الخطبة الأولى
إِنَّ الحَمْدَ لِلّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرورِ أَنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مِنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَن يُضْلِلْ فَلَا هَادِي لَهُ؛ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَريكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدنَا وَنَبيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحابِهِ أَجْمَعِينَ.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران: 102].
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء: 1].
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً) [الأحزاب: 70 ــ 71].
أَمَّا بَعْدُ؛ فَيَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ المُؤْمِنُونَ: مَا زِلْنَا فِي رِحَابِ شَهْرِ المَوْلِدِ، نَقْتَبِسُ مِنْ أَنْوارِهِ وَهَدَايَاتِهِ، ونَنْهَلُ مِنْهُ الدُّروسَ والمَوَاعِظَ، وَذَلِكَ هوَ الفَضْلُ المُبينُ، مِنْ إِحْيَاءِ هَذِهِ الذِّكْرَى الجَليلَةِ عَلَى صاحِبِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى التَّسْليمِ، قَالَ تَعَالَى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) [الممتحنة: 6]، فَهُوَ النَّموذَجُ البَشَرِيُّ الكامِلُ، والصّورَةُ الأَمْثَلُ لِلْإِنْسَانِ السَّوِيِّ فِي شَتَّى جَوانِبِ الحَيَاةِ، مَهْمَا اختلفَتْ الأَزْمِنَةُ وَتَغَيَّرَتْ الدُّهورُ.
نَقِفُ اليَوْمَ وَقْفَةَ المُتَعَلِّمِ وَالمُتَأَسِّي فِي جانِبٍ مُهِمٍّ وَخَطيرٍ، مِنْ جَوانِبِ عَظَمَةِ نَبيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وَكَيْفَ كَانَ فِي أَهْلِهِ وَأَصْحابِهِ؟ وَلَعَلَّ مِنْ دَلائِلِ نُبوءَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ لَا تُوجَدُ فِي حَياتِهِ مَناطِقُ مَظْلِمَةٌ، كَمَا هوَ شَأْنُ المُلوكِ وَأَصْحَابِ الشَّأْنِ فِي أَقْوَامِهِمْ، لَا يَرْغَبُونَ بِالبَوْحِ بِهَا أَوْ السَّماحِ بِالِاطِّلَاعِ عَلَيْهَا …، بَلْ إِنَّ حَيَاتَهُ الأُسَرِيَّةَ الخاصَّةَ كِتابٌ مَفْتوحٌ، فَقَدْ طَفَحَتْ كُتُبُ السُّنَّةِ بِالأَحَادِيثِ والرِّواياتِ الَّتِي تتَحَدَّثُ عَنْ هَذَا الجانِبِ اَلْخاصِّ جِدًّا مِنْ حَياتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ذَلِكَ لِما فِيه مِنَ الهَدْيِ والتَّشْريعِ الَّذِي بُعِثَ لِبَيَانِهِ.
فَالأُسْرَةُ ــ كَمَا تَعْلَمونَ ــ هِيَ حَجَرُ الزّاويَةِ فِي بِنَاءِ المُجْتَمَعِ، وَدَوْرُهَا خَطيرٌ فِي صَلَاحِهِ وَنَمَائِهِ، أَوْ فِي انْهيارِهِ وَدَمَارِهِ ــ لَا سَمَحَ اللَّهُ ــ، وَلَا شَكَّ عِنْدَئِذٍ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ مَطالِبٌ أَنْ يَتَعَلَّمَ مِنْ هَدْيِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَيْفَ يَنْبَغِي أَنْ تَتَأَسَّسَ الأُسْرَةُ المُسْلِمَةُ، وَمَا هوَ المِثَالُ الإِنْسانيُّ الَّذِي يَجِبُ أَنْ نَتَمَثَّلَهُ فِي بِنَائِهَا والْمُحافَظَةِ عَلَيْهَا، حَتَّى تُؤَدّيَ دَوْرَهَا الجَليلَ فِي بِنَاءِ الفَرْدِ المُسْتَقيمِ الَّذِي بِهِ يَصْلُحُ المُجْتَمَعُ، وقد قَالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «كُلُّ مَوْلودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ».
والأُسْرَةُ المُسْلِمَةُ اليَوْمَ تَشْهَدُ أَخْطارًا جَسيمَةً مِنْ جِهاتٍ كَثيرَةٍ تُهَدِّدُ اسْتِقْرارَهَا، وَتُثَبِّطُ فَعاليَّتَهَا الَّتِي ظَلَّتْ حَيَّةً طِيلَةَ تَارِيخِ الأُمَّةِ المَاجِدِ، مِنْ خِلَالِ التَّرْويجِ لِلْعَلَاقَاتِ غَيْرِ المَشْروعَةِ، وَانْتَاجِ بَرامِجَ التَّرْفيهِ المَاجِنِ، وَالتَّشْجِيعِ عَلَى التَّخَلُّصِ مِنَ العَلاقَةِ الزَّوْجِيَّةِ لِأَتْفَهِ الأَسْبابِ، واعْتِبارِ ذَلِكَ نَوْعًا مِنْ الِاسْتِقْلَالِيَّةِ الشَّخْصِيَّةِ والحِفَاظِ عَلَى الصِّحَّةِ النَّفْسِيَّةِ.
أَيُّهَا الأَحِبَّةُ فِي اللَّهِ: لِكَيْ تَسْتَعِيدَ الأُسْرَةُ المُسْلِمَةُ دَوْرَهَا المِحْوَرِيَّ فِي المُجْتَمَعِ، وَتَسْتَرِدَّ فاعِليَّتَهَا فِي بِنَاءِ الأَجْيَالِ الصّالِحَةِ القَوِيَّةِ، كَمَا كَانَتْ بِالأَمْسِ القَريبِ، لَا بُدَّ أَنْ تَعودَ إِلَى هَدْيِ سَيِّدِ الأَنَامِ الَّذِي هوَ المَرْجِعُ فِي مَعْرِفَةِ كَيْفَ يَنْبَغِي أَنْ تَكونَ عَلَيْهِ العَلَاقَةُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فِي جَمِيعِ الظُّروفِ وَالأَحْوَالِ، وَكَيْفَ يَنْبَغِي أَنْ يَكونَ الرَّجُلُ هوَ الحَامِي لِهَذِهِ العَلَاقَةِ بِسِعَةِ أَخْلَاقِهِ وَقوَّةِ حِكْمَتِهِ لَا بِانْدِفَاعِهِ وَقوَّةِ جَسَدِهِ؛ قَالَ عَلَيْه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي»، فَخَيْرِيَّةُ المَرْءِ إِنَّمَا تَنْعَكِسُ عَلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَيْهِ؛ زَوْجُهُ وَأَوْلادُهُ، وَهَذِهِ هِيَ القِيمَةُ الأُولَى الَّتِي يَجِبُ أَنْ تَسْتَوْعِبَهَا أَخْلَاقُ الرِّجَالِ، لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ والْيَوْمَ الآخِرَ، لِأَنَّ هَذَا مَوْضِعُ الِاقْتِدَاءِ؛ حَيْثُ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهُ وَسَلَّمَ: «وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي»، فَمَا طَبِيعَةُ هَذِهِ الخَيْرِيَّةِ؟ وَمَا مَعالِمُها؟
فَأَمَّا طَبيعَتُهَا فَتَتَمَثَّلُ فِي جَمَالِ المُعَامَلَةِ، وَحُسْنِ العِشْرَةِ، وَأَمَّا مَعالِمُهَا فَتَتَمَثَّلُ فِي: إِظْهَارِ المَوَدَّةِ، والِاعْتِرَافِ بِالْحُبِّ لِأَزْوَاجِهِ، والتَّلَطُّفِ فِي مُعَامِلَتِهِنَّ، فَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ يُحِبُّ خَديجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَيُظْهِرُ ذَلِكَ حَتَّى بَعْدَ وَفاتِهَا، روى البُخاريُّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: «مَا غِرْتُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ، وَمَا رَأَيْتُهَا، وَلَكِنْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ ذِكْرَهَا، وَرُبَّمَا ذَبَحَ الشَّاةَ ثُمَّ يُقَطِّعُهَا أَعْضَاءً، ثُمَّ يَبْعَثُهَا فِي صَدَائِقِ خَدِيجَةَ، فَرُبَّمَا قُلْتُ لَهُ: كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا امْرَأَةٌ إِلَّا خَدِيجَةُ، فَيَقُولُ إِنَّهَا كَانَتْ، وَكَانَتْ، وَكَانَ لِي مِنْهَا وَلَدٌ».
وَروى مُسْلِمٌ عَنْهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: «أَرْسَلَ أَزْواجُ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهُ وَسَلَّمَ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ، فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَيْهِ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ فِي مُرْطِيٍّ، فَأَذِنَ لَهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَزْوَاجَكَ أَرْسَلَنْنِي يَسَأَلْنَكَ الْعَدْلَ فِي ابْنَةِ أَبِي قُحَافَةَ، وَأَنَا سَاكِتَةٌ، قَالَتْ: فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ: أَيْ بُنَيَّةُ، أَلَسْتِ تُحِبِّينَ مَا أُحِبُّ؟ فَقَالَتْ: بَلَى، قَالَ: فَأَحِبِّي هَذِهِ».
وَأَمَّا تَلَطُّفُهُ فِي مُعَامِلَتِهِنَّ، فَقد روى أحمدُ عَنْ أُمِّ المُؤْمِنِينَ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَىٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّ بِنِسَائِهِ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ، نَزَلَ رَجُلٌ، فَسَاقَ بِهِنَّ، فَأَسْرَعَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَذَاكَ سَوْقُكَ بِالْقَوَارِيرِ، يَعْنِي النِّسَاءَ، فَبَيْنَا هُمْ يَسِيرُونَ، بَرَكَ بِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ جَمَلُهَا، وَكَانَتْ مِنْ أَحْسَنِهِنَّ ظَهْرًا، فَبَكَتْ، وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أُخْبِرَ بِذَلِكَ، فَجَعَلَ يَمْسَحُ دُمُوعَهَا بِيَدِهِ».
وَمِنْهَا: تَطْييبُ خَواطِرِهِنَّ وَمُدَاعِبَتُهُنَّ، فقد رَوَى البُخاريُّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: «قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي لَأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى، قَالَتْ: فَقُلْتُ: مِنْ أَيْنَ تَعْرِفُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: أَمَّا إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً فَإِنَّكِ تَقُولِينَ لَا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ، وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى قُلْتِ: لَا وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ، قَالَتْ: قُلْتُ: أَجَلْ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ».
وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ عن أَنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «بَلَغَ صَفيَّةَ أَنَّ حَفْصَةَ قَالَتْ لَهَا: ابْنَةُ يَهُودِيٍّ فَدَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ وَهِيَ تَبْكِي، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ: وَمَا يُبْكِيكِ؟ قَالَتْ: قَالَتْ لِي حَفْصَةُ: إِنِّي بِنْتُ يَهودِيٍّ، فَقَالَ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ: إِنَّكِ لَابْنَةُ نَبِيٍّ، وَإِنَّ عَمَّكِ لِنَبِيُّ، وَإِنَّكِ لَتَحْتَ نَبِيٍّ، فَبِمَ تَفْخَرُ عَلَيْكِ؟».
وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ يُسَابِقُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَيَأْذَنُ لَهَا بِالنَّظَرِ إِلَى الحَبَشَةِ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي مَسْجِدِهِ فِي أَيّامِ العِيدِ.
وَمِنْهَا: اِسْتِشَارَتُهُنَّ والْأَخْذُ بِمَشُورَتِهِنَّ، فَقَدْ اسْتَشَارَ خَديجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا حِينَ نَزَلَ عَلَيْه أَوَّلُ الوَحْيِ، وَقَدْ أَصَابَهُ الرَّوْعُ مِنْ هَوْلِ المَشْهَدِ، فَكَانَت مَشورَتُها بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى قَلْبِهِ؛ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عِنْدَ بَدْءِ الوَحْيِ وَلِقاءِ جِبْريلَ عَلَيْه السَّلامُ «رَجَعَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ تَرْجُفُ بَوادِرُهُ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى خَديجَةَ فَقَالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، ثُمَّ قَالَ لِخَديجَةَ: أَيْ خَديجَةُ مَالِي؟، وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ، قَالَ: لَقَدْ خَشيَتُ عَلَى نَفْسِي، قَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: كَلَّا، أَبْشِرْ، فَواللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، واللَّهِ إِنَّكَ لِتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصَدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتُكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتُقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوائِبِ الْحَقِّ».
وَيَوْمُ الحُدَيْبِيَّةِ حِينَ لَمْ يَتَحَلَّلْ الصَّحابَةُ رضي اللّهُ عنهم مِنَ العُمْرَةِ، بَعْدَ أَنْ أَمَرَهُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ بذلك؛ دَخَلَ عَلَى زَوْجَتِهِ أُمِّ سَلَمَةَ رضي اللّهُ عنها فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنَ النَّاسِ، فَأَشَارَتْ عَلَيْه بِقَوْلِهَا: « يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَتُحِبُّ ذَلِكَ، اخْرُجْ ثُمَّ لاَ تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً، حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ، فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ نَحَرَ بُدْنَهُ، وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا، فَنَحَرُوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا».
وَمِن مَعَالِمِهَا: خِدْمَةُ أَهْلِهِ، وَإِعَانَتُهُنَّ فِي أَعْمالِ البَيْتِ؛ وَهُوَ صَاحِبُ القَدْرِ الجَليلِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ، فَقَدْ رَوَى البُخاريُّ عن عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أنّها سُئِلَتْ: «مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ ــ يَعْنِي: خِدْمَةِ أَهْلِهِ ــ فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ».
وَمِنْهَا: تَحَمُّلُ أَذَاهُنَّ، والصَّبْرُ عَلَى جَفَائِهِنَّ وَغِيرَتِهِنَّ؛ فَقَدْ كُنَّ يُرَاجِعْنَهُ، وَقَدْ تَهْجُرُهُ إِحْدَاهُن سَائِرَ اليَوْمِ، وَمَعَ ذَلِكَ يَتَّسِعُ صَدْرُهُ، وَقَدْ يَبْتَسِمُ لِغِيرَتِهِنَّ مِنْ بَعْضٍ، فقد أَخْرَجَ الإِمامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَديثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أَنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ كَانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ، قَالَ: أَظُنُّها عائِشَةُ، فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ مَعَ خادِمٍ لَهَا بِقَصْعَةٍ فِيهَا طَعامٌ، قَالَ: فَضَرَبَتْ الأُخْرَى بيَدِ الخادِمِ فَكَسَرَتْ القَصْعَةَ نِصْفَيْنِ، قَالَ: فَجَعَلَ النَّبيُّ، يَقُولُ: غَارَتْ أُمُّكُمْ، قَالَ: وَأَخَذَ الْكَسْرَتَيْن فَضَمَّ إِحْدَاهما إِلَى الأُخْرَى فَجَعَلَ فِيهَا الطَّعامَ، ثُمَّ قَالَ: كُلُوا فَأَكَلُوا».
وَمِنْهَا: أَنَّهُ مَا عَنَّفَ أَزْوَاجَهُ لَا لَفْظِيًّا وَلَا مَادِّيًّا، مَعَ مَا كَانَ يُغْضِبُهُ مِنْ أَفْعَالِهِنَّ مِمَّا قَدْ سَبَقَ وَمِمَّا لَمْ يَذْكَرْ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يَتَجَمَّلُ بِالصَّبْرِ والحِكْمَةِ فِي مُعالَجَةِ الأُمورِ، فَقد روى مُسْلِمٌ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: «مَا ضَرَبَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلَا امْرَأَةً وَلَا خَادِمًا، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبيلِ اللَّهِ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فِينْتَقِمَ مِنْ صاحِبِهِ، إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحارِمِ اللَّهِ تَعَالَى، فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ تَعَالَى».
وَقَدْ مَرَّتْ بِبَيْتِ النُّبُوَّةِ ظُرُوفٌ صَعْبَةٌ جِدًّا، فَكَانَ صَلَواتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْه مِثَالًا رَائِعًا لِلزَّوْجِ الحَكيمِ المُتَرَوِّي فِي أَمْرٍ يَتَعَجَّلُ فِيه النّاسُ وَيَضْطَرِبونَ.
هَذَا كُلُّهُ وَغَيْرُهُ مِمَّا لَا يَتَّسِعُ المَقامُ لِحَصْرِهِ وَسَرْدِهِ، وَهِيَ مَعالِمُ هاديَةٌ، وَقِيَمٌ لَابُدَّ أَنْ تَسْتَوْعِبَهَا بُيوتُ المُسْلِمِينَ؛ وَيَتَرَبَّى عَلَيْهَا الأَزْوَاجُ لِتُؤَسَّسَ بُيوتُهُمْ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ؛ قَالَ تَعَالَى: (أَفَمَنْ أُسِّسَ بُنْيَانُهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أُسِّسَ بُنْيَانُهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [التوبة: 109].
نَفْعَنِي اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ بِالْقُرْآنِ الكَريمِ، وَبِهَدْيِ نَبيِّهِ الأَمينِ، أَقولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفَرُوهُ إِنَّهُ هوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية
الحَمْدُ لِلّهِ اَلَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفو عَنْ السَّيِّئَاتِ، وَيَعْلَمُ مَا تَفَعَلُونَ، وَيَسْتَجيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَيَزيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ، وَالْكافِرونَ لَهُمْ عَذابٌ شَديدٌ، وأَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَريكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحابِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ..
فَيَا إِخْوَةُ الْإِيمَانِ: نُبارِكُ لِأَبْنَائِنَا المُتَمَدْرِسِينَ وَأُسْرَةِ التَّرْبيَةِ وَالتَّعْلِيمِ، اسْتِئْنافَ الدُّرُوسِ بِالدُّخُولِ الِاجْتِماعِيِّ الجَدِيدِ؛ وَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَكونَ عَامًا دِراسِيًّا مُبَارَكًا لِلْجَمِيعِ، طُلَّابًا وَأَسَاتِذَةً وَمُعَلِّمِينَ.
وَلَا يَفُوتُنَا وَنَحْنُ فِي شَهْرِ المَوْلِدِ المُبَارَكِ، أَنْ نُنَوِّهَ بِشَرَفِ رِسَالَةِ التَّعْليمِ والمُعَلِّمِ، فَهِيَ رِسَالَةُ النَّبِيِّينَ، وَرِسَالَةُ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلاةِ والتَّسْليمِ، وَلَنَا فِيه الأُسْوَةُ الحَسَنَةُ فِي الإِخْلاصِ لِهَذِهِ المُهِمَّةِ الجَليلَةِ، والتَّفَانِي فِي البُلوغِ بِهَا آفَاقًا بَعِيدَةً، لِمَا تَرْجُوهُ الأُمَّةُ مِنْ هَذَا النَّشْءِ، فَمَا دَامَ التَّعْليمُ بيَدِ مُعَلِّمٍ يُرَاقِبُ اللَّهَ ويُرَاعِيهِ، وَيَهْتَدِي بِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ فِي أَدَاءِ رِسَالَتِهِ بِالْعِلْمِ والْإيمَانِ، فَلَسَوَفَ تُؤْتِي العَمَليَّةُ التَّرْبَوِيَّةُ أُكْلَهَا بِإِذْنِ رَبِّهَا، وَعَلَى الأُسْرَةِ مِثْلُ ذَلِكَ مِنْ الحَمْلِ وَالمَسْؤُولِيَّةِ فِي إِرْسَاخِ هَذِهِ المَعَانِي والْقِيَمِ السَّامِيَةِ فِي نُفُوسِ أَبْنَائِهِمْ، فَنَحْنُ أُمَّةُ الخَيْرِ أُمِرْنَا أَنْ نَدْعُوَ إِلَيْه، ونَتَعَاوَنَ عَلَيْه، وَيَسُدَّ بَعْضُنَا مَا قَصُرَ عَنْهُ جُهْدُ البَعْضِ، فاللّهُمُ عَلِّمْنَا مَا يَنْفَعُنَا، وانْفَعْنَا بِمَا عَلَّمْتَنَا وَزِدْنَا عِلْمًا.
الدُّعاءُ.
للتصفح والتحميل:


