في مستوى التحدّيات الجديدة، من غير تفريط في الأصول، ولا انجرار وراء التقليد الأعمى لنماذج تتعارض مع قيمنا، ولا تنسجم مع هوّيتنا وثوابتنا.
وما من شكّ في أنّ مسايرة هذه التّحدّيات يتطلّب منّا الإبداع في مجالي التشريع والتنظيم، على حدّ سواء. أي إنّنا بحاجة إلى الابتكار في القانون الوضعيّ والاجتهاد الفقهي؛ ذلك أنّ في حياة الأسرة والمجتمع جانبين:
أ- الجانب الاجتماعي الذي يعنى بمعالجة المستجدّات التي يتعرّض لها المجتمع، كقضايا التعليم، والصّحة، والعمل، والسكن. وهذا الجانب يعود إلى القانون الوضعي الذي تبادر به الدولة في تنظيماتها المختلفة.
ب- وهناك الجانب البنيويّ للأسرة والمجتمع، وهو الجانب المحكوم بالشريعة الإسلامية التي ينبغي مراعاتها في كلّ ما تسنّ الدولة من قوانين؛ وهذا ما حقّقته بلادنا في قانون الأسرة. ذلك أنّه لا نهضة ترجى للأسرة والمجتمع، إذا لم يتمّ الانسجام الكامل بين هذين الجانبين: القانون الوضعي، والتشريع الفقهي.
ومن هذا المنطلق، فإنّنا ما فتئنا ندعو إلى التمسّك بالمؤسّسة الأسرية، والعضّ عليها بالنواجذ، باعتبارها أساس المجتمع، وهي المستهدفة اليوم من قِبَل المخطّطات الرامية إلى تفكيك المجتمع الإسلامي، وطمس خصائصه المتميّزة، التي هي عنوان شخصيته، وسرّ تماسكه وقوّته.
ويتعيّن أن يكون التّنظيرُ للأسرة المسلمة، والتّشريع لها، من قِبَل مختصّين مسلمين ذوي كفاءة وخبرة، مع العمل لرفع مستوى الأسرة التعليمي والثقافي، من منظور الوعي الديني، ومبدإ الوسطيّة والاعتدال. فنكبة الأمّة اليوم في مجتمعاتها، وإخفاقها في أخلاقها، لم يكن إلّا بعد ما نُكبت في نظام الأسرة، وفساد التربية للبنات والبنين.
كذلك ينبغي التخلّص من التجاذب القطبي بين الخضوع لعادات وتقاليد ليست من جوهر الإسلام، وبين ما هو وافد من نتاج الحضارة الغربية، والتحرّر من ذهنية المطالبة بالحقوق، بين الرجل والمرأة، لأنّها ذهنية أفرزتها أوضاع الحضارة الغربية، فهي غريبة عنّا، وعن حضارتنا، وعن قيمنا وأخلاقنا.
إنّ الوضع الحضاري المتميّز الذي يشهده العالم من حولنا مطبوع بفلسفة العولمة، التي ترمي إلى إعادة صياغة مختلف نواحي الحياة؛ وذلك بالاختراق الثقافي للإعلام والتعليم والأسرة، ولكافّة مؤسّسات المجتمع.
وفي مواجهة تحدّيات الحاضر والمستقبل، علينا أن نتصدّى لمحاولات جرّ المرأة المسلمة إلى الانسياق وراء الشعارات البرّاقة، والحرّيات المغشوشة، والاستجابة للدعوات المشبوهة التي يراد بها تحطيم منظومة القيم الأخلاقية، بتمييع شباب الأمّة، وإسقاط المرأة في أوحال الانحراف والفساد. “وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ”[الأحزاب.04]
نسأله تعالى أن يوفّقنا جميعًا للفقه في الدين، وأن يُلهمنا رشدنا في العلم والعمل، وأن يجعل هذا اللقاء لبنةً في مسيرة الاجتهاد والتجديد، خدمةً لديننا ووطننا، ونفعًا لمجتمعنا وأمّتنا.
والله وليّ الإعانة والتوفيق.









