Scroll Top

عميد جامع الجزائر: كما نحتفل بعيد النصر، وذكرى فتح مكّة، سنحتفي بتحرّر فلسطين قريبا

في إطار الاحتفال بالذكرى الثالثة والستين لعيد النصر؛ ألقى عميد جامع الجزائر، الشيخ محمّد المأمون القاسميّ الحسنيّ، مداخلة علمية تحت عنوان “صفحات من بطولات المسلمين: وقفة مع فتح مكة ويوم النصر”؛ وذلك خلال الندوة التي احتضنها المركز الثقافي لجامع الجزائر، اليوم الأربعاء 19 رمضان 1446هـ، الموافق 19 مارس 2025م.

وفي كلمته، أبرز السيد العميد التزام الجزائر بروح المقاومة والتحرر، متطرّقا إلى التّزامن التاريخيّ هذة السّنة بين عيد النصر الجزائري، وذكرى غزوة بدر، وفتح مكة؛ معتبرًا أن هذه المحطات التاريخية ترمز إلى انتصار الحق على الباطل، والإيمان على الاستبداد. وأكد أنّ الشعب الجزائريّ، كما انتصر بالأمس في معركة الاستقلال، يؤمن بأنّ النصر لفلسطين قادمٌ لا محالة، مستحضرًا في هذا السياق معركة طوفان الأقصى التي يخوضها الشعب الفلسطينيّ اليوم بشجاعة وبسالة.

كما شدّد السيّد العميد على أنّ العدل لا يُبنى على الظلم، والتحرّر لا يكون باستبدال مستعمر بآخر، مشيرًا إلى أن “نصر الجزائر كان نصرًا حقيقيًا لأنه انتصار للحق والعدالة، على عكس الاحتلال الصهيوني الذي يقوم على القهر والاغتصاب، مما يجعل زواله حتميًا بسُنن الله في الكون”.

وختم كلمته بالتأكيد على ضرورة استخلاص الدروس من انتصارات الأمة الإسلامية، والتمسك بالثبات والإيمان في مواجهة الطغيان، كما ترحّم على شهداء بدر، وشهداء الفتح، وشهداء الجزائر، وشهداء فلسطين “الذين يسطّرون بدمائهم قصة نصر قادم بإذن الله”.

 

كلمة عميد جامع الجزائر، السّيّد محمّد المأمون القاسميّ الحسنيّ، في النّدوة العلمية: “صفحات من بطولات المسلمين”..  وقفة مع فتح مكّة ويوم النصر.

يوم الأربعاء 18 رمضان 1446هـ، الموافق 18 مارس 2025م.

-المركز الثقافي لجامع الجزائر

 

 

 الحمد لله ربّ العالمين، ناصر المستضعفين، ومذلّ الطغاة المعتدين؛

والصلاة والسلام على من كان فتحُه نصرًا، ونصرُه فتحًا،

سيّدِنا ونبيّنا وحبيبنا محمّد، وعلى آله الطيّبين الطّاهرين، وأصحابه الغرّ الميامين.

 أيّها الحضور الكريم؛

السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أمّا بعد؛

فأحمد الله إليكم أن بلّغنا شهر رمضان؛ نسأله سبحانه أن يتقبّل منّا صيامه وقيامه، ويختمه لنا بالرضوان، والعتق من النيران.

في هذه الأيّام المباركات، شاءت حكمة الله، أن يتزامن يوم الفتح مع ذكرى عيد النصر؛ واحتفلنا قبل يومين بذكرى غزوة بدر. ولله في أزمانه حكم، ولله في خلقه شؤون.

تهبّ علينا من روضة رمضان، وشذى النبوّة، وسجلّات التاريخ نسائم ذكرياتٌ جليلة، تعطي القدوة وتثير النخوة. في ليلة القدر تفتّح قلب نبيّنا لوحي الله. وفيه سجّلت الأمّة المحمّدية أعظم انتصاراتها. وفيه قذف الحقُّ الباطلَ فأزهقه، “إنّ الباطل كان زهوقًا”.

كانت غزوة بدر في السّابع عشر رمضان، من السنة الثانية للهجرة؛ وكان فتح مكّة في العشرين رمضان، من السنة الثامنة للهجرة.

في تذكّر غزوة بدر، وتدبّر مواقفها إحياء لحوافز الإقدام والإيمان في نفوس المسلمين،وربط لحاضرهم بماضيهم المجيد. وقد سمّاها القرآن “يوم الفرقان”، لأن الله جلّ جلاله فرّق فيها بين الحقّ والباطل، وبين الإيمان والكفر.

حينما نستذكر بدرا الكبرى، نجد أنّها لم تكن مجرّد معركة في حساب التّاريخ؛ بل كانت لحظة فاصلة بين الاستضعاف والتمكين: كان المسلمون قلّة مؤمنة، سلاحُهم الصبر والثبات، في مواجهة قوّة كافرة متعجرفة، ظنّت أنها قادرة على فرض الباطل بقوّة السيف، فإذا بصرخة الإيمان تهوي بها إلى قاع الهزيمة. كان النصر للمسلمين؛ وفتح الله عليهم بيومِ بدر، ﴿ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [الأنفال: 10]. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، واللهُ ذو الفضلِ العظيم.

كما تطوف بنا في هذه الأوقاتِ ذِكرى يومٍ من أيّامِ الإسلامِ مُشرقِ الصَّفحات، وهو يومُ الفتحِ المبين، يومُ فتحِ مكّة، اليوم المشهود الّذي كان تتويجًا لجهاد طويل مكَّن اللهُ فيه للإيمان واليقينِ. لم يكن يوم الانتقام، بل كان يوم إذلال الطغيان في عقر داره. فلم يُقاتل النبي ﷺ أهل مكّة، حين دخلها فاتحًا، بل دخلها كاسرًا لصنم الكبر في قلوب قريش، معلنًا سقوط الجاهلية بكلّ رموزها. ففتح بيتَ الله الحرام، وطهَّرهُ ممّا كان فيه من بقايا الجاهلية، مُردِّدًا شعارَ التوحيد: “لا إلهَ إلا اللهُ وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعزَّ جنده، وهزم الأحزابَ وحده.”

حضرات السّادة.

نحن في يوم الفتح، نعيش نسمات الذكرى الثالثة والسّتين لعيد النصر. وإنّ للنصر روعة ولذكراه أثرا ومتعة. وأيُّ مشهدٍ أقرب إلى هذا من نضال الجزائريين، الذين خرجوا لمقارعة أعتى قوّة استعمارية، في ظروف توحي بأنّ النّصر كان بعيد المنال، لكنّه أقرب إلى إيمان المجاهدين من حبل الوريد. نتذكّر، والسعادة تملأ قلوبنا، أنّ القرآن الكريم الذي حثّنا على الجهاد والمصابرة والمرابطة قد بشّرنا أيضا بالنجاح والفوز والنصر. فهو يفتح أبواب الرجاء والأمل أمام المؤمنين؛ وقد جاء في آياته قول البارئ جلّ وعلا، عن بشرى الفتح وبشائر النصر : ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا ۝ لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا ۝ وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا ۝ هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ [الفتح: 1-4].

في ذكرى الفتح، هذا العام، نحتفل بعيد النّصر. وأيّ صورة أعظم من يوم انتصار الجزائر، حين سقط الاستدمار؛ ولن يبقى له أثر، بإذن الله، إلّا في ذاكرة التاريخ. إنّه اليوم الّذي ارتفعت فيه راية الجزائر عاليةً، بعد احتلال دام قرنًا وثلث قرن، سطّر شعبنا في مقاومته أروع ملاحم البطولة. كان احتلالا غاشما، جثم على صدر الجزائر، وحاول أن يقتلع من شعبها العقيدة والهُوّيّة، فإذا بها تستعيد مجدها بنصر مؤزّر، يشبه في قدره يوم بدر وفتح مكة؛ بل ويمتدّ بروحه إلى معركة العصر الكبرى.   فعلى الضفّة الأخرى من الزمن، هناك معركة تحمل الروح ذاتها، واليقين ذاته: إنّها معركة فلسطين “ملحمة طوفان الأقصى“.

فحين انطلقت هذه الملحمة في السابع أكتوبر سنة ثلاث وعشرين وألفين (2023م)، لم يكن الأمر سوى تكرار لسُّنّة التاريخ: ضعفاء في العُدّة والعدد، أقوياء في الإيمان والإرادة، يقفون أمام جبروت ظالم يظنّ أنّ قوّته ستخلّد مُلكه. لكن، كما سقطت قريش أمام ضربات بدر، وكما سقط الاستدمار في الجزائر، فحتّمٌ أن يسقط الاحتلال عن أرض فلسطين، بإذن الله، وإن طال الزمن.

وها نحن اليوم، إذ نُحيي ذكرى عيد النصر في الجزائر، لا نملك إلّا أن نرى صورته في وجوه الصامدين في غزّة، وفي ثبات المقاومين في جنين، وفي تكبيرات الأحرار المرابطين في المسجد الأقصى، الّذين يمشون دربًا سلكناه نحن قبل عقود، ونعلم نهايته الحتمية: نصرا عزيزا مؤزّرا: *”وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ” (الحج: 40).

إخوة الإيمان.

حين أذِن الله لنبيّه بفتح مكّة، لم يعلنه انتصارًا لحساباته الخاصّة، بل انتصارًا لرسالة السماء، وكسرًا لهيمنة الباطل. وهذا هو الفرق الجوهريّ بين النصر الّذي يخلّده التاريخ، والنّصر الذي يزول بزوال القوّة: العدل لا يُبنى على الظلم؛ والتّحرّر لا يكون باستبدال مستعمر بآخر، والسّيادة لا تقوم على إخماد صوت أصحاب الأرض.

وهنا تكمن الحقيقة العميقة: نصر الجزائر كان نصرًا حقيقيًّا، لأنّنا انتصرنا لأرضنا، انتصرنا لحقوقنا وعدالتنا. أمّا نصر الاحتلال فهو زائف، لأنّه قام على اغتصاب الأرض، وإبادة شعبها. وما قام على الظلم، يزول بسُنن الله في الكون.

وكما سقطت راية قريش في بدر، وكما دُكّت أصنامها في فتح مكّة، وكما اندحر المستعمر عن الجزائر سنة اثنتين وستّين (1962م)، فموعدنا قريب، بمشيئة الله، مع يوم تسقط فيه راية الاحتلال، وتهوي معها أسطورة الكيان الزائل، ويصدح الأقصى بالنّداء ذاته: “الله أكبر… نصرٌ من الله وفتحٌ قريب.”

إنّ هذه المناسبات التي جمعها القدر في تقارب زمنيّ، لم تجتمع عبثًا؛ بل جاءت لتذكّرنا بأنّ التاريخ لا يتحرّك خبط عشواء، بل يسير وفق سنن لا تحابي أحدًا.

فعلى صاحب الحقّ الثّبات؛ فالنصر قادم لا محالة. وللطّاغية المتجبّر الانتظار؛ وإنّ ساعة السقوط مكتوبة، بإذن الله.

أيُّها السادة والسيّدات؛

إذا كان لنا من دعوة في هذا اليوم العظيم، فهي أن نستلهم الدروس من غزوة بدر، ومن فتح مكّة، ومن نصر الجزائر؛ نستلهم يقينًا بأنّ طريق فلسطين هو طريقنا، وأنّ فجرَها قريب، كما كان فجرنا بالأمس قريبًا. وكما نحتفل اليوم في الجزائر بعيد النصر، فسنحتفل بإذن الله، بالنصر الذي يحقّقه الشعب الفلسطيني، بتأييد الله، ثمّ بفضل صبره ورباطه، واستمائته وجهاده. “وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) وَعْدَ اللَّهِ ۖ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6)” (الروم 4 – 6).

رحم الله شهداء بدر، وشهداء الفتح في كلّ عصر، وشهداء الجزائر، وشهداء فلسطين الّذين يكتبون بدمائهم قصّة نصر قادم، بحول الله. والله غالب على أمره. له الأمر من قبل ومن بعد. ولا حول ولا قوّة إلّا بالله.

المجد والخلود للشّهداء الأبرار. والحمد لله ربّ العالمين.

 

جَامعُ الجزائر مركزٌ دينيّ، عِلميّ، ثقافيّ وسياحِيّ، يقعُ على تراب بلديّة المُحمَّديَّة بولاية الجزائر، وسط خليجها البحريّ. تبلغُ مساحته 300.000 متر مربّع، يضمّ مسجِدا ضخما للصّلاة، يسع لـ 32000 مصلٍ، وتصلُ طاقة استيعابِه إلى 120 ألف مصلٍ عند احتساب صحنه وباحَاته الخارجيّة.
قاعة الصّلاةِ وصحنها الفسـيح، جاءت في النّصوص القانونيّة المُنشِأة للجامع، تحتَ تسميةِ “الفضاء المسجدِيّ”.
ويضُمّ المجمّعُ هياكلَ أخرى ومرافقَ سُمّيت بالهَيئات المدمجة، ووجدت هـذه المرافق لتُساهم في ترسـيخِ قِيم الدّين الإسلاميّ من: قرآن منزّلٍ وسنّةِ مطهّرة على صاحبها أفضل الصّلاة وأتمّ التّسليم، وكذا للحِفاظ على المرجعيّة الدّينيّة الوطنيّة، بما يخدُم مكتسبات الأمّة ويحقّق التّواصل مع الغير.
وجامع الجزائر هـو معلم حضاريّ، بِهندسته الفَريدة، التي زَاوجـت بين عراقة العِمارة الإسلاميّة بطَابعها المغَاربيّ الأندلسيّ، وآخِر ابْتكارات الهندسة والبِناء في العالم، حيث حقّق عدّةَ أرقامٍ قيَاسيةٍ عالميةٍ في البناء.
فمن حيث الأبْعادُ الهنْدسيةُ، يُعدّ الجامع بين المساجد الأكبر والأضْخَم عبر العالم، بل هو ثالث أكبرِ مسجدٍ في العالم بعد الحرَمين الشريفَين بمكة المُكرّمَة والمدينَةِ المنوّرَة، وهو أكبر مساجد أفْريقيا على الإطلاق، فمساحة قاعة صلاته تبلغ 22 ألف متر مربع، وقُطر قبته 50 مترا، وفُرِش بـ 27 ألف متر مربع من السجّاد الفاخر المصنوعِ محليّا، وتزيَّنت الحوافّ العلويّة لجدرانه بـ 6 آلاف متر من الزّخرفة بمختلف خطوط الكتابة العربيّة.