الخطبة الأولى
الحَمْدُ للَّهِ الذي شرَّفَ المسجِدَ الأقْصَى، وجَعَلَه مُنْطَلَقًا للعُروجِ إلى سِدْرَةِ المُنْتَهَى، وَأَشْهَدُ أَن لَا إِلهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الصِّفَاتُ العُلَى، والأسمَاءُ الحُسْنَى، عزَّتْ ذَاتُه، وتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ، فَأَعَزَّ الإسلَامَ وأهْلَهُ، وأذَلَّ الكُفْرَ وعَبَدَةَ العُزَّى؛ ومَنَاة الثَّالثَةَ الأُخْرَى، وأشهَدُ أنَّ محَمَّدًا عبدُهُ ورَسُولُهُ، المبعُوثُ رحمَةً للعالَمِينَ، ونورًا وهِدايَةً للنَّاسِ أجْمَعِينَ، صَلِّ اللَّهُمَّ وسَلِّمْ وبَارِكْ عَلَيْهِ، وعَلَى آله وصَحْبِهِ ومن اقتفى أثَرَهُ إلى يومِ يقُومُ الناسُ لربِّ العَالِمِين، أَلَا واتَّقُوا اللّهَ عزَّ وجَلَّ وراقبُوهُ، واسْتَمْسِكُوا بشرعِهِ وانصُرُوهُ، واعتَصِمُوا بحَبْلِهِ المَتِينِ، قال تعالى: (أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [الحشر: 18]، ألَا وإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ الله تعالى، وخَيرَ الهُدَى هُدَى سيِّدِنَا محمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وشَرَّ الأمورِ مُحْدثَاتُهَا، وكُلَّ بدعَةٍ ضَلَالَةٌ، ثُمَّ أَمَّا بَعْدُ:
فإنَّ هذه الأَيَّامَ التي تَمُرُّ بها أمَّةُ الإسلَامِ حَرجَةٌ عصيبَةٌ، بَلَغَتْ فيها القُلُوبُ الحَنَاجِرَ، أَرَادَ اللّهُ منهَا تَمْحِيصَ الصُّفوفِ، وتطهِيرَ النُّفُوسِ، ونَبْذَ النَّعَرَات، والتَّرَفُّعَ عنِ الخِلَافَاتِ والعَصَبِيَّاتِ، وإعْلَاءَ رَايَةِ الحَقِّ خَفَّاقَةً في عليَاءِ الشَّرَفِ والعَظَمَةِ والكبريَاءِ، قَالَ تَعَالَى: (الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) [العنكبوت: 1 ــ 3].
أُمَّةَ الإسلَامِ: إنَّ المُتَأَمِّلَ في أحوَالِ المسلمينَ اليومَ يَقِفُ علَى وَاقِعٍ مرِيرٍ يُدْمِي القلبَ، ويُدْمِعُ العَيْنَ، ويَشْفِي غَيْظَ العَدُوِّ المُتَرَبِّصِ بالأُمَّةِ سُوءًا وشَرًّا.
قَلِّبْ ــ أيّها المسلمُ ــ نَاظِرَيْكَ في بلَادِ اللهِ الوَاسعَةِ من شرقِهَا إلَى غَرْبِهَا، ومن قَاصيهَا إلى دَانيهَا: تَجِدْ بلَادَ الإسلَامِ تَئنُّ تحتَ وَطأَةِ الجَهلِ والفَقرِ والتَّخَلُّفِ، وما زاد الطِّينَ بِلَّةً تَفَرُّقُ الكَلِمةِ، وسُحْقُ الهُوَّةِ بين أبنَاءِ الملَّةِ الوَاحدَةِ، فَتَصَدَّعَ صَرحُ الأمَّةِ، وكثُرَتِ المِحنُ والفِتنُ والبلايَا، وتكَالَبَتِ الأُمَمُ علَى هَذَا الجسدِ المرِيضِ المنهَكِ المتآكِلِ، فصِرْنَا لقمةً سائِغةً عَلَى مأدُبَةِ اللِّئامِ، تجتمِعُ علينا كمَا تَجْتَمِعُ الذِّئَابُ على فريسَتِهَا، وما يَحْدُثُ في أُوْلَى القبلتين من تَقْتِيلٍ وتهجِيرٍ، ومَا المَوْقِفُ المُخْزِي لبعضِ العُرْبَانِ، إلّا خَيْرُ شاهدٍ على ما تُعَانيهِ أمَّتُنَا من ويلاتٍ، وويلٌ لنا من قوله عليه الصَّلَاةُ والسَّلَامُ كَمَا في الصَّحِيحَيْنِ: «وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ».
أيّها المؤمنون الصّادقون: إنَّ الحَربَ الإجراميَّةَ التي سلَّطَهَا اليهودُ المغتصِبُونَ على أرضِ فلسطينَ الأبيَّةِ، وخصوصًا غَزَّةَ المجاهِدَةَ المقاوِمَةَ، لَهِيَ تَعَدٍّ سَافِرٌ ومفضوحٌ على الأَرَاضِي المقدَّسَةِ، بل علَى كُلِّ أمَّةِ الإسلَامِ.
إنَّ ما يدُورُ في أَرْضِ فلسطينَ العِزَّةِ اليومَ، لهو الصِّرَاعُ المستَمِرُّ بين الحَقِّ والبَاطِلِ: بَيْنَ عُصْبَةٍ مُجْرِمَةٍ مُغْتَصِبَةٍ للحقوقِ؛ مُنْتَهكَةٍ للحُرُمَاتِ، وشَعْبٍ يَنْشُدُ الحَقَّ والعَدْلَ والحُرِّيَّةَ، وإِقَامَةَ مَوَازِينِ القِسْطِ في حَيَاةٍ كَرِيمَةٍ.
لَكِ اللَّهُ يَا قُدْسُ، وَنَصْرٌ مِنَ اللَّهِ قَرِيبٌ
أهلَ الحَقِّ والعدلِ: إنَّ ما تقومُ به الأَيَادِي الآثمَةُ في بيتِ المقدسِ وأكنَافِ بيتِ المقدِسِ لهو الإفسَادُ العَريضُ بعَيْنِه، الذي وُصِفُوا به من قِبَلِ فَاطِرِهم جَلَّ وَعَلَا في سورَةِ الإسرَاءِ التي سُمِّيَتْ باسمِهِمْ ــ سورَةُ بَنِي إسرَائِيلَ ــ: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا) [الإسراء: 4].
فالإفسَادُ في الأرضِ؛ ونَقضُ العهودِ والمَوَاثِيقِ؛ وسَفْكُ الدِّمَاءِ، وإبَادَةُ الأبريَاءِ، هو دَيْدَنُهُمْ منْذُ فجْرِ التَّارِيخِ.
أَلَمْ يَنْقُضُوا العهودَ والمَوَاثيقَ مع رسولِ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ــ الذي حَفِظَ لهم حقوقَهُمْ كَرَعَايَا الدَّوْلَةِ الإسلاميَّةِ بالمدينَةِ المنوَّرَةِ ــ، قبلَ أنْ يَجِفَّ مِدَادُهَا؟ ألم يَخُونُوا المُسْلِمينَ في بلَادِ الأنْدَلُسِ، وظَاهَرُوا الصَّليبيينَ عليهم، وسَامُوهُمْ سُوءَ العَذَابِ؟ وسَلُوا أَزِقَّةَ إشبيليَّةَ، وسَرَقُسْطَةَ، وغِرْنَاطَةَ، وسَبْتَةَ؟ وخيَانتُهُمْ في جزائِرِنَا الحبيبَةِ أثْنَاءَ فَتْرَةِ الاستعمَارِ الغَاشِمِ لا تَزَالُ صَفْحَةً سَوْدَاءَ في تَارِيخِ الجزائِرِ الحَدِيثِ: لقدِ اسْتَأْمَنَ يَهودُ الجَزَائرِ مُسْلِمِيهَا على أَموَالِهِمْ وممتلَكَاتِهِمْ إبَّانَ الحكومَةِ المُوَاليَةِ للنَّازيَّةِ، وحَفِظَتْ لهم وَدَائعَهُمْ وأَدَّتْهَا إلَيهِمْ كامِلَةً غيرَ منقوصَةٍ، وبمجرَّدِ سقُوطِ الحُكُومَةِ، نَكَّلُوا بالجزائريين شَرَّ تَنْكِيلٍ، وبَاعُوا ذِمَمَهُمْ وعَهْدَهُمْ لدوْلَةِ المستعْمِرِ الغَاشِمِ، وتَنَكَّرُوا للجزائِرِ، وطَعَنُوا الشَّعْبَ الجزائِرِيَّ في مَقْتَلٍ، وعَضُّوا الأَيَادِيَ البيضَاءَ التي مُدَّتْ إليهم، وصَدَقَ اللّهُ إذ يَصِفُهُمْ بقولِهِ: (لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ) [التوبة: 10].
عبادَ اللّهِ: إنَّ ما تنتَهِجُهُ آلةُ الإجرَامِ الصُّهيونيَّةُ في قِبْلَة الأنبياء والمرسلينَ، هوَ بحقٍّ امتدادٌ لما فَعَلَهُ الأوروبِيُّونَ في أمريكَا حينَمَا أبادُوا سُكَّانَهَا الأصْلِيِّين-الهُنُودَ الحُمرَ-ظنًّا منهُمْ أنَّهُم سَيَرِثُون الأرضَ، ويخلفُونَ أهْلَهَا.
ولقد كذَّبَ الواقعُ هذهِ الأكذوبةَ المزعُومَةَ، واقرؤوا التاريخَ ينبئْكُم عمَّا أرادَ الصَّليبيونَ فِعْلَه في بلادنا الطَّاهرَة.
ألمْ يستوطِنُوا أرضَنَا قرنًا وثُلُثَ القرنِ؟، زعمًا منهم أنَّهُم قد أبادُوا شَعْبنا، وطَمَسوا حضارَتنا، وسلخُونا عن مَبَادئنا، وظنُّوا أنَّهُم خَالِدونَ في أرضنا، فشيَّدُوا وبَنَوْا وعَمَّرُوا، كما وَصَفَ اللهُ قَوْمَ عادٍ بقوله: (أَتَبْنُونَ بكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُون، وتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُم تَخْلُدُونَ، وإذا بَطَشْتُم بَطَشْتُم جَبَّارِينَ) [الشعراء: 128-130]، ولمَّا رَامُوا الاحتفَالَ بمئويَّةِ استيطَانِهم القَذِرِ، فَاجَأَهُم الجزائريُّونَ بحَضَارَةٍ ضَاربَةٍ بجُذُورهَا في أعمَاقِ التَّاريخ.
فَيُؤَسِّسُ العَلَّامَةُ الأستَاذُ عبدُ الحميدِ بنُ باديسَ قدَّسَ اللّهُ سِرَّهُ جمعيَّةَ العلمَاءِ المسلمينَ الجزائرِيِّينَ، شَاهِدَةً على تَمَسُّكِ الجزائِرِ بِعُرُوبَتِهَا وإِسلَامِهَا وتَارِيخِهَا، فَرَدَّدَ أَشبَالُ الجزائِرِ في تِلْكَ الأَيَّامِ العصيبَةِ نَشِيدًا لا يَزَالُ صَدَاهُ يدَوِّي في الأَعْمَاقِ، ويَصِلُ مَدَاهُ إلى الآفَاقِ:
شَعْبُ الْجَزَائِرِ مُسْلِـــــمٌ … وَإِلَى الْعُرُوبَةِ يَنْتَسِـــــــبْ
مَنْ قَالَ حَادَ عَنْ أَصْلِهِ … أَوْ قَالَ مَاتَ فَقَدْ كَذَبْ
أَوْ رَامَ إِدْمَاجًا لَـــــــــــــــــهُ … رَامَ الْمُحَالَ مِنَ الطَّلَبْ
يَا نَشْءُ أَنتَ رَجَــــــاؤُنَا … وَبِكَ الصَّبَاحُ قَدِ اقْتَرَبْ
شَعْبَ فلسطينَ الأَبِيَّ: خُذِ العِبْرَةَ والعِظَةَ من إخوانِكَ الجزائريين: تَمَسَّكْ بِدِينِكَ، واعتصِمْ بقرآنِكَ، ولَمْلِمْ جِرَاحَكَ، وَوَحِّدْ صفُوفَكَ، وَتَشَبَّثْ بثَقَافَتِكَ ومَبَادئِكَ، واجْمَعْ جُهُودَكَ إلى جُهُودِ المخْلِصين من أمَّتِكَ عَرْبًا ومُسْلمين؛ وأَحْرَارِ العَالَمِ، وانْطَلِقْ قُدُمًا نحو السُّؤْدَدِ والعَلْيَاءِ، ولا تَلْتَفِتْ إلى أَصْوَاتِ التَّيْئِيسِ والتَّخْذِيلِ النَّكْرَاء، فَقَدْ وَعَدَكُمْ اللّهُ تَعَالَى بالنَّصْرِ المؤَزَّرِ، فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) [محمد: 7].
لَكِ اللَّهُ يَا قُدْسُ، وَنَصْرٌ مِنَ اللَّهِ قَرِيبٌ
يا غَزَّةُ الأبيَّةُ، ويا بيتَ المقدِسِ الشَّامِخ: إنَّ لِمَا تقدِّمُونَهُ من دمَاءٍ زَاكِيَّةٍ، وأروَاحٍ طَاهرَةٍ، سَلَفًا عندَ إخوانِكُمْ في جَزَائِرِ العِزَّةِ والكَرَامَةِ والجِهَادِ والشَّهَادَةِ، لَقَدْ قَدَّمَ شعْبُنَا أكثَرَ من مليونٍ ونصفِ المليونِ من الشُّهَدَاءِ الأَبْرَارِ، من أَجْلِ دَحْرِ أَعْتَى قُوَّةٍ اسْتِعْمَاريَّةٍ، فلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا، واذكُرُوا قولَهُ تَعَالَى: (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) [آل عمران: 139 ــ 140].
إنَّهَا رسالَةُ الصُّمُودِ والعِزَّةِ، يَزُفُّهَا إليكُمْ شهدَاءُ الجَزَائرِ، حينَمَا سَطَّرُوا بطُولَاتِهَا بأَحْرُفٍ من ذَهَبٍ، مستلْهِمِينَ الإرَادَةَ الصُّلْبَةَ؛ والعَزيمَةَ القَوِيَّةَ منْ فَتْحِ عمَرَ رضي اللّهُ عنهُ لبيتِ المقدِسِ، ومن بعدِهِ صَلَاحُ الدِّينِ الأَيُّوبِيُّ، وانتصارَاتِ المظَفَّرِ قُطُزْ، والظَّاهِرِ بيبرس، وفتوحَاتِ يوسُفَ بنِ تَاشَفِينَ ومحمَّدٍ الفَاتِحِ، وجِهَادِ الأَميرِ عبدِ القَادر الجزائريِّ، ــ الَّذِي تُحْيِي جَزائرُ الِاستِقْلَالِ ذِكْرَى مُبَايَعَتِهِ الأُولَى في سَهْلِ غرِيس بِمُعْسَكَر، في 27 نوفمبر 1832م، والتي أَثْبَتَتْ التِفَافَ الشَّعْبِ الجزائِرِيِّ حَوْلَ مؤَسِّسِ الدَّوْلَةِ الجزَائريَّةِ الحَدِيثَةِ في مُقَاوَمَةِ المُسْتَدْمِرِ الغَازِي ــ، كمَا لا نَنْسَى مُقَاوَمَاتِ الشَّيْخِ المُقْرَانيِّ، وبُوعْمَامَةَ وبُوبَغْلَةَ، ولالا فاطِمَةَ نْسُومَرْ، وغَيرِهِمْ من عظمَاءِ الإسْلَامِ.
إنَّ مَوِقِفَ الجَزَائِرِ الثَّابِتَ والرَّاسِخَ، والتْزَامَ دولتِنَا رسمِيًّا وشعبِيًّا بقضيَّةِ فلسطينَ العَادِلَةِ شَرَفٌ وَوِسَامٌ نُهْدِيهِ للأَبْطَالِ البَوَاسِلِ، والشُّهَدَاءِ الأَطهَارِ، والثَّكَالَى الصَّابِرَاتِ، والأيْتَامِ الأبْرِيَاءِ، في أُولَى القِبْلَتَينِ، ومَسْرَى سَيِّدِ الثَّقَلَيْنِ.
لَكِ اللَّهُ يَا قُدْسُ، وَنَصْرٌ مِنَ اللَّهِ قَرِيبٌ
أقولُ ما تسمعُونَ، وأستغفِرُ اللّهَ الحليمَ العظيمَ لي ولكُمْ، ويا فَوْزَ المستغفرين، أستغفِرُ اللّهَ.
الخطبة الثانية
الحَمْدُ للّهِ وَكَفَى، والصَّلَاةُ والسَّلَامُ على النَّبِيِّ المُصْطَفَى، ومَنْ بآثَارِهِ اقْتَفَى، وسَلَامٌ على عبَادِهِ الذين اصْطَفَى، وبعد:
فقد قالَ اللّهُ تعالى في محكَمِ التِّبْيانِ: (وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [الأنفال: 62 ــ 63].
أمَّةَ الإسلام: إنَّ أمَّتَكُمْ أمَّةٌ واحِدَةٌ: دينُهَا وَاحِدٌ، وَرَبُّهَا وَاحِدٌ، ونبيُّهَا وَاحِدٌ، وقِبْلتهَا واحِدَةٌ، ومصيرُهَا وَاحِدٌ، يصدُقُ فيها قولُ النَّبيِّ عليه الصَّلَاةُ والسَّلَامُ كَمَا عند مُسْلِمٍ: «إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَى لَه سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى».
والشَّعْبُ الجزائِرِيُّ لن يَنْسَى أَبَدًا إخوانَهُ الفلسطينيين، خصوصًا في هذا الزَّمَنِ الحَالِكِ الذي تكَالَبَتْ فيه الأمَمُ على جَسَدِ الأمَّةِ، تَنْهَشُ لَحْمَهَا هنَا وهُنَاكَ.
وإنَّ من أَسْمَى صُوَرِ التَّضَامُنِ والأُخُوَّةِ وأَرْقَاهَا مع أحِبَّتِنَا في مَسْرَى رسُولِ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنْ تَهُبَّ كُلُّ حَمَلَاتِ التَّبرُّعِ والمُوَاسَاةِ من أَجْلِ القُدْسِ.
وأَهَمُّ شَيْء يقَدَّمُ للشَّعبِ الفلسطينِيِّ المجاهِدِ على مُسْتَوَى الحُكُومَاتِ والمُنظَّمَاتِ الدَّوليَّةِ: أن تَلتَفَّ حولَ كُلِّ مبَادَرَةٍ منَظَّمَةٍ مدروسَةٍ تَنْبُعُ من انتمَائِنَا لحضَارتِنَا وإسْلامِنَا ومَبَادِئِ الإنسانِيَّةِ، تُرْجِعُ الحُقُوقَ السَّلِيبَةَ إلى أَهلِهَا، وتُوقِفُ العُدْوَانَ الغَاشِمَ على فلسطينَ ولبنَانَ وعلى كُلِّ أرْضِ الإسلَامِ، وتُنَفِّسُ عنهَا كُرْبَتَهَا، وتَضْمَنُ لها العَيْشَ في أَمْنٍ وسَلَامٍ، وتُعُودُ قُدْسُنَا إلى أرضِ العروبَةِ والإسلَامِ.
وإذ نَستَبشِرُ بما أُعْلِنَ مؤَخَّرًا من إصْدَارِ محكمَةِ الجنايَاتِ الدَّوليَّةِ لمذكِّرَتَيِ اعتقَالٍ في حَقِّ مسْؤُولَيْنِ في الكِيَانِ الصُّهيونِيِّ بتُهَمِ ارتكَابِ جَرَائِمَ حَربٍ وجرَائِمَ ضدَّ الإنسانِيَّةِ في قِطَاعِ غَزَّةَ، نُنَوِّهُ بموقِفِ الجزائِرِ الثَّابِتِ ــ تَنسِيقًا معَ أحْرَارِ العالمِ ــ من قَضِيَّتِنَا العَادِلَةِ، حيثُ صرَّحتْ قيادَتُنَا الرَّشِيدَةُ بما يَبعَثُ على الفَخْرِ والاعتزَازِ، فَجَاءَ على لِسَانِ القَاضِي الأَوَّلِ للبلَادِ مَا نصُّهُ: «إنَّ ندَاءَ الجَزَائرِ سُمِعَ اليَوْمَ من قِبَلِ النُّزَهَاءِ في العَالَمِ لمحاسَبَةِ قَتَلَةِ الشَّعْبِ الفلسطينِيِّ»، فلا تَنْسَوْا إخوانكُمْ في أرْضِ الرِّبَاطِ من كُلِّ أنواعِ الدَّعْمِ المادِيِّ أو المعنَوِيِّ.
لَكِ اللَّهُ يَا قُدْسُ، وَنَصْرٌ مِنَ اللَّهِ قَرِيبٌ
أمَّةَ الإباءِ والصُّمُودِ: إنَّ قضيَّتُكم عادلَةٌ، وقضيَّةَ العدوِّ الصُّهيونيِّ ظَالِمَةٌ وجَائرَةٌ، ولَقَدْ كَتَبَ اللّهُ التَّمكينَ والرِّفعَةَ لِدَوْلَةِ العَدْلِ إلى قِيَامِ السَّاعَةِ، والانْدِحَارَ والهَوَانَ لِدَوْلَةِ الجَوْرِ ولوْ بَقِيَتْ في الحَيَاةِ سَاعَةٌ.
اُثْبِتُوا يَا أَحفَادَ عمَرَ وصَلَاحِ الدِّينِ، فإنَّ اللّهَ عَزَّ وجَلَّ تَوَعَّدَ عَدوَّكُم في سورَةِ بنِي إسرَائيلَ ــ أي الإسرَاءِ ــ وَعدًا لَنْ يُخْلَفَ، فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا) [الإسراء: 7 ــ 8]، وقال أيضًا: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) [الإسراء: 16]، أي جَعَلْنَا سَاسَتَهَا وكُبَرَاءَهَا ومُنَظِّريهَا يَسْعَوْنَ في الأرضِ فَسَادًا، فيَحِقَّ بهمُ الحُكْمُ العَدْلُ.
وأَمَّا أَنتُمْ يا أَبطَالَ فلسطِينَ وفَخْرَ أمَّةِ الإسلَامِ: لَقَدْ وعَدَكُمُ اللَهُ تَعَالَى إِحْدَى الحُسْنَييْنِ، إِمَّا الشَّهَادَةَ وإمَّا النَّصْرَ، وقد نِلْتُمْ في هذهِ الجَوْلَةِ شَهَادَةَ مَنِ ارْتَقَوْا إلى اللّهِ طَاهِرينَ: شُيُوخًا وشَبَابًا ونِسَاءً وأَطْفَالًا، ونَصْرًا مَكِينًا على أَعْتَى قُوَّةٍ مُجْرِمَةٍ عَرَفَهَا العَصْرُ الحَدِيثُ، وسَيَأْتِي النَّصْرُ النِّهَائِيُّ بإذنِ اللّهِ تعالى بالتَّمْكِينِ في الأرْضِ، فَقَالَ تَعَالَى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ) [الأنبياء: 105 ــ 106].
فَأَيُّ الفريقَيْنِ أَهْدَى سَبيلًا؟ وأَيُّ الطّائفتيْنِ أَقْوَمُ قِيلًا؟ ومَتَى تَستَفيقُ الأمَّةُ من سُبَاتِهَا العَمِيقِ؟، وهلْ آنَ الأوان لتَهُبَّ لنجدَةِ أَقْصَانَا المَكْلُومِ؟
وللّهِ دَرُّ شَيْخِ الأَزْهَرِ الأَسْبَقِ محمَّدِ خضر حُسَين رحِمَهُ اللّهُ إذ يَصِفُ لنا حَالَ القُدْسِ بزَفَرَاتٍ مُتَقَطِّعَةٍ، وهو يَسْتَصْرِخُ ضَمِيرَ الأُمَّةِ:
نَصَبَ الْبُغَاةُ عَلَى ذُرَاكِ لِــــــــــــــوَاءَ … وَكَسَوْا مَرَابِعَكِ الْحِسَانَ دِمَـــــاءَ
وَلَقَدْ عَهِدتُكِ والحَيَاةُ أَنِيسَــــــــــــــةٌ … وَرُبَاكِ تَزْهُو بَهْجَـــــــــــــــــــةً وَرُوَاءَ
مَا لِلْيَهُودِ اسْتَوْطَنُوكِ وَصَاعَـــــرُوا … بَعْدَ الهَوَانِ خُدُودَهُم خُيَــــــــــلَاءَ
يَا مَنْ دَهَى الأَوْطَانَ وهيَ أَمِينَـــــةٌ … وَاجْتَاحَ أَطْفَالًا بِهَا وَنِسَـــــــــــــــــاءَ
مَا وَعْدُ بِلْفُورٍ سِوَى الزَّبَدِ الَّـــــذِي … يَطْفُو ويَذْهَبُ فِي الفَضَاءِ جُفَاءَ
أَفَبَعْدَ فَتْحِ ابنِ الوَلِيدِ وَصَحْبِـــــــــــهِ … للقُدْسِ وَعْدٌ يَسْتَحِقُّ وَفَـــــــــــــــــاءَ
مَنْ مُبْلِغُ الحُنَفَاءَ أُمَّةَ أَحْمَـــــــــــــــــــدٍ … نَبَأً يَطِيرُ لَهُ الْفُؤَادُ هَبَــــــــــــــــــــــــــاءَ
تِلْكَ الأَيَامَى عَضَّهُنَّ بِنَابِـــــــــــــــــــــــهِ … بُؤْسٌ وَهُنَّ الصَّامِتَاتُ حَيَـــــــــــاءَ
ذَاكَ الْفَطِيمُ تَفَقَّدَتْ لَحَظَاتُــــــــــــــــــهُ … مَنْ كَانَ يُطْعِمُهُ صَبَاحَ مَسَــــــــــاءَ
أَنَنَامُ عَنْ إِسْعَافِهِمْ وَالدِّينُ قَـــــــــــــدْ … عَقَدَ ائْتِلَافًا بَيْنَنَا وإِخَــــــــــــــــــــــــاءَ
كُلٌّ يَجُودُ بِمَا اسْتَطَاعَ فَمَا النَّــــدَى … وَقْفًا علَى مَنْ يُجْزِلُونَ عَطَــــــــاءَ
لَا تُنْجِدُوهُمْ بِالتَّحَسُّرِ وَحْــــــــــــــــدَهُ … إِنَّ التَّحَسُّرَ لَا يُزِيحُ عَنَـــــــــــــــــــاءَ
بَسَطَ الْيَهُودُ إِلَى الْيَهُودِ أَكُفَّهُـــــــــــمْ … بِالْمَالِ مِنْ بَيْضَاءَ أَوْ صَفْـــــــــرَاءَ
وَمَتَى أَرَى قَوْمِي قَدِ اسْتَبَقُوا الْعُلَا … بِسَخَاءِ كَفٍّ يَكْشِــــــــــفُ اللَّأْوَاءَ
لَكِ اللَّهُ يَا قُدْسُ، وَنَصْرٌ مِنَ اللَّهِ قَرِيبٌ
عبادَ اللّهِ إنّي داعٍ فَأَمِّنُوا:
اللّهمّ خُذْ بِيَدِ إخوانِنَا في فلسطينَ، وانْصُرْهُمْ على عدوِّكَ وعدُوِّهِمْ، اللّهم أَنْزِلْ عليهم بَرَكَاتِكَ، وثَبِّتْ أقْدَامَهُمْ، وسَدِّدْ رَمَيهُمْ.
اللّهمّ احفَظْهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ومِنْ خَلْفِهِمْ، ومِنْ فَوْقهمْ ومِنْ تحْتِهِمْ، وعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ.
اللّهمّ تقبَّلْ شهِيدَهُمْ، واستُرْ عارِيَهُمْ، وأمِّنْ خائِفَهُمْ، وأطْعِمْ جائعَهُمْ، وانصُرْهُمْ على عَدُوِّكَ وعَدُوِّهِمْ.
اللّهمّ انْصُرْ الإسلَامَ وأَعزَّ المسلمين، واخْذُلْ الشِّرْكَ والمشركين، وارْفَعْ رَايَةَ الإسْلَامِ والدِّينِ.
اللّهمّ إنّا نَسأَلُكَ الإصلَاحَ في الوَلَدِ، والعافيَةَ في الجَسَدِ، والأَمْنَ في البَلَدِ.
اللّهمّ أَنْزلْ عَلَيْنَا الغَيْثَ، ولا تَجْعَلْنَا من القَانِطِينَ.
اللّهمّ أَغِثْنَا، اللّهمّ أَغِثْنَا، اللّهمّ أَغِثْنَا.
اللّهمّ اسْقِ عِبَادَكَ وبَهَائِمَكَ، وانْشُرْ رَحْمَتَكَ، وأَحْيِ بَلَدَكَ.
اللّهمّ احْفَظْ حَاكِمَ البِلَادِ بِحِفْظِكَ، وَاكْلَأْهُ بكَلَاءَتِكَ، وأَيِّدْهُ بِتَأْيِيدِكَ.
رَبَنَا آتِنَا في الدّنيَا حَسَنَةً، وفي الآخرَةِ حَسَنَةً، وقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
وسبحانَكَ اللّهُمّ وبحمدِكَ، أشهَدُ أن لا إلهَ إلّا أنتَ، أستغفرُكَ وأتُوبُ إليكَ.
للتصفح والتحميل:


