Scroll Top

عميد جامع الجزائر: كان لماليزيا دور الرّيادة في تحقيق المشاريع الحضاريّة

عميد جامع الجزائر في ندوة الوقف بدار القرآن: كان لماليزيا دور الرّيادة في تحقيق المشاريع الحضاريّة

في كلمته إلى المشاركين في المائدة المستديرة بعنوان “قضايا حول الوقف بين الجزائر وماليزيا”، الّتي نظمّت بقاعة المحاضرات الكبرى بالمدرسة الوطنيّة العليا للعلوم الإسلاميّة ” دار القرآن”، صبيحة يوم الأربعاء 20 شعبان 1446ه، الموافق 19 فبراير 2025م، رحّب السّيّد محمّد المأمون القاسميّ الحسنيّ عميد جامع الجزائر بالأشقّاء الماليزيّين، ضيوف الجزائر؛ وتوجّه بالشّكر للمشاركين في تنشيط فعاليات النّدوة، معربًا عن تقديره للجهود العلميّة المتميّزة للجامعة الإسلاميّة العالميّة في كوالالمبور. ونوّه بالنهضة الواعدة الّتي يشهدها هذا البلد المسلم.
وذكر بأنّه يتابع مسيرة ماليزيا، منذ بداية السبعينيّات من القرن الماضي؛ وكانت وقفته الأولى في موسم الحجّ، سنة 1972م، على مشروع مؤسّسة الادّخار للحجّ، الّتي بدأت بفكرة بسيطة، هي تمكين المدّخرين الماليزيّين، من أداء فريضة الحجّ. ثمّ أصبحت إحدى أكبر المؤسّسات الاستثماريّة الماليزيّة. ومع هذا المشروع المتميّز، الفريد من نوعه، كانت ماليزيا رائدة في المشاريع الحضاريّة، أنجزتها في مختلف المجالات: العلميّة والثقافيّة والاقتصادية والاجتماعيّة. كان لها قصب السبق في تنظيم مشروع الزّكاة وتنظيم الأوقاف. وكانت لها اليد الطولى في تعزيز مسيرة الصيرفة الإسلاميّة؛ وتميّزت بإصدارها كافّة التشريعات المنظّمة للمؤسّسات الماليّة الإسلاميّة. وتبنّت مشروع البنك المركزي الإسلامي ليكون البنك المنسّق للبنوك الإسلاميّة.
وأشار، السيّد العميد، في هذا الصّدد، إلى أنّ العقل عندما يتحرّر من عوامل التّعطيل، وعندما يكون الفكر السّليم والعقل الرّاشد في أجواء الحريّة، في أجواء صافية نقيّة من الشّوائب، ومن التلوّثات الفكريّة والنفسيّة. هناك تجد الرّأي السّديد والعقل المبدع، الّذي يرقى بالعلوم والمعارف، ويصنع الحضارة. وكذلك كان الأسلاف، في تاريخنا الحافل بالأمجاد، تمثّلوا قيم الإسلام، وشادوا حضارة ليس كمثلها حضارة.
وأضاف الشّيخ القاسمي قوله: ” يعيش المسلمون في واقعهم اليوم أزمة العقل المعطّل. بعض المنتسبين إلى العلم يختلّ لديهم ميزان الأولويّات. همّهم الكبير إثارة المسائل الخلافيّة. يهتمّون بالفروع، ويهملون الأصول. يعتنون بالجزئيّات، ويتركون الكلّيّات. يجترّون مسائل كلّ عام، مثل الاحتفال بالمولد النبويّ، وإخراج زكاة الفطر، ويسكتون عن هتك المحرّمات، وانتهاك الحرمات، والعدوان على المقدّسات.”
وفي سياق حديثه عن نهضة ماليزيا، ذكّر بما قاله في الذّكرى الخمسين لوفاة مالك بن نبي، رحمه الله، بأنّ: “ماليزيا كانت، مع بلاد إسلاميّة في المشرق، مثل أندونيسيا، أفادت من فكر مالك بن نبي، المفكّر الإسلاميّ الكبير. ولأنّها قرأت فكره القراءة الصّحيحة، فقد أسّست وبنت عليه. وقد تحدّث بذلك، كما قال، عدد من الباحثين الماليزيّين، في آخر ملتقى للفكر الإسلاميّ، في موضوع الاقتصاد الإسلاميّ، قبل خمسة وثلاثين (35) عامًا. وكان هذا المفكّر العظيم، كما قال السيّد العميد، قد بحث في إشكاليّات النهضة، وشخّصها بأنّها مشكلة حضاريّة بالأساس، وأنّ النّظر فيها يكون من منطلق كليّ حضاريّ. ويرى، رحمه الله، أنّنا لن نتقدّم، إذا نظرنا إلى المشكلة بطريقة تجزيئيّة. هذه المشكلة، في نظره، لها تمظهراتها، سياسيّة واقتصاديّة وتربويّة. وكلّها مرتبطة بالمشكلة الرئيسيّة، ألا وهي المشكلة الحضاريّة. وشريان الحضارة هي الثّقافة الاجتماعيّة؛ ويقصد السّلوك والوعي الاجتماعي.”
وكرّر الشّيخ القاسمي، في هذه المناسبة، الدّعوة إلى قراءة فكر مالك بن نبيّ، ليكتشف طلبة العلم مفكّرا عظيما، كان صاحب فكر متفرّد، ومنهج مستحدث، لم يسبقه إليه أحد. لقد أحدث طفرة في الدّراسات الاجتماعيّة، بأصالة فكره؛ ووصف بحقّ بأنّه فيلسوف الحضارة، ووريث التراث الخلدونيّ.
وفي ختام النّدوة، أشرف السيّد العميد على تكريم الباحثين، الماليزيّين والجزائريّين، الّذين أسهموا في تنشيط فعاليات النّدوة.
وقد شهدت المائدة المستديرة مشاركة نخبة من الخبراء والأكاديميّين من البلدين، قدّموا رؤى قيّمة حول قضايا الوقف، وسلّطوا الضّوء على القضايا والتحدّيات التي تواجه هذا القطاع، كما تم استعراض منصة الوقف الجزائرية، ودور الوقف في رعاية الأرامل والأيتام، إلى جانب دور البنوك الإسلاميّة في ماليزيا في إنشاء وتطوير المشاريع الوقفية، وقد أسهمت المداخلات والتعقيبات في إثراء النقاش وتبادل الخبرات بين المشاركين.
جَامعُ الجزائر مركزٌ دينيّ، عِلميّ، ثقافيّ وسياحِيّ، يقعُ على تراب بلديّة المُحمَّديَّة بولاية الجزائر، وسط خليجها البحريّ. تبلغُ مساحته 300.000 متر مربّع، يضمّ مسجِدا ضخما للصّلاة، يسع لـ 32000 مصلٍ، وتصلُ طاقة استيعابِه إلى 120 ألف مصلٍ عند احتساب صحنه وباحَاته الخارجيّة.
قاعة الصّلاةِ وصحنها الفسـيح، جاءت في النّصوص القانونيّة المُنشِأة للجامع، تحتَ تسميةِ “الفضاء المسجدِيّ”.
ويضُمّ المجمّعُ هياكلَ أخرى ومرافقَ سُمّيت بالهَيئات المدمجة، ووجدت هـذه المرافق لتُساهم في ترسـيخِ قِيم الدّين الإسلاميّ من: قرآن منزّلٍ وسنّةِ مطهّرة على صاحبها أفضل الصّلاة وأتمّ التّسليم، وكذا للحِفاظ على المرجعيّة الدّينيّة الوطنيّة، بما يخدُم مكتسبات الأمّة ويحقّق التّواصل مع الغير.
وجامع الجزائر هـو معلم حضاريّ، بِهندسته الفَريدة، التي زَاوجـت بين عراقة العِمارة الإسلاميّة بطَابعها المغَاربيّ الأندلسيّ، وآخِر ابْتكارات الهندسة والبِناء في العالم، حيث حقّق عدّةَ أرقامٍ قيَاسيةٍ عالميةٍ في البناء.
فمن حيث الأبْعادُ الهنْدسيةُ، يُعدّ الجامع بين المساجد الأكبر والأضْخَم عبر العالم، بل هو ثالث أكبرِ مسجدٍ في العالم بعد الحرَمين الشريفَين بمكة المُكرّمَة والمدينَةِ المنوّرَة، وهو أكبر مساجد أفْريقيا على الإطلاق، فمساحة قاعة صلاته تبلغ 22 ألف متر مربع، وقُطر قبته 50 مترا، وفُرِش بـ 27 ألف متر مربع من السجّاد الفاخر المصنوعِ محليّا، وتزيَّنت الحوافّ العلويّة لجدرانه بـ 6 آلاف متر من الزّخرفة بمختلف خطوط الكتابة العربيّة.