كلمة السيّد العميد في ندوة علميّة، من تنظيم المجلس العلمي لجامع الجزائر، بعنوان: “رسالة المسجد في المجتمع المعاصر”.
يوم الثلاثاء الفاتح من ربيع الآخر، الموافق 23 سبتمبر 2025م.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي جعل المساجد منارات للهدى والإيمان، ومعاقل للتربية والتزكية والعمران؛ وقال جلّ من قائل في حقّ عمّارها: ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ۖ فَعَسَىٰ أُولَٰئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: 18].
والصّلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا وحبيبنا محمّد، الّذي أقام أوّل مجتمع على أساس المسجد، فكان منطلق الرسالة، ومهوى الأفئدة، ومصدر الإشعاع الحضاري. صلّى الله وسلّم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن اتّبع سنّته، واهتدى بهديه إلى يوم الدّين. أمّا بعد؛
السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛
حضرات الأساتذة الأفاضل، أيّها الحضور الكريم؛
حديثنا في هذه الجلسة العلميّة عن رسالة المسجد في المجتمع المعاصر؛ وهو في حقيقته حديث عن أصل ثابت يتجدّد مع تعاقب الأزمان. فمنذ أن أسّس رسول الله ﷺ مسجده في المدينة، جعله مدرسة للتعليم، ومقرًّا للشورى، ومركزًا للتعبئة الروحية والاجتماعية، إلى جانب كونه موضع الركوع والسجود. فيه تجمع الصّلاة بين روح الجماعة، وجلال الطّاعة.
لقد كان المسجد بحقّ مدرسة للتزكية وصقل الأخلاق، إذ فيه يتحلّى المسلم بمحامد التواضع، والمساواة، ونكران الذّات. وفيه تتحقّق وحدة الاتّجاه إلى الله. في رحابه يقف الغنيّ إلى جانب الفقير، والرّفيع إلى جانب الوضيع، والعالم إلى جانب العاميّ، في مشهد جامع للأمّة كافّة. وهذا البعد التربويّ هو ما تحتاج إليه مجتمعاتنا المعاصرة، في ظلّ طغيان الأنانيّة، وتفشّي النّزعات الفردية والمادّية.
وما أحوجنا في عالمنا الصاخب إلى روضة المسجد نتطهّر عندها ونتعبّد، وتتسامى في مشاعرنا وتتعالى، ونتجمّع حول تعاليمه السامية ونتلاقى. جدير بنا في نهضتنا المأمولة ن نجعل من المسجد دار عبادة، ومعهد تعليم وتربية، ومركز تقويم وإرشاد. ندخل إليه طالبين زادا ومددا، ونخرج منه إلى الحياة، وفي إحساسنا يقظة، وفي صدورنا بصيرة، وفي أرواحنا سموّ وضياء.
المسجد أيضًا، مبعث وجدان عامّ. فمن منبره، وفي رحاب ساحته، يتيسّر للقائمين على رسالته أن يعبّئوا مشاعر الأمّة، ويوقظوا أرواحها، ويرشّدوا وجهتها نحو أهداف سامية، في خدمة دينها وأوطانها. وإنّه لمن الخير، كلّ الخير، أن يسهم المسجد بنصيبه الذي يحسن فيه الجمع بين مطالب الدنيا ومطالب الآخرة؛ مسترشدًا بالأثر الإسلامي، الّذي يقول: “اعمل لدنياك كأنّك تعيش أبدا. واعمل لآخرتك كأنّك تموت غدا”. وذلكم هو المنهج القويم، الّذي يجمع، في انسجام وتكامل، بين الجانب التشريعي من الإسلام، والجانب الروحي من الدّين.
حضرات السّادة الأفاضل؛
كيف ننظر إلى أولويّات رسالة المسجد، في ظلّ الفراغ الرّوحيّ، والاغتراب الثّقافيّ، وغلبة الحياة المادّية، وانحسار القيم والأخلاق الإسلاميّة؟
إنّ واقع اليوم يفرض على المسجد مسؤوليّات إضافيّة: فلنا شباب يعيش في عالم مفتوح على كلّ أشكال الإغراء والتشويش؛ وفي أسرة تمسّها ألوان من التحدّيات، باعتبارها نواة المجتمع؛ وتستهدفها مخطّطات تغريبيّة، في ظلّ عولمة ثقافيّة وإعلاميّة قد تُدخل أفكارًا دخيلة، وتُضعف المرجعيّات الأصيلة.
من هنا يتوجّب على المسجد أن يرتقي بخطابه، ليكون خطابًا جامعًا، يوفّق بين الأصالة والمعاصرة، ويفصل بين الثوابت والمتغيّرات.
والخطاب المقصود هو الخطاب الأصيل المستنير، من حيث مرتكزاته وموضوعاته، وتنوّعه واعتداله، واتّصاله بالزمان والمكان؛ ومراعاته الوقائع والمستجدّات. خطاب يسعى لترقية الحياة الروحية، ولا يهمل متطلّبات الحياة المادّية؛ فيتّجه في غاياته إلى إحياء القلوب، وبعث الطّاقات الروحية في النفوس، لتكون معتصمة بحبل الله، وأسبابها موصولة بالله.
إنّ من ملامح الخطاب المسجدي المعاصر، أن تتّجه عنايته إلى أهداف سامية، منها على وجه الخصوص:
- 1. تزكية النفوس، وربط القلوب بالله، عبر إحياء معاني الذكر والخشوع، وتوضيح قيمة الإحسان في الحياة العامّة.
- 2. تعزيز الأخلاق العامّة، وغرس قيم الصّدق والأمانة، ومحاربة مظاهر البغي والفساد.
- 3. خدمة قضايا الأسرة والشباب، وتقديم حلول واقعيّة تحفظ كيان الأسرة، وتوجّه الشباب نحو أهداف سامية، في خدمة أمّته ووطنه.
- 4. تحصين المرجعيّة الدينية الوطنية، التي حفظت بلادنا من ويلات الغلوّ والانحراف، وجعلت من الإسلام في الجزائر أنموذجًا للوسطية والاعتدال.
- 5. نشر ثقافة الحوار، وأدب الاختلاف، في زمن يتصاعد فيه خطاب الكراهية والتعصّب، حتّى يبقى المسجد جامعًا للقلوب، موحّدًا للصفوف.
وخلاصة القول: إنّ رسالة المسجد اليوم تتجاوز حدوده المكانية، لتصبح مشروعًا حضاريًا متكاملاً، فيربط العلم بالدين، والدنيا بالآخرة؛ ويوفّق بين متطلّبات الروح وحاجات الجسد؛ ويبني إنسانًا متوازنًا، مؤمنًا بربّه، نافعًا لوطنه، فاعلاً في مجتمعه؛ يحسن فهم دينه، ويحسن العمل به. يعتزّ بانتمائه الإسلاميّ الواحد، يرفض التّجزئة والطّائفيّة، ويمقت الأنانيّة والعصبيّة الجاهليّة.
إنّ الأمّة اليوم أحوج ما تكون إلى أن يستعيد المسجد دوره الأصيل: منارةً للهداية، ومركزًا للوحدة، ومصدرًا للأمن الروحي والاجتماعي. وإذا أحسنّا تفعيل هذه الرسالة، فسيظلّ المسجد، كما أراده الله، حصنًا منيعًا، ومصنعًا للرجال، ومشعلًا حضاريًا يضيء دروب الأمّة في مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل.
هذا، والله نسأل أن يجعل يومنا خيرا من أمسنا، وغدنا خيرا من يومنا، وأن يجمع قلوبنا على التّقى، ونفوسنا على الهدى، وعزائمنا على الرشد، وعلى حبّ الخير، وخير العمل.
والله وليّ الإعانة والتوفيق، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
والحمد لله ربّ العالمين.


