الخطبة الأولى
إنَّ الْحَمْدَ لِلّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِىَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، القائل سبحانَهُ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [الحج: 77]، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، المبعوث بالبيانِ، القائل صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ»، وصَلَّى اللّهُ عليه وعلى آلِهِ وأصحابِهِ أجمعين إلى يومِ الدِّينِ، أمّا بَعْدُ:
أيّها الإخوة المؤمنون: أَحْيَا العَالَمُ في بَحْرِ الأسْبوعِ المُنْصَرِمِ، اليومَ العالمِيَّ لِذَوِي الاحتياجَاتِ الخَاصَّةِ، عِرْفَانًا بحقوقِهِمْ، وإِقْرَارًا لما ينبغي لهم من اهتمَامٍ ورِعَايَةٍ، وقد دَعَا الإسلَامُ إلى رعايَةِ الضُّعَفَاءِ ورحمتِهِمْ وإعانتِهِمْ على ما ابْتلَاهُمْ اللّهُ به، والتَّخْفِيفِ عنهم، فقال سبحانَهُ وتعالى: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ) [النور: 61].
أيّها الإخوة: إنّ من سُنَنِ اللّهِ تعالى في خَلْقِهِ الابتلَاءَ، فقد أَخبَرَنَا البَاري سبحانَهُ أنَّ الحَيَاةَ مَجَالٌ واسِعٌ للاختبَارِ والامتحَانِ، فَيَبْتَلِي عبادَهُ بالسَّرَّاءِ والضَّرَّاءِ، والخَيْرِ والشَّرِّ، والعَطَاءِ والمَنْعِ، قال سبحانَهُ وتعالى: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) [الملك: 2].
وقال أيضًا: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ) [الأنبياء: 35].
وأخبرَنَا سبحانَهُ أَنَّ كُلَّ حَيٍّ لَا بُدَّ مُبْتَلىً بنَوْعِ من أنْوَاعِ الابتلَاءِ، حتى يُمَحِّصَ صِدْقَ إيمانِنَا به سبحانَهُ وصَبْرَنَا على أَقْدَارِهِ، قال تعالى: (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ) [آل عمران: 186].
وقال أيضًا: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ) [العنكبوت: 2].
ومن هذا البَلَاءِ أن يُبْتَلَى الإنْسَانُ بعَاهَةٍ في بَدَنِهِ تَعُوقُ حَرَكَتَهُ، أو تجْعَلُ حياتَهُ صعبَةً وممارَسَةَ أعمَالِهِ شاقَّةً أو مستحيلَةَ، فيكونُ بذلك من ذَوِي الاحتياجَاتِ الخَاصَّةِ.
وقد وَعَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من صَبَرَ على شَيْءٍ ممَّا ابتلَاهُ اللّه بهُ، وقَابَلَهُ بالرِّضَا والتَّسْلِيمِ بالأَجْرِ الجَزِيلِ؛ والأحَاديثُ في تَكْفيرِ ذُّنُوبِ المُؤْمِنِ بالصَّبْرِ على البَلَاءِ والمَصَائِبِ كثيرَةٌ جِدًّا، منها رواه البخَارِيُّ ومسلِمٌ عن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وأبي هريرَةَ عن النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ».
وقال أيضًا عليه الصّلاةُ والسّلامُ فيما رواه التِّرْمِذِيُّ وأحمدُ: «مَا يَزَالُ البَلَاءُ بِالمُؤْمِنِ وَالمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ».
وفي الصّحيحِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ قَالَ: إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بِحَبِيبَتَيْهِ فَصَبَرَ، عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الجَنَّةَ؛ يُرِيدُ عَيْنَيْهِ».
فَمَنْ رَضِيَ أيهَا الصّابرون بقضَاءِ اللّهِ تعالى، فَجَزَاؤُهُ رِضَى اللّهِ عنه في الدّنيا والآخرَةِ، قال تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) [البقرة: 155 ــ 156]، فَأَبْشِرْ أخي المُبْتَلَى بالأجْرِ الجَزِيلِ لِقَاءَ الصَّبْرِ والتَّسْلِيمِ، ثمّ هذا سيّدُنَا أيُّوبُ عليه السّلامُ مَضْرِبُ المَثَلِ في الصَّبْرِ والاحْتِسَابِ، وقد ابتلَاهُ اللّهُ في بَدَنِهِ دَهْرًا طَوِيلًا، فما كان منه غَيْرُ الصَّبْرِ الجَمِيلِ، قال تعالى في وَصْفِ صَبْرِهِ وجَلَدِهِ: (إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) [ص: 44].
إخوة الإيمان: إنَّ الإعَاقَةَ البَدَنِيَّةَ لم تَكُنْ ــ وليست أَبَدًا ــ سَبَبًا للإعَاقةِ في الحَيَاةِ، أو مَانِعًا من الإبْدَاعِ والابْتِكَارِ، فَكَمْ من مُعَاقٍ وَذِي عَاهَةٍ حفظَ القرآنَ الكريمَ وبَرَعَ في علومِهِ، وَكَمْ من مُعَاقٍ أَتْقَنَ مَهَارَاتٍ وأَنْجَزَ أَعمَالًا عَجَزَ عنها الأَقْوِيَاءُ الأَسْوِيَاءُ! وَكَمْ من مُعَاقٍ حَقَّقَ نَجَاحَاتٍ بَاهرِةً، وقَدَّمَ لَلبَشَريَّةِ إنجَازَاتٍ لم يَسْتَطِعْهَا الأَصِحَاءُ، فقد اسْتَخْلَفَ رسولُ اللّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْنَ أمِّ مَكْتُومٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مرّتين على المدينَةِ وكان ضَرِيرًا، وجعلَهُ النَّبِيُّ عليه الصّلاةُ والسّلامُ مؤذِّنًا مع بلالٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ونَزَلَ في حَقِّهِ قرآنًا يُتْلَى إلى يومِ القيامَةِ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى) [عبس: 1ــ 4]، وهذا سيِّدُنَا عمرُو بنُ الجَمُوح رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وكان أَعْرَجَ من ذَوِي الأعْذَارِ، غيرَ أنّه تَحَدَّى إعَاقَتَهُ وعَزَمَ أن يُجَاهِدَ مع رسولِ اللّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والجِهَادُ مع رسولِ اللّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الأعمَالِ العظيمَةِ في الإسلَامِ، فَجَاهَدَ حتى استشهدَ، ففي صحيحِ ابنِ حِبَّانَ عن جَابِرٍ بن عبدِ اللّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال: «جَاءَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ قُتِلَ الْيَوْمَ دَخَلَ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا أَرْجِعُ إِلَى أَهْلِي حَتَّى أَدْخُلَ الْجَنَّةَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: يَا عَمْرُو، لَا تَألَّ عَلَى اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَهْلًا يَا عُمَرُ، فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ: مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ، يَخُوضُ فِي الْجَنَّةِ بِعَرْجَتِهِ».
وفي التّابعين عَطَاءُ بْنُ أبي رَبَاحٍ، كان أَشَلَّ أَعْرَجَ، وهو إِمَامُ أَهْلِ مَكَّةَ في زَمَانِهِ، ومحمَّدُ بْنُ سيرينَ الفقِيهُ المحَدِّثُ، كان به صَمَمٌ، ومن بعدِهِمْ كَثِيرٌ، كالإمَامِ التَّرْمِذِيِّ، الإمَامُ المُحَدِّثُ الكَبِيرُ صاحِبُ السُّنَنِ، كَانَ ضَرِيرًا، وكأبي العَلَاءِ المَعَرِّي، الشَّاعِرُ الفَحْلُ الفَيْلَسُوفُ الأَدِيبُ، صَاحِبُ المصَنَّفَاتِ كان ضَرِيرًا، والقائِمَةُ طويلَةٌ جدًّا لا يتَّسِعُ المقَامُ لحصْرِهَا لكثرَتِهِمْ، فالإِعَاقَةُ الحَقِيقِيَّةُ لمنْ فَقَدَ التَّفْكِيرَ السَّلِيمَ وحرِمَ نورَ البَصِيرَةِ، كما قال تعالى: (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) [الحج: 46]، وقال أيضًا: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ) [الأنفال: 22].
أيّها الإخوةُ الكرامُ: إنّ من رحمَةِ الشّريعَةِ وسَمَاحَتِهَا أنَّهَا رَفَعَتْ الحَرَجَ والمَشَقَّةَ عن ذَوِي الاحتياجَاتِ الخَاصَّةِ، ورَفَقَت بهم، ففي فِقْهِنَا الإسلَامِيِّ ثَرْوَةٌ هَائِلَةٌ من المَسَائِلِ في التَّخْفِيفِ وَرَفْعِ الحَرَجِ عن هذه الفِئَةِ الضَّعيفَةِ في المجتمَعِ، مستنبطَةٌ من قَوَاعِدَ فقهِيَّةٍ عظيمَةٍ منها: «المَشَقَّة تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ»، و «مَا ضَاقَ عَلَى النَّاسِ أَمْرٌ إِلَّا اتَّسَعَ»، وَ «الضَّرَرُ يُزَالُ».
وتطبيقاتُهَا كثيرَةٌ ابتدَاءً من الوُضُوءِ والغُسْلِ، إلى أحكَامِ الصَّلَاةِ وما فيها من رُخَصٍ لغَيْرِ القَادرِينَ على بعضِ هَيْآتِهَا، إلى الصِّيَامِ ورُخَصِهِ للضُّعَفَاءِ والمَرْضَى، إلى الحَجِّ الذي تُشْتَرَطُ فيه الاستطَاعَةُ البَدَنَيَّةُ ويَسْقُطُ التَّكْلِيفُ بِعَدَمِهَا، إلى سَائِرِ التَّكَالِيفِ البدنِيَّةِ كالجِهَادِ والهجرَةِ التي رَفَعَتْ الشّريعَةُ فيها الحَرَجَ عنْ غَيْرِ القَادِرِينَ رَأْفَةً بهم مع ثبوتِ الأَجْرِ بالنِّيَّةِ والقَصْدِ القَلْبِيِّ، كما قال تعالى: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ) [النساء: 95]، فَاسْتَثْنَى البَارِي سبحانَهُ أصْحَابَ الأعْذَارِ من المُقَارَنَةِ بالمجاهِدِينَ، وهذا يَقْتَضِي كما قال أهْلُ التَّفْسِيرِ أنّ صَاحِبَ العُذْرِ يُعْطَى أَجْرَ الغَازِي.
وفي صحيحِ مُسْلِمٍ عن جَابِرِ بنِ عبدِ اللّهِ الأنصارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزَاةٍ، فَقَالَ: إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا، وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا، إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ، حَبَسَهُمُ الْمَرَضُ».
وفي رواية: «إِلَّا شَرَكُوكُمْ فِي الْأَجْرِ».
وبالمُقُابِلِ ــ أيّها الأفاضِلُ ــ حَرَّمَتْ الشّريعَةُ السُّخْرِيَّةَ والتَّنَمُّرَ وازدرَاءَ النّاسِ عمومًا، ومن بابِ أولى ذَوِي الإعاقَاتِ، فقال سبحانَهُ وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [الحجرات: 11].
وفي الحديثِ عند مُسْلِمٍ عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا ــ وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ــ، حَسْبُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ».
وقد وَرَدَ الوَعِيدُ بِتَضْلِيلِ الأعْمَى عَنِ الطَّرِيقِ بِاللَّعْنِ والعِيَاذُ باللّهِ، ففي مُسْنَدِ الإمَامِ أَحْمَدَ بإسنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَلْعُونٌ مَنْ كَمَهَ أَعْمَى عَنْ طَرِيقٍ»، أَي أضلّهُ عَنهُ ولم يرشده الى الطريق الذي يقصده.
أيّها السّادةُ الأعزّاءُ: ممّا سَبَقَ نسْتخلِصُ أنَّ من حقُوقِ ذَوِي الاحتياجَاتِ الخَاصَّةِ:
ــ احترَامُ كرامتِهِمْ الإنسانيَّةِ بغَضِّ النَّظَرِ عن إعاقتِهِمْ، لقولِهِ تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) [الإسراء: 70]، فَلَزِمَ أنَّ لهم نفسَ الحُقُوقِ الإنسانيَّةِ التي لسائِرِ النَّاسِ، كالحَقِّ في الحَيَاةِ والتَّعليمِ والحُقُوقِ المَدَنيَّةِ الأساسيَّةِ.
ــ ومن حُقُوقِهِمْ بعد ذلك، أن تُخَفَّفَ عنهم الأعمَالُ الشَّاقَّةُ، وأن يُكَلَّفُوا من الأعمَالِ ما لهم طاقة عليه، وأن يُعْطَوْا من الوَظَائِفِ ما يُرَاعِي إعَاقَتَهُمْ، فإذا كانت الشّريعَةُ قد أسقطَتْ عنهُمْ بعضَ الواجبَاتِ الشّرعيَّةِ والأركَانِ، فمن بَاب أَوْلَى أن تُخَفَّفَ عنهم أعبَاءُ الحَيَاةِ والأعمَالُ التي تَشُقُّ عليهم، إضافَةً إلى حَقِّهِمْ في الرّعَايَةِ الصّحيَّةِ الخَاصَّةِ التي تَتَعَلَّقُ بإعاقتِهِمْ، والتي تَتَطَلَّبُ متَابَعَةً أو تَحْتَاجُ إلى نَوعِ تَأْهيلٍ.
ــ ومن حُقُوقِهِمْ توفيرُ وسائِلِ التَّعَلُّمِ الخَاصَّة بهم، كُلٌّ حَسَبَ إعَاقَتِهِ، التي تُسَهِّلُ تحصيلَهُمْ وتعليمَهُمْ.
ــ ومن حُقُوقِهِمْ على المجتمَعِ، أن تُجْعَلَ لهم مِنَحٌ بقَدْرِ درجَةِ العَجْزِ، لتكونَ تَعْوِيضًا على عَدَمِ أهليتِهِمْ لبعضِ الوَظَائِفِ والمِهَنِ.
ــ ومن حُقُوقِهِمْ تخصيصُ أماكِنَ خاصَّةٍ في مداخل العماراتِ والمؤسّسَاتِ واحترامُهَا، وتقديمُهُمْ في الطّوابيرِ والزّحامِ.
ومن أَعْظَمِ حقوقِهِم الرِّفق بهم، ورحمَة إعَاقَتِهِم، والدّعَاء لهم، فعند البخَارِيِّ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: رَأَى سَعْدٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ لَهُ فَضْلًا عَلَى مَنْ دُونَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ؟».
وعند أبي داودَ والتّرمِذِيِّ وغيرِهِمَا عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «ابْغُونِي الضُّعَفَاءَ، فَإِنَّمَا تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ»، أي برعايتهم والرفق بهم.
جعلنَا اللّهُ مِمَّنْ يَرْحَمُ بهم عبادَهُ، وَرَزَقَنَا الحِلْمَ وسعَةَ الصَّدْرِ.
أقول قولي هذا وأستغفِرُ اللّهَ العظيمَ لي ولكم، فاستغفرُوهُ تجدُوهُ غَفُورًا رَحِيمًا.
الخطبة الثانية
الحمدُ للّهِ رَبِّ العالمين، والعَاقِبَةُ الحُسنَى للمتّقين، ولا عُدوَانَ إلّا على الظّالمين، وأشهَدُ أن لا إله إلّا اللّهُ وحدَهُ لا شريك له، وأشهَدُ أنّ سيِّدَنَا محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ، اللّهمّ صَلِّ وسَلِّمْ وباركْ على هذا النّبِيِّ الأمِينِ، وعلى آله وأصحابِهِ إلى يومِ الدِّينِ، أمّا بعد:
أيّها الإخوَةُ الأحبابُ: قد مَرَّتْ بنا في الأسبُوعِ المَاضِي ذِكْرَى تعُودُ بنا إلى شهرِ نوفمبر 1852، حيث قَامَ الاستعمَارُ الفرنسِيُّ الغَاشِمُ بمجزرَةٍ رهيبَةٍ وإبادَةٍ جماعِيَّةٍ مُرْعِبَةٍ في مدينةِ الأغواطِ، مستخدمَةً سياسَةَ الأرضِ المحروقَةِ، سَتَبقَى أحداثُهَا وصمَةَ عَار في جبينِ المستدمِرِ، وسِجِلًّا أسوَدَ في تاريخِهِ المَشِينِ، حيث أقَدَمَ الاستعمَارُ الفرنسِيُّ على قَتْلِ المدنيين العُزَّلِ بوحشيَّةٍ وهمجيَّةٍ فاقت كُلَّ التّصوّرَاتِ، لم يَسْلَمْ فيها الأطفَالُ الرُّضَّعُ ولا الشّيوخُ والنّسَاءُ العُزَّلُ، جاءت كردِّ فِعْلٍ على المقاومَةِ التي كان يقودُهَا الرِّجَالُ الأبطَالُ المدافعون عن دينِهِمْ ووطنِهِمْ.
إنّ قُوَّاتَ الاستعمَارِ قَامَتْ في نهايَةِ شهرِ نوفمبر 1852 وإلى غَايَةِ الأسبوعِ الأَوَّلِ من ديسمبر، بقَصْفِ منطقَةِ الأغواطِ بقَذَائِفَ معبَّئَةٍ بمَادَّةٍ كيميَائيَّةٍ سَامَّةٍ تتَسبَّبُ في التهابَاتٍ حادَّةٍ في أنسجَةِ الرّئَةِ، وتُحْدِثُ اختناقا شديدًا يُؤَدِّي إلى المَوْتِ، ونَالَ شَرَفَ الشَّهَادَةِ ثُلُثَا السُّكَّانِ، أي أَلفَانِ وخمسمَائة شهيد من أصلِ ثلاثةِ آلاف وخمسمائة ساكِن.
إنّهم كما قال المَوْلَى عَزَّ وجَلَّ: (لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ) [التوبة: 10]، إنّهم بفعلِهِم الشّنيعِ المُخزِي قد أثبتوا للعالمِ أنّهم وُحُوشٌ في صُورةِ البشرِ، متعطِّشُون للدِّمَاءِ، لا تأخذهُم في الضّعفَاءِ رأفةٌ، ولا ينظرون إلى الأطفَال والعجائز بعين الرّحمة، وليس في قلوبهم للإنسانيّة أيّة معنى.
إنّ ذاكرتَنَا تحتفِظُ بهذه البشاعَةِ الاستعماريَّةِ، ولن تنسى تلك الأعمَالَ الوحشِيَّةَ الشّنيعَةَ، والجرائِمَ المنكرَةَ، وستبقى أجيالُنَا على مَرِّ الأزمَانِ تفتخِرُ ببطولَاتِ شهدائِنَا الأبرَارِ وتضحياتِهِمْ، وتعتزُّ بمجاهدِينَا الأبطالِ الأحرارِ، الذين شَرَّفَهُمْ اللّهُ بقولِهِ في كتابِهِ: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) [آل عمران: 169 ــ 171].
كما سَتَبقَى أَجيَالُ الاستعمَارِ منكّسَةَ الرَّأسِ، لمَا تحمله من سجلَّاتٍ شاهدَةٍ على الظّلمِ والبغيِ والوحشيَّةِ وذَبْحِ الأبرياءِ، وملطّخَة بدماءِ الأطفالِ والنّساءِ والضّعفاءِ.
اللَّهُمَّ يَا نَاصِرَ المُسْتَضْعَفِينَ انْصُرْنَا، وَخُذْ بِنَوَاصِينَا إِلَى الحَقِّ.
اللَّهُمَّ يَا فَارِجَ الكُرُبَاتِ، ويَا مُجِيبَ الدَّعَوَاتِ، أَصْلِحْ أحْوَالَنَا، ورُدَّنَا إليكَ رَدًّا جميلًا.
اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِيننا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحِ اللَّهُمَّ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحِ اللَّهُمَّ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي فِيهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ اللَّهُمَّ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الموْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ.
اللَّهُمَّ انْصُرْ إِخْوَانَنَا المُسْتَضْعَفِينَ في غَزَّةَ، اللَّهُمَّ انْصُرْ إِخْوَانَنَا المُسْتَضْعَفِينَ المظلومِينَ في غَزَّةَ وفلسطِينَ، اللَّهُمَّ أيِّدْهُمْ بِنَصْرِكَ المُبِينِ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ بَلَدَنَا هَذَا آمِنًا مُطْمَئِنًّا سَخَاءً رَخَاءً وَسَائِرَ بِلَادِ المُسْلِمِينَ، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وارفَعِ اللَّهُمَ مَقْتَكَ وَغَضَبَكَ عَنَّا، وَلَا تُسَلِّطْ اللَّهُمَّ عَلَيْنَا بِذُنُوبِنَا مَنْ لَا يَخَافُكَ فِينَا ولَا يَرْحَمُنَا.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ آخِرَ كَلَامِنَا فِي الدُّنْيَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللّهِ، ثُمَّ احْشُرْنَا يومَ القِيَامَةِ فِي زُمْرَةِ خَيْرِ الأَنَامِ، مَعَ الذينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ، وَالشُّهَدَاءِ، وَالصَّالِحِينَ، وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا، آمِينَ، آمِينَ، آمِينَ.
عبادَ اللّهِ: إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
للتصفح والتحميل:


