Scroll Top

خطبة الجمعة: محبة النبي صلى الله عليه وسلم

الخطبة الأولى

الحمدُ للّهِ رَبِّ البريَّاتِ، أشرَقَ لنورِ وجهِهِ أركَانُ الأرضِ والسّماوَاتِ، أحمدُهُ سبحانَهُ وتعالى حَمْدَ من ذَكَرَهُ في الجَهْرِ والخلوَاتِ، وأشكرُهُ على نعمِهِ التي مَنَّ بها علينا والبَرَكَاتِ، وأستغفِرُهُ من جميعِ الذُّنُوبِ والسَّيِّئَاتِ، إنه غَافِرُ الذّنبِ وقابِلُ الحوبَاتِ، وأشهَدُ أن لا إله إلّا اللّهُ وحده لا شريك له، شَهَادَةً نَدَّخِرُهَا ليومِ الحَسَرَاتِ، يومَ تبيضُّ وجوهُ المؤمنين وتسوَدُّ الوجوهُ الكَالِحَاتِ، وأشهَدُ أنّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ، أكرَمُ مبعوثٍ؛ وأفضَلُ مرسولٍ، خيرُ البريَّاتِ، فَصَلِّ اللّهمّ وَسَلِّمْ وبَارِكْ عليه، وعلى آلِهِ وأزواجِهِ وصحبِهِ، وَمَن اقتَفَى أَثَرَهُ واستَنَّ بسنَّتِهِ إلى يومِ تعرضُ الخليقَةُ على الحسَابِ في العَرَصَاتِ، ألا واتّقوا اللّهَ عبادَ اللّهِ وراقِبُوهُ، فإنّ العرضَ على اللّهِ عصيبٌ، يومَ تزلُّ أقدَامٌ على صِرَاطٍ أَحَدَّ من السَّيْفِ وأَدَقَّ من الشَّعَرَاتِ، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [الحشر: 18]، ألا وإنّ أصدَقَ الحديثِ كتابُ اللّهِ تعالى، وخيرَ الهُدَى هُدَى محمَّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، وشَرَّ الأمورِ محدثَاتُهَا، وكُلَّ بدعَةٍ ضَلَالَةٌ، وبعد:

فقد قال اللّهُ تعالى في مُحْكَمِ التِّبْيَانِ، وهو أصدَقُ القائلين: (لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) [الأحزاب: 21].

عبادَ اللّهِ: إنّ من رحمَةِ اللّهِ تعالى بعبادِهِ، أن شَرَعَ لهم الشَّرَائِعَ، وأنزَلَ عليهم الكُتُبَ، وبَعَثَ إليهم الرُّسُلَ والأنبيَاءَ، لِئَلَّا يكونَ للنّاسِ على اللّهِ حجَّةٌ بعد الرُّسُلِ، سُنَّةَ اللّهِ في خلقِهِ، ولن تَجِدَ لها تبديلًا ولا تحويلًا، وبعدَ بعثَةِ آخِرِ رسولٍ ــ عيسى ابنِ مريمَ عليه السّلام ــ وانقطَاعِ الوَحْيِ، وبَدَأَ الانحرَافُ، وعُبِدَتْ الأصنَامُ من دونِ اللّهِ، وطُمِسَتْ مَعَالِمُ التّوحيدِ النَّقِيِّ، يبزُغُ نُورُ الحَقِّ المبينِ؛ ببعثَةِ حبيبِ رَبِّ العالمين؛ محمَّدٍ الأمينِ؛ عليه أفضلُ صلواتِ اللّهِ وأَزْكَى التَّسْلِيمِ، فيستكمل مسيرَةَ إخوانِهِ من الأنبيَاءِ والمرسلين.

إنّه الرّسولُ الكريمُ؛ بَشَّرَ ببعثتِهِ الأنبيَاءُ من قَبْلِهِ، فقال عزَّ من قائِلٍ: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) [الصف: 6]، لقد اصطفى اللّهُ تعالى لرسالتِهِ رَجُلًا أمينًا؛ صَادِقًا، حسيبًا نسيبًا؛ شريفًا في قومِهِ، فكان بِحَقٍّ رحمَةً للعالمين؛ وسَيِّدًا للأوَّلِينَ والآخِرِينَ، فقال تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) [آل عمران: 164].

أيّها المؤمنون الصّادقون: إنّ الحديثَ عن محبَّةِ المصطَفَى عليه السّلامُ، إنّما هو حدِيثٌ عن مسألَةٍ من أَهَمِّ مسائِلِ العقيدَةِ الإسلاميَّةِ، التي ينبغي الوقوف عندها مَلِيًّا، وليس أَدَلَّ على ذلك من ارتبَاطِ المحبَّةِ بكَمَالِ الإيمَانِ وتجذُّرِهِ في الفُؤَادِ.

إنّ محبَّةَ رسولِ اللِّه عليه الصّلاةُ والسّلامُ أمارَةٌ قويَّةٌ على رسوخِ الإيمَانِ في القلْبِ، ومخالطَةِ بَشَاشَتِهِ لسويدَاءِ الفُؤَادِ، فَتَرفَعُ صاحبَهَا إلى مَصَافِّ الملائكَةِ الأطهَارِ، وتجعلُهُ يَفْنَى عن كُلِّ الأَغيَارِ، فلا يخفَقُ قلبُهُ إلّا بحُبِّ اللّهِ ورسولِهِ، والشَّوْقِ إلى لِقَاءِ ربِّهِ، والأنسِ به، وهذا أَمْرٌ لا يصدِّقُ به إلّا مَن ذَاقَهُ، فإنّما يصدِّقُكَ من أَشْرَقَ فيه ما أَشرَقَ فيك، وللّهِ دَرُّ القَائِلِ:

أَيَا صَاحِبِي أَمَا تَرَى نَارَهُمْ؟    فَقَالَ تُرِينِــــــــــــــــــي مَا لَا أَرَى

سَقَاكَ الْغَرَامُ وَلَمْ يَسْقِـــــنِي    فَأَبْصَرْتَ مَا لَمْ أَكنْ مُبْصِـــرَا

وإذا أردنا أن نُدَلِّلَ على علاقَةِ محبَّةِ الرّسولِ عليه الصّلاةُ السّلامُ بكمَالِ الإيمَانِ وذِوْقِ حلاوِتِهِ، فلنستمِعْ إلى ما يقرِّرُهُ سيِّدُنَا رسولُ اللّهِ صلّى اللّه عليه وسلّم، كما في حديثِ البخاريِّ عن أنسٍ رضي اللّه عنه: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ، وَوَلَدِهِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» ، وفي البخاريِّ أيضا عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِشَامٍ قَالَ: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَإِنَّهُ الآنَ، وَاللَّهِ، لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الآنَ يَا عُمَرُ».

وعند الشّيخين من حديثِ أنسٍ رضي اللّه عنه أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ».

يَا لَائِمِي فِي الْهَوَى الْعُذْرِيِّ مَعْذِرَةً     مِنِّي إِلَيْكَ وَلَوْ أَنْصَفْتَ لَمْ تَلُمِ

هُوَ الْحَبِيبُ الَّذِي تُرْجَى شَفَاعَتُــــــــــهُ    لِكُلِّ هَوْلٍ مِنَ الْأهْوالِ مُقْتَحَمِ

أحبابَ رسولِ اللّهِ عليه الصّلاة والسّلام: لقد ترجَمَ الرّعِيلُ الأَوَّلُ من الصّحبِ الكرَامِ هذه المحبَّةَ في أَرْقَى صورِهَا، فكانوا بحَقٍّ أجمَلَ أنموذَجٍ يُحْتَذَى به في كَمَالِ المحبَّةِ، وصِدْقِ المودَّةِ، ولا بأس أن نمثِّلَ بنماذِجَ مُشْرِقَةٍ لذلك:

فقد ثَبَتَ في الأحاديثِ الصّحيحَةِ أنّ الصَّحَابَةَ الكِرَامَ عليهم الرّضوَانُ كانوا يتبرَّكُونَ بعَرَقِ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، ويَقْتَتِلُونَ على فَضْلِ وَضوئِهِ، تعبيرًا منهم عن شِدَّةِ حبِّهِمْ لسَيِّدِ الخَلْقِ عليه الصّلاةُ والسّلامُ، فعند مسلِمٍ من حديثِ أنسِ بنِ مالكٍ رضي اللّه عنه أنّه قال: «دَخَلَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ عِنْدَنَا، فَعَرِقَ، وَجَاءَتْ أُمِّي بِقَارُورَةٍ، فَجَعَلَتْ تَسْلِتُ الْعَرَقَ فِيهَا، فَاسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، مَا هَذَا الَّذِي تَصْنَعِينَ؟ قَالَتْ: هَذَا عَرَقُكَ نَجْعَلُهُ فِي طِيبِنَا، وَهُوَ مِنْ أَطْيَبِ الطِّيبِ» ، وفي صحيحِ البخاريِّ من طريقِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أنّه قال: «وَإِذَا تَوَضَّأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ».

أيّها الصّادقون في المحبّة: إنّ المُحِبَّ بصِدْقٍ يُنْبِيكَ لسَانُ مَقَالِهِ وحالِهِ بأمورٍ عجيبَةٍ، قد لا يصدِّقهَا عَقْلُ الإنسانِ، فَدَاعِي المحبَّةِ قد تجعَلُ المَرْءَ يَفْنَى عن الموجودَاتِ، ويَذوبُ في المحبوبِ، وقد يَذْهَلُ عقلُهُ فيغِيبَ عن المحسوسَاتِ، وقد يعبِّرُ لسانُهُ بما لا يُفْهَمُ من عبارَات، وما أَجمَلَ ما عبَّرَ به الصَّحَابيُّ الجليلُ عَمْرُو بْنُ العَاصِ رضي اللّه عنه عن تلك المَحَبَّةِ القويَّةِ لسيِّدِنَا رسولِ اللّهِ صلّى اللّه عليه وسلّم، فقد روى الإمَامُ مسلِمٌ في صحيحِهِ عن شِمَاسَةَ المَهْرِيِّ قال: «حَضَرْنَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، وَهُوَ فِي سِيَاقَةِ الْمَوْتِ، يَبَكِي طَوِيلًا، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إِلَى الْجِدَارِ، فَجَعَلَ ابْنُهُ يَقُولُ: يَا أَبَتَاهُ، أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَذَا؟ أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَذَا؟ قَالَ: فَأَقْبَلَ بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: إِنَّ أَفْضَلَ مَا نُعِدُّ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، إِنِّي قَدْ كُنْتُ عَلَى أَطْبَاقٍ ثَلَاثٍ، لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَمَا أَحَدٌ أَشَدَّ بُغْضًا لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنِّي، وَلَا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَكُونَ قَدِ اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ، فَقَتَلْتُهُ، فَلَوْ مُتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَكُنْتُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَلَمَّا جَعَلَ اللهُ الْإِسْلَامَ فِي قَلْبِي أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلْأُبَايِعْكَ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ، قَالَ: فَقَبَضْتُ يَدِي، قَالَ: «مَا لَكَ يَا عَمْرُو؟» قَالَ: قُلْتُ: أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ، قَالَ: «تَشْتَرِطُ بِمَاذَا؟» قُلْتُ: أَنْ يُغْفَرَ لِي، قَالَ: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟ وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا؟ وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟» وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا أَجَلَّ فِي عَيْنِي مِنْهُ، وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلَأَ عَيْنَيَّ مِنْهُ إِجْلَالًا لَهُ، وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ مَا أَطَقْتُ؛ لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلَأُ عَيْنَيَّ مِنْهُ، وَلَوْ مُتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَرَجَوْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» الحديث.

أقول ما تسمعون، وأستغفِرُ اللّهَ الحليمَ العظيمَ لي ولكم، ويا فوزَ المستغفرين أستغفِرُ اللّهَ.

الخطبة الثانية

الحمدُ للّهِ وَكَفَى، والصّلاةُ والسّلامُ على النّبيِّ المصْطَفَى، ومن بآثَارِهِ اقْتَفَى، وبعهْدِ اللَّهِ وَفَّى، وسَلَام على عبَادِهِ الذين اصْطَفَى، وبعد:

عبادَ الله: إنّ حَيَاةَ الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم وأخلاقَهُ وسيرتَهُ مَعينٌ لا يَنْضَبُ، وبَحْرٌ لا سَاحِلَ له؛ ولا قَرَارَ، فهو الكَمَالُ والنُّورُ والضِّيَاءُ، تَمَثَّلَ في سلوكِهِ كُلَّ خُلُقٍ حَسَنٍ، وصِفَةٍ حميدَةٍ.

وإذا كان دليلُ المَحَبَّةِ الأصدَقُ، وبرهانُهَا السَّاطِعُ، طَاعَةَ رسولِ اللّهِ صلّى اللّه عليه وسلّم، بامتثَالِ ما به أَمَرَ، واجتنَابِ ما عنه زَجَرَ، إذِ المُحِبُّ لمَن يُحِبُّ مُطِيعُ، مصدَاقًا لقولِهِ تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [آل عمران: 31]، فإنّ هذه المحبَّةَ الصّادقَةَ تقتضي الاقتدَاءَ بهديِهِ، والاستنَانَ بِسنَّتِهِ، واقتفَاءَ أثرِهِ، ومنه كان لِزَامًا على كُلِّ مسلِمٍ أن يدرسَ سيرتَهُ العطِرَةَ، ويَتَمَثَّلَ شمائِلَهُ الزَّكِيَّةَ، في جوانب حياتِهِ كلِّهَا.

أخي الشّاب: إذا نظرت لفترَةِ شبابِهِ وصبَاهُ صلّى اللّه عليه وسلّم وجدّتَهُ مثَالًا للشّابِّ القويمِ العفيفِ الشّريفِ، لا يغشى مَجَالِسَ اللّهوِ والمجونِ والرَّفَثِ والفسقِ، كما هو حالُ أقرانِهِ.

أخي المعلّم: إذا تَأَمَّلْتَ جانِبَ المعلِّمِ والمُرَبِّي في شخصِ رسولِ اللّهِ صلّى اللّه عليه وسلّم، وجَدْتَ خطَابَهُ يخترِقُ القُلُوبَ والأفئدَةَ، فيذيبُ جليدَهَا، ويُفَتِّحُ أقفالَهَا، وها هو في وصيَّتِهِ لمعَاذِ بنِ جبلٍ وأبي موسى الأشعريِّ رضي اللّه عنهما يوصيهمَا قائلًا: «يَسِّرَا وَلاَ تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلاَ تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلاَ تَخْتَلِفَا»، وكًلُّ مَنْ وَصَفَ الرّسولَ صلّى اللّه عليه وسلّم ذَكَرَ خُلُقَهُ الرّفِيعَ وأسلوبَهُ الرّاقِي.

أخي الزّوج المسلم: إذا تمعّنْتَ جانبَ الزّوج فيه صلّى اللّه عليه وسلّم، وجدتَهُ نِعْمَ الزّوجُ خُلُقًا وأَدَبًا وعِشْرَةً، أليس هو القائلُ: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي»، والقائلُ في شأنِ من يضرِبُ زوجَتَهُ: «لَيْسَ أُولَئِكَ بِخِيَارِكُمْ».

أخي القاضي المسلم: إذا نظرت إلى قضائِهِ صلّى اللّه عليه وسلّم وجدتَهُ عَادِلًا، يبسُطُ وجْهَهُ للمتخاصمين بالسَّوِيَّةِ، ويقضي بما لَاحَ من الأدلَّةِ، دون محابَاةٍ أو ميلٍ أو محسوبيَّةٍ أو تعصُّبٍ أو رشوةٍ، أليس هو القائِلُ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مِمَّا أَسْمَعُ مِنْهُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ، فَلاَ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ».

وهكذا نجِدُ النّبيَّ صلّى اللّه عليه وسلّم سائِسًا حكيمًا، وقَائِدًا حصيفًا، ومفتِيًا معلِّمًا، ومصلِحًا عبقرِيًّا، يجِدُ كُلُّ امرئٍ مسلِمٍ في خُلُقِهِ صلّى اللّه عليه وسلّم ضَالَّتَهُ، فهو القدوَةُ المطلقَةُ والأسوَةُ العُلْيَا عليه الصّلاةُ والسّلام.

وَكُلُّ خَيْرٍ فِي اتِّبَاعِ مَنْ سَلَفْ   وَكُلُّ شَرٍّ فِي ابْتِدَاعِ مَنْ خَلَفْ

وَكُلُّ هَدْيٍ لِلنَّبِّي قَـدْ رَجَـحْ    فَمَا أُبِيحَ افْعَلْ وَدَعْ مَـا لَـمْ يُبَـحْ

إخوةَ الإيمان: ليس لنا حينما نَقِفُ أَمَامَ عظمَةِ رسولِنَا صلّى اللّه عليه وسلّم إلّا أن تسجُدَ جباهُنَا لعظمَةِ مَنْ اصطفَاهُ واجتبَاهُ، وأرسلَهُ معلِّمًا، ومربّيًا، وهاديًا، وبشيرًا، ونذيرًا، ثمّ تشهدَ قلوبُنَا وألسنتُنَا بشهادَةِ الحَقِّ له في محكَمِ التّبيَانِ (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم: 4].

أمّةَ الخيريّة: تَأَسَّوا بحبيبِ الحَقِّ محمَّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، واهتدوا بهديِهِ، واسْتَنُّوا بسنَّتِهِ، والتزمُوا طريقَتَهُ المُثْلَى: شَابًّا وكهْلًا وزَوْجًا وقَاضِيًا وحاكِمًا وإمامًا ومُصلِحًا، وحِّدُوا صفوفكمْ، وانْبُذُوا خلافاتِكُمْ، واقطعُوا دَابِرَ الفتنَةِ فيما بينَكُمْ، وحَافِظُوا على أَمْنِ بلدِكُمْ، وضَعُوا أيديكُمْ بأيدي بعضِكُمْ، لبنَاءِ صَرْحِ وطنِكُمْ، وإيَّاكُمْ والانجرَارَ وَرَاءَ نَاعِقِ الفُرْقَةِ والفِتْنَةِ، فإنّها دعاوى منتنة، لا تُبْقِي ولا تَذَرُ، واذكروا نِعَمَ اللّهِ عليكم: وحدَةٌ بعد فُرْقَةٍ، وأَمْنٌ بعد خَوْفٍ، ورَخَاءٌ بعد شِدَّةٍ، واستقرَارٌ بعد فتنَةٍ، ثمّ أكثرُوا من الصّلاةِ والسّلامِ على رسولِ اللّهِ صلّى اللّه عليه وسلّم في هذا اليومِ المبارَكِ الأَغَرِّ، فإنّه من صَلَّى عليه صَلَاةً وَاحدَةً صَلَّى اللّهُ عليه بها عَشْرًا، فاللّهمّ صَلِّ على محمَّدٍ وعلى آلِ محمَّدٍ، كما صلّيتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ، وبارك على محمَّدٍ وعلى آلِ محمّدٍ، كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالمين، إنّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ.

عبادَ اللّه: إنّي داع فَأَمِّنُوا.

للتصفح والتحميل:

جَامعُ الجزائر مركزٌ دينيّ، عِلميّ، ثقافيّ وسياحِيّ، يقعُ على تراب بلديّة المُحمَّديَّة بولاية الجزائر، وسط خليجها البحريّ. تبلغُ مساحته 300.000 متر مربّع، يضمّ مسجِدا ضخما للصّلاة، يسع لـ 32000 مصلٍ، وتصلُ طاقة استيعابِه إلى 120 ألف مصلٍ عند احتساب صحنه وباحَاته الخارجيّة.
قاعة الصّلاةِ وصحنها الفسـيح، جاءت في النّصوص القانونيّة المُنشِأة للجامع، تحتَ تسميةِ “الفضاء المسجدِيّ”.
ويضُمّ المجمّعُ هياكلَ أخرى ومرافقَ سُمّيت بالهَيئات المدمجة، ووجدت هـذه المرافق لتُساهم في ترسـيخِ قِيم الدّين الإسلاميّ من: قرآن منزّلٍ وسنّةِ مطهّرة على صاحبها أفضل الصّلاة وأتمّ التّسليم، وكذا للحِفاظ على المرجعيّة الدّينيّة الوطنيّة، بما يخدُم مكتسبات الأمّة ويحقّق التّواصل مع الغير.
وجامع الجزائر هـو معلم حضاريّ، بِهندسته الفَريدة، التي زَاوجـت بين عراقة العِمارة الإسلاميّة بطَابعها المغَاربيّ الأندلسيّ، وآخِر ابْتكارات الهندسة والبِناء في العالم، حيث حقّق عدّةَ أرقامٍ قيَاسيةٍ عالميةٍ في البناء.
فمن حيث الأبْعادُ الهنْدسيةُ، يُعدّ الجامع بين المساجد الأكبر والأضْخَم عبر العالم، بل هو ثالث أكبرِ مسجدٍ في العالم بعد الحرَمين الشريفَين بمكة المُكرّمَة والمدينَةِ المنوّرَة، وهو أكبر مساجد أفْريقيا على الإطلاق، فمساحة قاعة صلاته تبلغ 22 ألف متر مربع، وقُطر قبته 50 مترا، وفُرِش بـ 27 ألف متر مربع من السجّاد الفاخر المصنوعِ محليّا، وتزيَّنت الحوافّ العلويّة لجدرانه بـ 6 آلاف متر من الزّخرفة بمختلف خطوط الكتابة العربيّة.