Scroll Top

كلمة عميد جامع الجزائر في المؤتمر الدّولي السّنوي الثامن والثّلاثون لسيرة المصطفى ونصرته ﷺ بموريتانيا

كلمة السيّد عميد جامع الجزائر، الشّيخ محمّد المأمون القاسميّ الحسنيّ، بعنوان:
“دور المؤسّسات الرّوحيّة في تحصين الأمن الفكريّ، وتعزيز التماسك والانسجام الاجتماعي”، في المؤتمر الدّولي السّنوي الثامن والثّلاثون لسيرة المصطفى ونصرته، عليه الصّلاة والسّلام، بالعاصمة الموريتانية نواكشوط:

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين
الحمد لله الذي جعل الأمنَ في القلوب أصلَ كلّ أمن غذاؤه القرآن،
والصّلاة والسّلام على أشرف المرسلين وسيّد ولد عدنان.
بعثه الله رحمة للعالمين، وسلامًا وأمانًا للنّاس أجمعين.
فخامة رئيس الجمهورية الإسلاميّة الموريتانيّة، السيّد محمّد ولد الشيخ الغزواني، حفظه الله.
صاحب السماحة والمعالي الشيخ محمد الحافظ النحوي، رئيس التجمّع الثّقافيّ الإسلاميّ في موريتانيا وغرب إفريقيا.
أصحاب السّماحة والفضيلة، المشايخ والعلماء.
أصحاب المعالي والسعادة، الوزراء والسّفراء.
حضرات الأساتذة الأفاضل. أيّها الحضور الكريم.
السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أمّا بعد:
فيطيب لي، في مستهلّ كلمتي، أن أحيّي ملتقاكم المبارك؛ وأشكر القائمين عليه دعوتهم الكريمة.
الشكر والتقدير لهذا البلد الكريم، قيادة وشعبا، لموريتانيا، معدن السخاء والعطاء، وأرض المصلحين والعلماء.
سائلًا الله تعالى لأعمالنا التّوفيق والسّداد، واطّراد النجاح.
حضرات السّادة؛
إنّ اجتماعنا في رحاب ذكرى من بُعث للعالمين بالهدى في مواطن الضّلال والوثنيّة، وبالبصيرة في مواطن العمى والجاهليّة، ليُعدُّ من أعظم مظاهر نصرة المصطفى ﷺ، لا بالمديح والخطاب فحسب؛ بل بنشر هديه في الواقع المُتعَب المرير، وبثّ الأمن الروحي في نفوس العباد، في عالم اختلّت فيه الموازين، وفي محيط فقد الرّشد وعدم لديه اليقين.
إنّ حفظ الرسالة الروحية الّتي جاء بها النبيّ ﷺ إنّما هي جهادٌ، قوامُه إصلاحُ الباطن، وتصحيح النِّيّة، وتزكية القلوب، وتوحيد الصفّ، ودفع أسباب العنف والأحقاد، قبل أن تكبر الضّغينة في القلوب، وتسود الشّحناء في النفوس. ونحن في ملتقانا هذا، يحدونا الأمل في أن نعمل معًا لتحويل “سيرة المصطفى ﷺ” من مجالس استذكار، إلى مدارس استبصار، ومن نصرةٍ بالقول، إلى نصرةٍ بصناعة السّلم، الّذي يبدأ بالرّوح، بالتضحية والشهادة في سبيل الله، وينتهي بالبناء وإصلاح المجتمع والإنسانيّة جمعاء.
لقد ابتُليت الأمّة، في عصر الفتن المتلاطمة، بتغييب تعاليم إفشاء السّلم والسّلام في القلوب والضمائر، فلم يسلم المسلمون فيما بينهم، لا في عرض ولا في دم ولا مال. فكثر الهرج والمرج، وانعدم الأمن، وتعالت الأصوات النّشاز، وقلّ الإصغاء، وضاعت لغة القلوب في صخب المصالح وتناحر الأهواء.
ومن هنا، كانت الدّعوة إلى هذا المؤتمر الموسوم بعنوان: “الأمن الروحي وأثره في السّلم والسّلام”، تعبيرًا بليغًا عن أنّ قلب الأمّة العليل يحتاج إلى معالجة أسبق لا تقلّ أهمّية عن معالجة أمن الحدود وسلامة الأقاليم والأوطان.
فبعد عشريّات متتالية من الفرقة والشّقاق والتناحر، ثبت للعيان أنّ الغلوّ لم يُطفأ، ولن يطفأ بقوّة السلاح، بل بمصابيح الكلمة وأنوار المعنى، كما تلقّيناها عن نبيّ الهدى ﷺ، حيثُ جعل “الكلمة الطّيّبة صدقة”، و “التبسّم في وجه الأخ عبادة”، و“إصلاح ذات البين أفضل من الصّلاة والصّيام والصّدقة”.؛ تحقيقا لوحدة الأمّة المسلمة، الّتي تُعدّ من أعظم مقاصد الشريعة، وأبرز عوامل قوّتها واستقرارها؛ إذ تشكّل هذه الوحدة السّياج الّذي يحميها من التفكّك، والدّرع الذي يصدّ عنها الفتن والتدخّلات الخارجية. ولكن هذه الوحدة مهدّدة دومًا بالنّزاعات والخلافات الّتي قد تطرأ بين الأفراد أو الجماعات، أو حتّى بين الدول وبعض الهيئات والمؤسّسات.
أهمّية إحياء فقه فضّ النّزاعات:
ومن هنا يبرز دور “فقه فَضِّ النزاعات” كوسيلة شرعيّة بالغة الأهمّية لضبط الخلافات، واحتوائها، وتحويلها من عناصر ضعف إلى أسباب تقوية، بما يعزّز وحدة الأمّة ويحقن دماءها ويحفظ كرامتها.
فهو علمٌ شرعي يهتمّ بكيفيّة التّعامل مع الخلافات، ومعالجتها بالحكمة والعدل، وفقاً للضّوابط الشرعية، التي تحقّق السّلم المجتمعيّ وتحفظ وحدة الأمّة. وهو أيضا ليس مجرّد فرع فقهيّ محدود، بل هو ضرورة حضاريّة، ومطلب شرعيّ في كلّ زمان ومكان.
وفي عالمنا المعاصر، حيث تكثر الخلافات وتحتدّ النّزاعات، فإنّ الأمّة الإسلاميّة أحوج ما تكون إلى إحياء هذا الفقه، وتفعيله في واقعها السّياسي والاجتماعي، حتّى تستعيد وحدتها وقوتها، وتسير بخطى ثابتة نحو مستقبل يعمّه السّلام والتّماسك والرّحمة.
وعندما يُفعّل فقه فضّ النّزاعات، تظهر ثماره جليّة في واقع الأمّة، بتعزيز الاستقرار والسّلم المجتمعي، والحيلولة دون الاقتتال والانقسام، والإسهام في منع التدخّلات الخارجيّة الّتي تستغلّ النّزاعات لبثّ الفتنة، وتقوية الروابط الأخويّة بين أفراد الأمّة، وإرساخ ثقافة العدل والتسامح والتفاهم بدلاً من ثقافة الإقصاء والانتقام.
وقد وضع الإسلام أسسًا واضحة في معالجة الخلافات والنّزاعات، تقوم على العدل، والرّحمة، والحوار، ومن أبرز الوسائل الشّرعية في هذا الفقه، الحوار والمجادلة بالحسنى، والتّحكيم، والصّلح، والتّسامح والتّنازل طلبا للأجر والثواب، حيث يحثّ القرآن الكريم على مخاطبة الآخر بأدب واحترام، كما في قوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصّلت: 34].
ولنا أن نتأسّى في ذلك برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكيف كان يعالج النّزاعات بالحكمة والبصيرة، ومن أعظم الأمثلة على ذلك صلح الحديبيّة، الذي قبله النّبي-صلى الله عليه وسلم- رغم ظاهره الذي لا يبدو لصالح المسلمين، لكنّه كان في حقيقته فتحًا عظيمًا ومقدّمة لنشر الدّعوة بسلام؛ مصداقًا لقوله تعالى: ﴿إنًّا فَتَحۡنَا لَكَ فَتۡحٗا مُّبِينٗا. لِّيَغۡفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكَ وَيَهۡدِيَكَ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا. وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصۡرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح: 01 – 03]. ومن أمثلته ما رواه الشّيخان: “أنّ رجلًا من المهاجرين كسع رجلًا من الأنصار، فنادى الأنصاريّ: يا للأنصار، وقال المهاجريّ: يا للمهاجرين. فتدخّل النبيّ، صلّى الله عليه وسلّم، للإصلاح، وقال: ما بال دعوى الجاهليّة. دعوها فإنّها منتنة.”
كما كان التّحكيم بين الصحابة بعد بعض الفتن، وإن كان موضوعًا معقّدًا، لكنّه يدلّ على حرصهم على حقن الدّماء، والبحث عن حلول شرعيّة للنّزاع.
ولابدّ لنا أن نتسلّح في ذلك بقيم الإسلام وقواعد فقه الخصومات وفكّ النّزاعات؛ لأنّ الأمن الروحي لا يتأتّى إلّا بتطهير القلوب من أدران الحقد والغلّ، وتزكية النفوس من شوائب الفرقة والبغضاء، الّتي تُعكِّر صفو العلاقات الإنسانية.
إنّ فقه الخصومة، كعلم شرعيّ يهدف إلى تحقيق مقاصد شريعتنا السّمحة، ليس مجرّد قواعد تتّبع، بقدر ما هو منظومة أخلاقيّة متكاملة، تحفظ روابط الأخوّة والمحبّة، وتجنّب الشّقاق والفرقة؛ وهي منظومة نابعة من صميم التوجيهات الربانية التي تحثّ على العفو والتّسامح، وتنهى عن التمادي في الخصام. قال تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا، أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: 22]. لقد تجاوزت هذه الآية الصفح والعفو والتسامح، كمفهوم فقهيّ، لترتقي بالدعوة إلى التّحلّي بفضيلة الإحسان.
لذلك لابدّ من الاشتغال بفكّ الخصومات ومعالجة أسبابها ومحفّزاتها، حتّى تزول أيّ معوّقات للتواصل الإيجابيّ في المجتمع ولجم عنفوان الكراهية. فلا أمن ولا أمان ولا ازدهار في أمّة يسودها التناحر والانقسام؛ ولنا في بلداننا اليوم براهين كثيرة على ذلك.
إنّ بناء مجتمع متآلف متراحم لا يستوي في ظلّ غياب التبصّر بالمفاهيم الفقهية لفكّ الخصومات وردّ المظالم، والإحسان إلى النفس وإلى الغير. وقد أشار نبيّنا الأكرم ﷺ إلى هذه المبادئ بوضوح، حين قال: “لا يحلّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا، ويعرض هذا؛ وخيرهما الّذي يبدأ بالسلام” (صحيح البخاري).
إنّ الرفعة في التواضع، والسّماح في حقّ الذات، والمبادرة بالصلح، من فضائل أهل الإيمان. وليس ذلك في العزّة بالإثم، والإصرار على المعاداة وإكنان الضغائن: فمن يتنازل عن حقّه في الخصومة، ابتغاء وجه الله تعالى، يجسّد جوهر الإيمان، وهو إشاعة المحبّة في الله والبغض في الله، وهي القاعدة الذهبية التي يجب أن تحكم الأمن الروحي للأفراد والمجتمعات، وتمنحهم الحصانة والمناعة من ويلات الفتن، والحروب، والمآسي التي باتت تلمّ بالشعوب، شرقا وغربا.
أهمّية الأمن الرّوحي.
حضرات السّادة.
إنّنا في جامع الجزائر، نعتبر هذا المشروع لبنةً في بناء المنظومة التي نستعيد بها دور العلماء في الإصلاح، وتحصين الأجيال، وتربية النشء على المحبّة قبل الحُجّة، وعلى الوسطيّة والاعتدال، وعلى جعل الاختلاف رحمة، كما أراده الإسلام، اختلاف تعدّد وتنوّع وتكامل. كما نعتبر الأمن الرّوحيّ هو الأصل الّذي، إذا استقام، استقامت الأوطان، وإذا اختلَّ، اضطرب العمران، ولو استقامت الجدران.
وفي ملتقانا هذا، أتحدّث من منطلق الرّسالة الإصلاحيّة والاجتماعية الّتي تؤدّيها المؤسّسات الرّوحيّة؛ وهي رسالة متكاملة، تتّسم بالشمول والتنوّع؛ وتستهدف، فيما تستهدف، حفظ كيان المجتمع، وضمان تماسكه، والحفاظ على وحدته ومرجعيته.
وأركّز في حديثي على مقوّمات المرجعية الدّينيّة الجامعة، باعتبارها صمام أمان؛ وكانت لمجتمعاتنا المغاربيّة، عبر العصور والأجيال، حصانة ذاتيّة من التطرّف والغلوّ في الدّين، الّذي كان سبب هلاك السّابقين؛ كما جاء في قول رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم: “إيّاكم والغلوّ في الدّين، فإنّما أهلك من كان قبلكم الغلوّ في الدّين”. لقد كان أكبر همّنا العمل للمحافظة على وحدة المجتمع وانسجامه، والتّصدّي للحركات المتطرّفة، والتّيارات الدّخيلة، الّتي تهدّد السّلم الاجتماعي والأمن المدني؛ ممّا يدعونا جميعًا إلى الوقوف صفّا واحدا لدرء خطرها، بعد أن شهدت بلداننا، في الأزمنة المتأخّرة أحداثا، عرفت خلالها محنًا شدادًا؛ وكادت تعصف بها الفتن، لولا لطف الله ورحمته؛ حيث انحرفت فئات من شباب الأمّة عن طريق الرشاد، وحرمت الرّؤية الصّحيحة؛ فانغلقت على النّاس الأبواب، وراحوا يبحثون عن مفتاح لمشكلاتهم؛ ويتطلّعون إلى يد تزرع روح الوئام في بلدانهم.
المرجعيّة الدّينيّة الجامعة: العقيدة الأشعريّة، والمذهب المالكي، والتّصوّف السّني.
ونحن، حين نتحدّث عن المرجعيّة الدّينيّة، يطيب لنا أن نذكّر بالمنهج العلميّ والتربويّ، الّذي تعتمده الشّعوب المغاربيّة، منذ الماضي البعيد، وإلى اليوم، في العقيدة والفقه والسلوك؛ ويلخّص هذا المنهج قول الإمام عبد الواحد بن عاشر، في مطلع منظومته الّتي تدرّس في الزوايا والمعاهد العلمية:
في عقد الأشعريّ، وفقه مالك، وفي طريقة الجنيد السّالك
فالعقيدة الأشعرية هي عقيدتنا جميعًا، مثلما هي عقيدة السّواد الأعظم من المسلمين؛ وهي عقيدة أهل السّنة والجماعة. ومن أهمّ مميّزاتها الوسطيّة؛ فقد عُرفت بتوسّط فكرها بين مدرسة النقل ومدرسة العقل. ولا ريب أنّ المنهج الصحيح هو الذي يجمع بين نور الشرع وأداة العقل؛ باعتبار العقل سبيلا إلى استنباط الأحكام التشريعية، وإدراك مقاصد الشريعة وغاياتها السامية.
ومذهبنا في الفقه هو مذهب الإمام مالك، رضي الله عنه. ومن فضل الله علينا أن اختار لهذا الجزء من العالم الإسلامي، في بلدان المغرب وإفريقيا، أن تتوحّد شعوبها، في عباداتهم ومعاملاتهم، على مذهب إمام دار الهجرة؛ فقد اتّسم المذهب المالكي بالتوسّط والاعتدال، ومراعاة الخلاف، وهو منهج الإسلام؛ وعُرفت المدرسة المالكية، في مناهج تعليمها، بالعمل لتوحيد أهل المغرب الإسلاميّ، عقيدة وفكرَا، ومذهبا وسلوكا. واستطاعت أن تعرّب لسانهم، وتوحّد لغتهم الدينية والعلمية؛ وقد حظيت بتبنّيهم لها، حتّى أصبحوا من أكبر روّادها وحاملي منهجها.
لقد كانت مدرسة واحدة، في أصولها، موحّدة المنهج واللّغة والفكر؛ تؤثّر في تربية الناس، وتوحّد سلوكهم، وتؤثّر في علاقاتهم وتعاملاتهم الاقتصادية والسياسية، وفي علاقاتهم مع غيرهم من المسلمين؛ كما تؤثّر في نظرة الناس إلى الكون والحياة والإنسان.
ومنهجنا في السّلوك والتصوّف هو طريقة الإمام الجنيد. وما التصوّف، بصورته الناصعة، إلاّ حياة روحية راقية، واستقامة على الطريق، ومجاهدة للنفس وأهوائها. إنّها الحياة الإسلاميّة المتكاملة، الّتي ترتفع بالإنسان المخلوق إلى معرفة خالقه، وعبادته ومحبّته، وإيثاره على كلّ ماسواه، عن طريق تزكية النفس، ومجاهدتها في الله، حتى يهديها سبيله، وتنتصر على أهوائها وشهواتها الظاهرة والباطنة. ولا فلاح للنفس البشرية إلاّ بالتزكية. كما قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشّمس: 07-10].
وقمّة الحياة الرّوحيّة تتجلّى في سيرة رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، المثل الأعلى للسموّ الروحيّ، والعظمة الأخلاقيّة، والتدرّج في سلّم الكمالات الإنسانيّة؛ فهو، عليه الصلاة والسّلام، خير من وازن بين مطالب الروح ومطالب الجسد، بين المثال والواقع، بين حقوق الله وحظوظ النفس؛ ومن بعده خلفاؤه، وأصحابه، وتلاميذهم، وتلاميذ تلاميذهم، والتابعون لهم بإحسان.
حضرات السّادة؛
إنّ أمننا وأماننا، في عقيدة متصالحة مع تاريخ الأمّة، وقيمها الدينية، وفي فقه مستمدّ من أصول ديننا ومنابعه الأولى، ونهج يسمو بالفرد إلى معالي القرب من الخالق. فلا ينبغي لمجتمعاتنا أن تقع ضحيّة الدنيويّة الجارفة، والتطرّف المقيت، كما لا ترتضي أن تكون منبرا للمعاداة وزرع الفرقة والخلاف، ومطيّة للمساس بالأمن العامّ، في ربوع البلدان.
إنّ بلداننا المغاربية هي إحدى القلاع التي لاتزال واقفة، محصّنة، متمكّنة من التحدّيات الّتي تترصّدها، لا لشيء، إلّا لمناعتها الفكرية والروحية الّتي تستمدّها من مرجعيّتها الدينية الجامعة، الموحّدة للقلوب والألسن والأوطان.
نحن في هذا المقام، نتحدّث عن تحدّيات الحاضر والمستقبل؛ وعن أولويّات رسالتنا، منذ عقود؛ ويأتي في طليعتها حماية المجتمع المسلم من المخاطر التي تهدّد أمنه وتماسكه. لقد كنا وما زلنا نعتقد أنّ أكثر الأولويات إلحاحا الحفاظ على الوحدة الجامعة، وقطع الطّريق على المذاهب الوافدة، والنّحل الضّالة، والتّصدّي للتّيارات الدخيلة المفرّقة، ولاسيما التيار التكفيري الذي يتغذّى من إشاعة الفهوم الخاطئة للدّين، والتأويلات الباطلة لمقاصد شريعته.
فما تشهده مجتمعاتنا، في واقعها الراهن، هو أكثر خطورة، وأعمق تأثيرا ممّا كان عليه الأمر، من قبل. فقد برزت فكرة الطائفية من جديد، وهي تلقى العناية والرعاية، تحت ذرائع متنوّعة؛ كما توافرت لها سياقات إقليمية ودولية، شجّعت أنصارها على التّهديد بتدمير مكتسبات الوحدة والاندماج المتراكمة منذ قرون، في هذه البلدان.
دور المؤسّسات الرّوحيّة والعلماء.
إنّ ما نسعى لتحقيقه اليوم؛ هو التعاون على ما يفيد الأمّة، ويرأب صدعها، ويجمع صفوفها، ويوحّد بين فئاتها. وهذا ما ينبغي أن يوليه الخطاب الديني كلّ عناية واهتمام. فالمطلوب من العلماء والدّعاة وأئمّة المساجد أن ينشروا مزيدًا من الوعي بين المسلمين، لإبعادهم من شرور الغلوّ والتعصّب. عليهم أن يذكّروا باستمرار أنّه لا يحقّ لأحد أن يزعم أنّه وحده على حقّ، وأنّ غيره على باطل وضلال. والمنهج الصحيح هو احترام رأي الآخرين واختياراتهم، وتجنّب التعصّب المفضي إلى إقصائهم.
حضرات السّادة؛
لقد ابتعدنا كثيرا عن أساسيّات الحياة الإسلامية الكريمة، المتآلفة، المتصالحة مع تعاليم ديننا وشريعتنا، وتأثّرنا بأفكار دخيلة لا تمتّ للعلم الشرعي بصلة، فخفتت أصوات العلماء؛ وتعالت أصوات المغامرين؛ وهو ما يحمّلنا جميعا مسؤوليّات عظاما، أمام الخالق سبحانه، وأمام الأمّة جمعاء.
لقد كان علينا أن نتصدّى لفكر لم يصدّر للأمّة سوى عوامل التفرّق والتمزّق؛ فضلا عن جفاف الأرواح، واختلاف القلوب، وتزهيد طائفة من المسلمين في حبّ نبيّهم، والتأسّي بقدوتهم، وحجبهم عن مصادر النور كيلا ينفذ إلى قلوبهم. إنّه الفكر المتطرّف الذي تنشره مؤسّسات دينية في معاهد علمية وعبر منابر إعلامية؛ ومنهجه تؤكّده رسائل جامعية مازالت تُناقش وتؤهّل، بالاعتماد على مرجعيتها الفكرية والعلمية.
فنحن ما فتئنا نبيّن حقيقة الأضرار التي تلحقها الحركات المتطرّفة في المجتمعات؛ ونؤكّد أنّ الإرهاب الذي تنتجه مدمّر للسّلم الاجتماعيّ، مهدّد لتماسك النسيج الوطنيّ.
التّحدّيات التغريبيّة المعاصرة، والمشروع الحضاري المتوازن.
كما نتصدّى لهذا التيار الدخيل الوافد على مجتمعاتنا المسلمة، فإنّنا كذلك نحذّر من مخاطر تيار تغريبي، يعمل دون هوادة لكي تظلّ مجتمعاتنا تحت الهيمنة الثقافية والحضارية للغرب. تيّار يريد للأمّة أن تتنكّر لهوّيتها، وتتجرّد من ثوابتها، وتتنازل عن خصوصيّاتها. يريد أن تشيع فيها مظاهر الاغتراب وثقافة الاستلاب. يريد للأسرة المسلمة أن تنساق وراء الشعارات البرّاقة، وتستجيب للدعوات المشبوهة، الّتي تقلب سلّم القيم؛ ويراد منها تحطيم منظومة القيم الأخلاقيّة، وإحلال القيم الهابطة محلّها، لتمييع شباب الأمّة، وإسقاط المرأة في أوحال الرذيلة والفساد. وهذا ما يسعى إليه دعاة الإباحية والتغريب. يريدون لنا أن نكون نسخة من المجتمعات الغربية المنحلّة؛ حيث يُترك للناس الحبل على الغارب، يعيشون كما يشتهون، بلا ضابط ولا زاجر، ومن غير وازع ولا رادع، باسم الحداثة، وشعار الحرّيات الشخصية، وسوء استعمال هذه الحرّيات المغشوشة، الّتي تردينا المهالك، وتسلك بنا أسوأ المسالك. إنّهم يريدون لمجتمعاتنا أن تنجرّ إلى مهاوي الحضارة المادّية، الخاوية من مقوّمات الروح والإيمان. وإذا كانت هذه الحضارة قد حقّقت التقدّم العلميّ، والرفاه الماديّ، فإنّها أهملت الجانب الإنسانيّ، وتجاهلت المصير الأخرويّ؛ كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ. يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: 6-7]. وواضح أنّ الحضارة السائدة توشك أن تنحدر إلى الهاوية، لأنّها فرّطت في أهمّ مقوّمات البقاء؛ حيث أهدرت القيم الإنسانية؛ وتجاهلت روح الإنسان وقلبه ووجدانه؛ ولم تنسجم مع فطرته التي فطره الله عليها؛ بل قدّمت له الشهوات البهيمية، بدعوى الحرية الشخصية؛ وراحت تقنّن للشذوذ، وتشرّع للانحراف. وهكذا ساد المجتمعات الغربية قلق نكّد على الناس الحياة؛ وما فتئت صيحات العقلاء تتعالى، من هنا وهناك، منذرة بسوء مصير البشرية، في ظلّ الحضارة المادّية.
إنّ نظرتنا هذه إلى الحضارة الغربية، لا تعني تجاهل جوانبها الإيجابية؛ بل إنّ علينا أن نأخذ منها ما يفيد أمّتنا في بناء حياتها، وتحقيق تقدّمها وازدهارها؛ ونترك ما يضرّ بحقوقها ومصالحها، أو يهدّد بطمس هُوّيتها ومقوّمات شخصيّتها.
نحن ندرك أنّنا طرف في صراع حضاري غير متكافئ؛ ولكنّ ذلك لا ينبغي أن يثنينا عن السّعي لتحقيق معاني التفاعل الإيجابي مع الغير، والتفتّح الواعي عليه، والاستفادة الحكيمة ممّا لديه، والإصرار على إظهار ما عندنا ممّا هو حقّ لا يمكن التغاضي عنه ولا المساومة فيه.
إنّ المشروع الّذي نتطلّع إليه مشروع حضاريّ يناسب رسالتنا في الحياة، وغايته العودة بأمّتنا إلى مكانتها المستحقَّة من الحياة. المشروع الّذي ننشده هو الّذي يصل الإنسان بربّه، ويرسّخ الإيمان في قلبه. فالإنسان، أينما كان، بحاجة إلى البعد الروحي، ليحقّق توازنه، ولتستقيم أحواله. ولن يعود إليه هذا التوازن إلاّ يوم يستقيم على عبادة الله؛ فلا يخضع إلاّ لله؛ ولا يعتصم إلاّ بحبل الله. ﴿ومن يعتصم بالله، فقد هدي إلى صراط مستقيم﴾ آل عمران/101. فما أحوج البشرية إلى هداية الإسلام، لتتحرّر من عبودية الدّنيا وضيقها، وترتقي إلى عبودية الله، وإلى سعة الدّنيا والآخرة.
هذا، وفي الختام، ندعو الله تعالى أن يجزي القائمين على هذا المؤتمر المبارك خير الجزاء، ويبارك في جهود العاملين لصيانة الأمن الروحيّ، وتثبيت المرجعيّة الدّينيّة الجامعة. ونسأله، جلّت قدرته، أن يجعل أعمالَنا خالصةً لوجهه الكريم؛ ويمنّ علينا بدوام التوفيق والسّداد؛ ويسلك بنا جميعًا سبيل الهداية والرّشاد.
والحمد لله ربّ العالمين.