الخطبة الأولى
الحمدُ للّهِ الذي خَلَقَ فَسَوَّى، وَقَدَّرَ فَهَدَى، وأَجْزَلَ العَطَاءَ فَأَوْفَى، وأَشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، القائِلُ سبحانهُ: (وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى) [النجم: 45]، وأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللّهِ وَرَسُولُهُ، القائلُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رِفْقًا بِالْقَوَارِيرِ»، صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ؛ أَمَّا بَعْدُ:
مَعَاشِرَ المُؤْمِنِينَ: إِنَّ اللّهَ سُبْحَانَهُ خَلَقَ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ، وَخَلَقَ مِنْهُ زَوْجَهُ لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا، وَجَعَلَ مِنْهُمَا نَسَبًا وَصِهْرًا، وَفَضَّلَهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِهِ، فقالَ سبحانهُ: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) [سورة الإسراء: 70].
وَمِنْ مَظَاهِرِ التَّكْرِيمِ أَنْ جَعَلَ الإِنْسَانَ حَسَنَ الخَلْقِ وَالصُّورَةِ، كما قال تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) [التين: 4]، وَوَهَبَهُ العِلْمَ وَالعَقْلَ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الرُّسُلَ، وَأَنْزَلَ إِلَيْهِ الكُتُبَ، وَسَخَّرَ لَهُ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا، كما قال تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [الجاثية: 13].
وَمِنْ مَظَاهِرِ التَّكْرِيمِ التّسويةُ بَيْنَ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ في التكاليف الدينية والدنيوية، كما قال تعالى: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) [البقرة: 228]، بَلْ زَادَ دِينُنَا الحَنِيفُ المَرْأَةَ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا، وَبَوَّأَهَا مَنْزِلَةً كُبْرَى، وَأَحَاطَهَا بِسِيَاجٍ كَبِيرٍ مِنَ الحِفْظِ وَالصَّوْنِ بنتًا وزوجةً وأمًّا؛ وَفي القُرْآنِ الكَرِيمِ وَقفَاتٌ كَثِيرَةٌ خَصَّهَا اللهُ بِهَا فِي عَدِيدِ السُّوَرِ، كَسُورَةِ النِّسَاءِ وَالطَّلَاقِ وَالنُّورِ وَالأَحْزَابِ وَغَيْرِهَا، كَمَا أَكْرَمَهَا بِسُوَرٍ تُعْطِي أَحْكَامًا لِصَالِحِهَا، كَسُورَةِ المُجَادِلَةِ وَالمُمْتَحَنَةِ.
وسَمَّى سورةً من أطولِ سورِ القرآنِ الكريمِ بسُورَةِ النِّسَاءِ، وَجَاءَتْ سُورَةُ مَرْيَمَ عليها السّلامُ ــ الَّتِي وَصَفَهَا اللّهُ بِالصِّدِّيقَةِ ــ حَامِلَةً اسْمَهَا، رَغْمَ ذِكْرِ أَسْمَاءِ الأَنْبِيَاءِ فِيهَا، تَشْرِيفًا لِمَكَانَتِهَا، حَيْثُ تَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ مُنْذُ وِلَادَتِهَا، وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا، ونَسَبَ إِلَيْهَا كَلِمَةً مِنْهُ، ابْنُهَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ.
أيُّهَا الأَفَاضِلُ: لَقَدْ بَيَّنَ الإِسْلَامُ فضلَ المَرْأَةِ ومَكَانَتَهَا، وأعلى من شأنِهَا، وَأَنَّهَا لَا تَقِلُّ عَنِ الرَّجُلِ في التّكريمِ والتَّشْرِيفِ، وَلَا في التَّكْلِيفِ وَالمَسْؤُولِيَّةِ، بل هي مُسَاوِيَةٌ له فِي التَّكالِيفِ الشرعيّةِ، كما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ»، إلّا ما كان خاصًّا بِكلٍّ منهما بمقتضى الفِطرَةِ الإِنسانِيَّةِ أو الطَّبِيعَةِ البَشَرِيَّةِ أو الوَظِيفَةِ الاجتمَاعِيَّةِ، كالحَمْلِ والوِلَادَةِ وإِرْضَاعِ الوَلَدِ الخَاصَّةِ بِالنِّسَاءِ، وَوُجُوبِ دَفْعِ المَهْرِ لِلزَّوجَةِ وَالإِنْفَاقِ عَلَيْهَا ووُجُوبِ القِتَالِ وَتَحْرِيمِ لبسِ الذَّهَبِ وَالحَرِيرِ الخَاصَّةِ بِالرِّجَالِ.
ولا فَرْقَ بينهما فِي الجَزَاءِ والمَثُوبَةِ على العَمَلِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [سورة النحل:97].
أيُّهَا المُكَرَّمُون: لَقَدْ كَرَّمَ الإِسْلَامُ المَرْأَةَ أُمًّا، فقال تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) [لقمان: 14]، وَجَعَلَها النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وَسَلَّمَ أَحَقَّ النَّاسِ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ وَالمعْرُوفِ، ففي صَحِيحَي البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ «أنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ، مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أَبُوكَ»، فهي أُمٌّ لَهَا مَقَامٌ كَرِيمٌ، وَحَقٌّ فِي البِّرِّ عَظِيمٌ.
وَكَرَّمَها أيضًا زَوْجَةً، فَكَانَ لَهَا حَظٌّ وَافِرٌ مِنْ وَصَايَاهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وآخِرُ مَا أَوْصَى به عليه الصَّلَاةُ السَّلَامُ في حَجَّةِ الوَدَاعِ أَنْ قَالَ لهم: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا»، وقال: «اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ»، وفي رِوَايَةٍ لأحمَدَ: «فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ، لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّ لَهُنَّ عَلَيْكُمْ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ حَقًّا».
وَجَعَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخَيْرِيَّةَ فِيمَنْ أَحْسَنَ إِلَى زَوْجَتِهِ وَأَكْرَمَهَا، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي»، وَقَالَ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ»، وَفِي الأَثَرِ أَيْضًا: «مَا أَكْرَمَ النِّسَاءَ إِلَّا كَرِيمٌ، وَلَا أَهَانَهُنَّ إِلَّا لَئِيمٌ».
وأَمَرَ الزَّوْجَ بِأَنْ يُعَاشِرَ زَوْجَتَهُ بِالمَعْرُوفِ، وَذَلِكَ بِالكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ، وَحُسْنِ مُعَامَلَتِهَا، وَتَطْيِيبِ خَاطِرِهَا، وَالمُحَافَظَةِ عَلَى شُعُورِهَا، وَعَدَمِ تَصَيُّدِ أَخْطَائِهَا وَمُتَابَعَةِ زَلَّاتِهَا، كما قَالَ تَعَالَى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ) [النساء: 19]، وَاستجابَةً لهذا الأمرِ الرّبّانِيِّ كان ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا يقول: «إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَتَزَيَّنَ لِلمَرْأَةِ، كَمَا أُحِبُّ أَنْ تَتَزَيَّنَ لِي».
وَكَرَّمَ الإِسْلَامُ المَرْأَةَ أُخْتًا وَبِنْتًا، فَجَعَلَ مِنَ الإِحْسَانِ إِلَيْهِنَّ وَحُسْنِ تَرْبِيَتِهِنَّ طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ، كما روى الإمامُ أحمدُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَكُونُ لأَحَدٍ ثَلَاثُ بَنَاتٍ، أَوْ ثَلَاثُ أَخَوَاتٍ، أَوِ ابْنَتَانِ، أَوْ أُخْتَانِ؛ فَيَتَّقِي اللَّهَ فِيهِنَّ، وَيُحْسِنُ إِلَيْهِنَّ، إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ»، وروى البخاري ومسلم عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ يَلِي مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ شَيْئًا، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ، كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ».
ومِمَّا يُؤْسَفُ له أَنْ تَجِدَ بَعْضَ النَّاسِ كَرِيمًا مَعَ أَصْحَابِهِ وَأَصْدِقَائِهِ، يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ وَيُهْدِي إِلَيْهِمْ، وَيَتَأَلَّفُ قُلُوبَهُمْ، مُتَنَاسِيًا حُقُوقَ أُمِّهِ أو زَوْجَتِهِ أو بَنَاتِهِ أو أَخَوَاتِهِ أو غَيرِهِنَّ من قَرِيبَاتِهِ، فَيَمْنَعْهُنَّ حَقَّهُنَّ الَّذِي فَرَضَهُ اللّهُ لَهُنَّ في المِيرَاثِ، أو يقَتِّرُ عَلَيهِنَّ في النَّفَقَةِ وَهُمْ الأَوْلَى بِالإِنْفَاقِ وَالرِّعَايَةِ، دَلَّ على ذلك ما أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ والحَاكِمُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَفَى بِالْمَرْءِ إثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَعُولُ»، وروى أحمدُ وابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ والحاكمُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: «أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَذْنَبْتُ ذَنْبًا كَبِيرًا، فَهَلْ لِي تَوْبَةٌ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلَكَ وَالِدَانِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَلَكَ خَالَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَبِرَّهَا إِذًا».
أيُّهَا الرّجالُ: إِنَّكُمْ مَسْؤُولُونَ بين يَدَيْ رَبِّكُمْ عَنِ النّسَاءِ، أَحَفِظْتُمْ حُقُوقَهُنَّ أَمْ ضَيَّعْتُمْ، ففِي الحَدِيثِ عِنْدَ النَّسَائِيِّ وابْنِ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ سَائِلٌ كُلَّ رَاعٍ عَمَّا اسْتَرْعَاهُ، أَحَفِظَ ذَلِكَ أَمْ ضَيَّعَ؟ حَتَّى يُسْأَلَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ»، وَروى الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا».
أَيُّهَا المُرَبُّونَ: بَنَاتُ وَأَخَوَاتُ اليَوْمِ هُنَّ أُمَّهَاتُ الغَدِ، فَبِصَلَاحِهِنَّ يَصْلُحُ المُجْتَمَعُ، وَبِفَسَادِهِنَّ يَفْسُدُ المُجْتَمَعُ، وَصَدَقَ الشَّاعِرُ مَعْرُوفُ الرُّصَافِي إذ يقول:
وَلَمْ أَرَ لِلْخَلَائقِ مَنْ مَحَــــــلٍّ … يُهَذِّبُهَا كَحِضْنْ الْأُمَّهَـــــاتْ
فَحِضْنُ الْأُمِّ مَدْرَسَةٌ تَسَامَتْ … بِتَرْبِيَةِ الْبَنِينِ أَوِ الْبَنَــــــــــــاتِ
وَأَخْلَاقُ الْوَلِيدِ تُقَاسُ حُسْـنًا … بِأَخْلَاقِ النِّسَاءِ الْوَالِــــــدَاتِ
وَلَنَا فِي آسِيَةَ بِنْتِ مُزَاحِمِ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مَثَلٌ يُحْتَذَى بِهِ، فَلَمَّا كَانَتْ صَالِحَةً رَبَّتْ فِي بَيْتِهَا نَبِيًّا نَجَّى اللّهُ بِهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الذُّلِّ وَالاسْتِعْبَادِ، وَأَزَالَ بِهِ مُلْكَ الطَّاغِيَةِ فِرْعَوْنَ، أَمَّا امْرَأَةُ نُوحٍ عليهِ السَّلَامُ، فَلَمَّا كَانَتْ كَافِرَةً، رَبَّتْ فِي بَيْتِهَا ابْنًا كَفَرَ بِرِسَالَةِ وَالِدِهِ نُوحٍ عليهِ السَّلَامُ، وَهُوَ مِنْ أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، وَظَنَّ النَّجَاةَ فِي إِيوَائِهِ إِلَى الجَبَلِ، فَحَالَ بَيْنَهُمَا المَوْجُ فَكَانَ مِنَ المُغْرَقِينَ.
أَيَّتُهَا الأُمُّ وأَيَّتُهَا الأُخْتُ إِنَّكِ كما قال الشَّاعِرُ:
فِي الْبَيْتِ تَبْنِينَ النُّفُوسَ فَتَرْتَقِي … فِي سَعْيِهَا وَتَفُوزُ بِالرِّضْوَانِ
فِي مَعْهَدٍ لِلنُّورِ بَيْنَ ظِلَالِـــــــــــــــــهِ … تَزْكُو الثِّمَارُ شَهِيَّةَ الْأَلْـــــــوَانِ
بَارَكَ اللَّهُ لي ولكم في القرآنِ العَظِيمِ، ونَفَعَنِي رَبِّي وإيّاكُم بما فيه من الآيَاتِ والذِّكْرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قولي هذا وأستغفِرُ اللّهَ العَظِيمَ لي ولكُمْ، فاستغفِرُوهُ إنّه هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية
الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ، الحَمْدُ لِلَّهِ حَقَّ حَمْدِهِ، حَمْدًا كَمَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ وَجْهِهِ وَعَظِيمِ سُلْطَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، نَشْهَدُ أَنَّهُ بَلَّغَ الرِّسَالَةَ، وَأَدَّى الْأَمَانَةَ، وَنَصَحَ لِلْأُمَّةِ، وَكَشَفَ الْغُمَّةَ، وَجَاهَدَ فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ حَتَّى أَتَاهُ الْيَقِينُ، صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، أَمَّا بَعْدُ؛
مَعَاشِرَ المُؤْمِنِينَ: إِنَّ مِنْ دَوَاعِي الشَّرِيعَةِ الغَرَّاءِ إِكْرَامَ المَرْأَةِ وَالإِحْسَانَ إِلَيْهَا دُونَ إِفْرَاطٍ أَوْ تَفْرِيطٍ، مصداقًا لقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) [سورة البقرة: 142]، فَهِيَ تُعَانِي بَيْنَ طَرَفَيْ نَقِيضٍ:
تَعَانِي بَيْنَ قَوْمٍ اعْتَقَدُوا أَنَّ إِكْرَامَهَا هُوَ مَنْعُهَا مِنَ الخُرُوجِ للعَمَلِ وَالدِّرَاسَةِ، مُعْتَقِدِينَ أَنَّهُمْ بِذَلِكَ قَدْ وَصَلُوا إِلَى قِمَّةِ التَّكْرِيمِ، وَذَلِكَ بِالمَنْعِ وَالتَّحْرِيمِ، بِسَبَبِ مَفَاهِيمَ خَاطِئَةٍ دَخِيلَةٍ عَلَى الدِّينِ الإِسْلَامِيِّ السَّمْحِ، أو عَادَاتٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ وَلِيدَة ظُرُوفٍ بِيئِيَّةٍ وَزَمَانِيَّةٍ، أَطْلَقُوا لَهَا عِنَانَ الفَتْوَى بِجَهَالَةٍ، حتّى قالوا: لا تخرجُ المرأةُ إلّا ثلاثَ مرّاتٍ: مرّةً من بطنِ أمها إلى هذه الدنيا، والثانيةُ من بيت أبيها إلى بيتِ زوجها، والثالثةُ من بيت زوجها إلى قبرها، وحَرَّمُوا صَوْتَهَا وَجَعَلُوهُ عَوْرَةً، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ المُجَادِلَةِ: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) [سورة المجادلة:1]، والأَحَادِيثُ الصحيحةُ في ذلك متظافرةٌ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يَتَكَلَّمُونَ مَعَ النِّسَاءِ، فَقَدْ كَانَتْ أُمُّ عُمَارَةَ تُقَاتِلُ فِي صَفِّ المُسْلِمِينَ، كما أَمَرَ اللَّهُ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ بِذِكْرِ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِهِنَّ مِنَ الذِّكْرِ وَالحِكْمَةِ، فقَالَ تَعَالَى: (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا) [سورة الأحزاب: 34].
أيها الأفاضلُ: إنّ الفَتَاوَى المُتَشَدِّدَةَ جَعَلَتْ كَثِيرًا مِنَ النِّسَاءِ يَهْرُبْنَ إِلَى دَعَاوَى الحَدَاثَةِ وَالتَّحَرُّرِ، فَوَقَعْنَ ضَحَايَا لِهَذَا الفِكْرِ المُنْحَلِّ الَّذِي جَعَلَهَا تَتَحَرَّرُ مِنْ حَيَائِهَا، وَتَفْقِدُ أُنُوثَتَهَا وَوَظِيفَتَهَا الأَسَاسِيَّةَ كَمُرَبِّيَةٍ صَالِحَةٍ لِلأَجْيَالِ، فَزَيَّنُوا لَهَا الشَّهَوَاتِ، وَأَبَاحُوا لَهَا المَمْنُوعَاتِ، لِتَتَحَوَّلَ إِلَى جَسَدٍ بِلَا رُوحٍ، بِدَافِعِ المُسَاوَاةِ، فَجَرَّدُوهَا مِنْ طَبِيعَتِهَا الأُنْثَوِيَّةِ الَّتِي خَلَقَهَا اللَّهُ عَلَيْهَا، على حَدِّ قَوْلِ أحمد شَوْقَي:
خَدَعُوهَا بِقَوْلِهِمْ حَسْنَاءُ … وَالْغَوَانِي يَغُرُّهُنَّ الثَّنَاءُ
وقد قَالَ إِمَامُنَا عَبْدُ الحَمِيدِ بنُ بَاديس في هذا المَعْنَى: «وإذَا أَرَدْتُمْ إِصْلَاحَهَا الحَقِيقِيَّ، فَارْفَعُوا حجَابَ الجَهْلِ عَنْ عَقْلِهَا قَبْلَ أَنْ تَرْفَعُوا حِجَابَ السَّتْرِ عَنْ وَجْههَا، فَإِنَّ حِجَابَ الجَهْلِ هُوَ الَّذِي أَخَّرَهَا».
وللّهِ دَرُّ القَائِلِ:
حُرَّةٌ أَنْتِ يَا ابْنَةَ الإِسْـــــــــــــــــــــلَامِ … فِي إِطَارٍ مِنَ الشَّرِيعَةِ السَّــــــــامِ
إِنَّ حُرِّيَّةً بِغَيْرِ قُيُـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــودٍ … هِيَ فَوْضَى تَقُودُ نَحْوَ الصِّدَامِ
وَالسَّعِيدُ السَّعِيدُ مَنْ أَلْزَمَ النَّفْسَ … هُدَاهَا حُرًّا وَفِيَّ الذِّمَـــــــــــــــــــامِ
اللّهمّ احْفَظْ بَنَاتِنَا وبَنَاتَ المسلمين، وَنسَاءَنَا ونسَاءَ المسلمين، من شَرِّ الفِتَنِ ما ظَهَرَ منها وما بَطَنَ، واغْرِسْ فيهن الحَيَاءَ والعَفَافَ، اللّهمّ واحْرُسْهُنَّ من دعوَاتِ المفسدين، واجْعَلْ قُدْوَتَهُنَّ أمَّهَاتِ المؤمنين، برحمَتِكَ يَا ارْحَمَ الرّاحمينَ.
اللّهمّ إنّا نَسْالُكَ الهُدَى والتُّقَى والعَفَافَ والغِنَى.
اللّهمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وزَكِّهَا أنت خَيْرُ من زَكَّاهَا، أنت وَلِيُّهَا ومَوْلَاهَا.
اللّهمّ اجْعَلْ جَمْعَنَا هذا جَمْعًا مَرْحُومًا، وتَفَرُّقَنَا من بعده تَفَرُّقًا مَعْصُومًا، ولا تَجْعَلْ فينَا ولا مَعَنَا شَقيًّا ولا مَحْرُومًا.
اللَّهُمَّ رَبَّنَا اسْقِنَا مِنْ فَيْضِكَ المِدْرَارِ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الذَّاكِرِيْنَ لَكَ في اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، المُسْتَغْفِرِيْنَ لَكَ بِالعَشِيِّ وَالأَسْحَارِ.
اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاء، وَأَخْرِجْ لَنَا مِنْ خَيْرَاتِ الأَرْضِ، وَبَارِكْ لَنَا في ثِمَارِنَا وَزُرُوْعِنَا، يَا ذَا الجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ.
رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوْبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا، وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً، إِنَّكَ أَنْتَ الوَهَّابُ.
رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُوْنَنَّ مِنَ الخَاسِرِيْنَ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِيْنَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَالْمُسْلِمِيْنَ وَالْمُسْلِمَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيْعٌ قَرِيْبٌ مُجِيْبُ الدُّعَاءِ.
عِبَادَ اللّهِ: إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ، وَإِيتاءِ ذِي القُرْبَى، وَيَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ وَالمُنْكَرِ وَالبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.
عبادَ اللّهِ: اذكروا اللّهَ العظيمَ يَـــذْكُرْكُمْ واشكُرُوهُ على عُمُومِ نِعَمِهِ يزدكُمْ، ولَذِكْرُ اللّهِ أكبرُ واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعُونَ.
للتصفح والتحميل:


