Scroll Top

كلمة عميد جامع الجزائر في اليوم الدّراسي حول: “المفكّر مولود قاسم نايت قاسم: الرّجل والمشروع”

بسم الله الرحمن الرحيم

كلمة السيّد محمّد المأمون القاسمي الحسني عميد جامع الجزائر

في اليوم الدّراسي حول: “المفكّر مولود قاسم نايت قاسم: الرّجل والمشروع”.

يوم السبت 04 ذي الحجّة 1446هـ، الموافق 31 ماي 2025م.

 

 حضرات السّادة والسيّدات.

نتحدّث، في هذا اللّقاء المبارك، عن المفكّر مولود قاسم، الرّجل والمشروع. رجل ليس بين ألقابه وأفعاله مسافة: نتحدّث عن الوزير الأمين، والوطنيّ الجزائري الأصيل.

لم يكن مولود قاسم، منذ عرفته، يلبس ثوب الوزير، بل كان يتنفّس هواء الجزائر، ويكتب بقلم المفكّر، وينطق بلسان المصلح، ويمارس سلطاته بعقل المربّي وضمير المجاهد.

فمن النّادر، في التّجربة الوطنيّة، أن نجد رجلا كانت مسؤوليّاته امتدادا لشخصيّته، ومواقفه امتدادًا لتربيته، ومهامّه امتدادًا لإيمانه ومبادئه.

وللإفادة، في هذا المقام، أشير إلى بداية صلتي بالوزير مولود قاسم، رحمه الله:

جمعتني به مدرسة ابتدائية كان يديرها رجل صديق لنا، من منطقة زواوة، اسمه عمر نبّاد، رحمه الله؛ وكانت تجمعه علاقة صداقة بالأستاذ مولود، الّذي كان ينقل أولاد أخيه بنفسه، إلى هذه المدرسة؛ وكنت أراه فيها، حين أصحب البنت الكبرى وأخاها المصطفى، رحمه الله. وتكرّرت لقاءاتنا في مكتب المدير. وذات يوم، طلب منّي إفادته بوثائق تاريخيّة للشيخ بلحدّاد والمقراني، كان يعلم بوجودها في الخزانة القاسمية، وتبيّن وقتها أنّه كان بصدد التّحضير للإشراف على الذكرى المئويّة لثورة الرحمانيين، في شهر أبريل عام 1971م. وفي لقاءاتنا، كنت أستمع إليه يتحدّث عن مشروعه في النّهوض بالوزارة التي تحمّل مسؤوليتها قبل ستّة أشهر من ذلك العهد. وفاتحني بأنّه يبحث عن “كفاءات” من الشباب، يستعين بهم على إنجاز البرامج التي يقرّرها، لاسيما في مجال التعليم الأصلي، والنشاط المسجدي، والفكر الإسلامي. كنت وقتها أتأهّب لتولّي منصب أستاذ معيد في فقه اللغة بكلّية الآداب والعلوم الإنسانية، بطلب من الأستاذ عبد الرحمن الحاج صالح، رحمه الله.

عرض عليّ الأستاذ مولود الالتحاق بفريقه؛ وشاء الله أن يختارني مديرا مساعدا للبرامج والامتحانات والمسابقات، في التعليم الأصلي، قبل أن يقرّر نقلي، في العام التّالي، إلى مديريّة التوجيه الدّينيّ.

بدأت اكتشافه في صائفة عام 1971م، خلال تحضير الملتقى الخامس للفكر الإسلامي بوهران؛ وكان أوّل ملتقى اشتركت  في تنظيمه، مكلّفا بلجنة الإعلام والعلاقات مع الصّحافة.

وهكذا كانت بداية العمل، إلى جانب وزير التعليم الأصلي والشؤون الدينية، مولود قاسم، ثمّ استمر التواصل بيننا ولم ينقطع حتى وافاه الأجل سنة 1992م، رحمه الله.

كان لنا جميعا مدرسة للتأهيل العالي، بامتياز؛ مدرسة سمتها: الوطنية الفكرية لا الشّعاراتية. فماذا تعلّمنا في مدرسته، وماذا عرفنا في شخصيته، وشهدنا في مسيرته، ماذا عن مشروعه الحضاريّ؟

حين يتحدّث مولود قاسم عن الجزائر، لم يكن يتحدّث كما يتكلّم السّياسيّون؛ حيث كان يرى الجزائر شخصية حضارية، بل قضية حضارية. ودفاعه عن الإسلام لم يكن على طريقة الداعية، بل على طريقة العالم المفكّر العارف، الّذي يرى الإسلام مشروع نهوض لادين طقوس. وكان له شعار أطلقه، ورفعه في جميع ملتقيات الفكر الإسلامي:” الإسلام دين ودولة،  ونظام اجتماعي متكامل“.

كان يرى أن معركة الهُوّيّة ومقوّمات الشّخصية الوطنية، لا تقلّ أهمّية عن معركة الأرض؛ وأنّ الأمّة لا تُبنى بالحدود فقط؛ بل باللّغة والعقيدة، وبالتاريخ والانتماء.

لقد أتيح لي أن أرى كيف. صنع مولود قاسم من “الوزارة” شيئا آخر غير ما كانت عليه بعد أن اختار لها عنوانا ومضمونا: “وزارة التعليم الأصلي والشؤون الدينية“؛ وكانت من قبل مجرّد هيكل إداريّ اسمه وزارة الأوقاف. كيف جعل من الوزارة منبرا للفكر الإسلاميّ، وورشة لإنتاج الثّقافة الإسلاميّة. كيف أسّس للتّعليم الأصليّ، وخطّط لبرامجه ومقرّراته وارتقى بمؤسّساته، حتّى تميّزت وتألّقت في أعوام خمسة؛ وكان يسعى لكي تتوّج بالجامعة الإسلامية المتعدّدة الكلّيات، بتخصّصات تجمع بين العلوم والمعارف الدّينيّة، وبين العلوم الدّقيقة والتّكنولوجية، وما يسمّى بعلوم الطبيعة والحياة.

كان يهتمّ بجميع المواضيع الّتي نقرّها نحن للنّشرات الدّينيّة الموجّهة للأئـمّة، وللأحاديث الدّينيّة في الإذاعة والتلفزيون، ويعطي توجيهاته بشأنها، وكانت تتناول كافّة مجالات الحياة الروحيّة والمادّية .

كنّا نلاحظ أنّه يريد تحرير التّكوين والتّوجيه من القوالب، ويؤمن أنّ الدّين ليس وظيفة، بل رسالة وأمانة؛ وأنّ القائمين على القطاع الدّينيّ لا تقاس أعمالهم، فقط، بعدد المساجد الّتي يشيّدونها ويعمُرونها، بل بعدد العقول الّتي ينيرونها ويرشّدونها.

ظهر اهتمام مولود قاسم بموضوع الأصالة، فكرا وتوجيها، في مقالاته، وفي خطبه الافتتاحية للملتقيات الفكرية.

كان يبدي تصوّره المتبصّر الرّصين، ونظرته السّديدة إلى إمكان التّوفيق بين الأصالة والمعاصرة. وكنّا نفهم من حديثه أنّ ذلك يتأتّى، ويمكن تحقيقه، حين يعيش المجتمع إسلامه في قيمه الثّابتة، ومبادئه الخالدة ويفصل بوعي بين الثوابت والمتغيّرات، فيتمسّك بالثّوابت والأصول، تمسّكه بالعقيدة الّتي أثمرتها ويتعامل بمرونة مع المتغيّرات، باعتبارها مجرّد وسائل وأساليب وكيفيّات، يعبّر بها كلّ جيل عن واقعه وحاجات عصره.

ولعلّ من المفيد، في هذا السّياق، أن أعرض عيّنات من بعض كلماته الافتتاحية والختامية للملتقيات الفكريّة؛ أعرضها على أبنائنا من طلبة العلم، الّذين لم يتمكّنوا من التعرّف عليه. ففي أحدها قال، مخاطبا المشاركين في الملتقى:

“… أودّ أن ألخّص الجواب، وأظنّ أيضا أنّه جوابكم جميعا، على فريقين اثنين، أحدهما يدعونا إلى إغلاق جميع الأبواب والنوافذ، والآخر يدعونا إلى تفتّح يقصد به أن نفتح، حتّى السّقف. وأجيبُهم بأنّ أصالتنا، كما نريدها، تعني: لا إغلاق الأبواب والنوافذ، ولا إزالة السقوف والرفوف! …”

وفي كلمة أخرى، في اختتام الملتقى، يقول:

“… لقد عالجتم، بكلّ من الحماس والموضوعية، مشكلة الأصالة والتفتّح، وتساءلتم مع المتسائلين عمّا إذا كان ينبغي، باسم الأصالة والمحافظة على التقاليد، إسدالُ حجاب كثيف على الأعين، ووضعُ القطن في الآذان، وإغلاق جميع النوافذ والأبواب، أم إنّه، باسم التطوّر والتفتّح، يستحسن خرق الحشمة والوقار، وعدم الاكتفاء بفتح الأبواب والنوافذ، بل يلزم نزع السقوف والرفوف؟

وانتهيتم إلى ضرورة الجمع بين مزايا الطّرفين النقيضين، اللّذين لا يتـمّان إلّا متكاملين، لضمان الوضع الطبيعيّ في الدار؛ وقلتم بفتح الأبواب والنوافذ، مع الاحتفاظ بالسقوف والرفوف، وأكّدتم أنّه لا بدّ من الأصالة مع التفتّح، وأنّه يتحتّم التوفيق بين الإنّية والعالميّة، واستعذتم بالله من كلّ أعشى غاسق، من النّور والأكسجين آبق، يسدّ علينا منافذ الضياء والهواء، ناصحا باختيار الظلمة والاختناق؛ ومن كلّ أهوج فاسق، لكلّ آفة ناسق، يدعونا إلى هتك السّتر، وما يسميه التحرّر والانعتاق، يريد لأبوابنا الانشقاق، ولسقوفنا الانفتاق!

وقرّرتم، بعد درس واستقصاء: فإما إنّيتنا أو منيّتنا، وقلتم : أصالتنا هي حصانتنا، وعملنا شرطه علمنا، واطّلاعنا يقتضيه تطلّعنا! …”

وفي أخرى يقول:

“… أيّها الشباب، كن عَلَمًا لتساهم في العالَمية، ولا تكن إمّعة من قوم تُبّع، فتظلم وتهضم، أو تلفظ وترفض!

كن قطعة بارزة في اللّوحة، تكن لك ذاتيتك، وتَميّز تُحفظ لك إنّيتُك، ولا تكن شاحبا باهتا، وإلّا انطفأت وشُطبت، ولا ليّنا طيّعا، وإلّا عُصرت وأذبت، ولا لقمة سائغة، وإلّا استُمرئت وغرقت، ولا ضعيفا واهنا، وإلّا أهنت وصُرفت!

كن إنسان عصرك، ولكن لا تكن نسخة غيرك، إيجابيّا متفاعلا، لا سلبيّا منفعلا، متفتّحا لا منفتحا، متطوّرا لا مطوّرا، ومؤثّرا أيضا لا فقط متأثّرا، فالحياة تعامل وتبادل، والحوار من أطراف متساوية، وإلّا كنت مجرّد سائل متسوّل، ناقصا في نفسك عارا على أمّتك وعالة على الإنسانية!

ابق أنت أنت، فتـتـمتّع بعدم انفصام شخصيتك، وتتشبّع بمطلق إنّيتك، فتفيد نفسك، وتشرى غيرك، وتأتي له بمكسب جديد، وتشارك في الحضارة العالمية والفكر الانساني بمساهمة أصيلة.

وهذا التّجديد، أو الأخذ بإيجابيات العصر، أو المعاصرة السليمة، بحيث يكون الانسان ابن عصره، مع البقاء على أديم مصره، ودون أن يصبح نسخة غيره، هو ما نقصده بالأصالة.

ولولا استنكافنا عن إنشاء صيغة مذهبية جديدة، وزيادة ياء وهاء جديدتين، أو إزم إضافي، إلى قائمة الإزمات الّتي هي كلّها في الواقع صدى الأزمات، لسمّينا اتّجاهنا هذا بالأصالية !

فإذا ما فتحنا نوافذنا واسعة، تجنّبنا الاختناق، وخرقنا سياج الظلمة، فتجدّد لدينا الهواء باستمرار، ونفذ إلينا النّور  بدون انقطاع! وإذا ما حافظنا، مع ذلك، على سقوفنا ورفوفنا، اتّقينا الهزات والزوابع، ونجونا من حارّها وقارّها.

وبهذا فقط تكون قد وفّرنا لأنفسنا الضوء والأكسجين الضروريين، اللّذين هما إكسير الحياة لكلّ كائن حيّ، وحمينا أنفسنا بسياج الحصانة الّتي هي ضمان الدوام، وشرط الاستعصاء على الحدثان، فجمعنا بين الحسنيين، وكنّا حقّا أصاليّين! …”

من ذكريات الملتقى السّادس للفكر الإسلامي:

وفي سياق الحديث عن الشباب: أتذكّر الاحتفال بالذكرى العاشرة لاستعادة الاستقلال، وعيد الشباب، في شهر جويلية سنة اثنتين وسبعين (1972م). في هذه المناسبة عُقد الملتقى السّادس للفكر الإسلامي بقصر الأمم، في الجزائر العاصمة، ودام أسبوعين كاملين. وخلال أيّامه نظم شاعر الثورة، مفدي زكرياء، رحمه الله، إلياذة الجزائر، وكان يلقي مقاطع منها بين الجلسات العلميّة؛ ومنها مقطع يتحسّر فيه عمّا آل إليه فئة من الشّباب، أصيبوا بآفة التّغريب والاستلاب ومـمّا قال فيه:

طَـــبَـــــائِـــــــــعُــــنــــــا صَــــالِحـــاتٌ جَلِـــيـلَــه                 تَـعـــــافُ انْــحِلالَ النُّـــــفوسِ الــــذَلــــــيلَـــــه

وتَـــأبَـــــــى رُجُـولـَــتُـــــــنــا الابْــــتِـــــــــــــذا                  لَ وأحـــــلاسَهُ، والشُّـــــــعورَ الطَويــــــــلَــــه

تَـــــــخـــــــنَّثَ هذا الــــــــزَّمـانُ ودَبَّــــــت                 خَـــنـــــــافــيـــسُ “هيبي”، يُــــشـــــيعُ الرَذيـلــَه

ونَـــــــافَـــــــــــــس آدمُ حَـــــــــــــــــــــوَّاءَه                 دَلالاً، وغَـــنْــجًا، وذَبْــــــــــــحَ فَــــضــــيــــلَـــــه

وجَـــرَّت ذُيــــــولَ الـــطَــواويــــــسِ هَذِي                 السرَاويلُ، وهيَ القـِــــــصـــــــارُ الــطَــويــلَــــه

ولَــولَا النُّـــهودُ، لـمـــَا كُــــنــــتَ تَــــــــــفــرِق                 بَـيـــــنَ جَـــمــــيــــلٍ وبـــــيـــــــنَ جَــــمــــيـــلَــه!!

وشـــاعَ الــشُّــــذوذُ، وذاعَ الـحـَـشـــــيـــــشْ                 وأصْـــــــبـــــحَ للــــمـُــــوبــــقاتِ وَســـــيلَــــــــه

وتَــــقــــــــرِفُ آنَــــــافَــــــــنَــــــا القــــاذوراتُ                 فـــلَـــــم تُــــجـــــدِ في صَـــرفِــها أيُّ حــــيـــــلَه

وأرضُ الجــــــزائرِ أرضُ الفــــــــحـــــــــول!                 فأيــــــنَ الشَّــــــهامَـة؟؟ أيــنَ الرُّجــــولَــــه؟؟

ومَن لَــــــم يَصُــــــن حـُـــــرُمــــاتِ الـــبــــلاد                 ويُــذرِ الــنّـفـايـات …. قـد خـــــــــان جـــيـله!

شغلنا الورى، وملأنا الدّنا

بشعر نرتّله كالصّلاة

تسابيحه من حنايا الجزائر

وهنا: أذكر تلك التّصفيقات الحارّة، عند إلقاء الأستاذ مفدي هذا المقطع. وكنت ألاحظ وجوها مكفهّرة؛ ويبدو أنّ بعضهم لم يكن مرتاحا لما سمعه من كلمات الشاعر.

حضرات السّادة والسيّدات.

قبل الإشارة إلى إنسانية الأستاذ مولود، رحمه الله، أعرض عليكم، في إيجاز، نزرا قليلا من الكثير، شهدناه من مواقفه المشرّفة، يسجّلها له التّاريخ، وتُكتب له، إن شاء الله في صحائف أعماله، ويلقاها بين يديه: “يوم تجد كلّ نفس ما عملت  من خير محضرا” أشير في عجالة، إلى :

  • الأوقاف الخيرية، وصندوق الثّورة الزّراعية.
  • التعليم الأصليّ الواعد، وقرار إلغائه المشؤوم.
  • الموقف القويّ الحازم، ومشاريع التّنصير في الجزائر.
  • اللّغة العربيّة، وتعميم استعمالها، من النّظرية إلى مشاريع النّصوص القانونية والبرامج التطبيقية.

أوّلا. الأوقاف الخيريّة: دافع عنها بقوّة، عندما ظهر العزم على تأميمها، ضمن مشروع الثّورة الزّراعية. وكان يقيم الحجّة، بإبداء الحكم الشّرعيّ للوقف في الإسلام، ولم ييأس من محاولاته، حتّى اليوم الأخير؛ مذكّرا، على سبيل المثال، بأنّ أوقاف الزّوايا العامرة هي مصدر تمويلها؛ فإذا أمّمت أوقافها، تعطّلت رسالتها. ولكنّ الأمر كان محسوما، وما زالت تداعيات هذا الإجراء تعاني آثاره جلّ المؤسّسات العلميّة والخيريّة.

ثانيا، التعليم الأصليّ: الّذي كان مشروعه الحضاريّ واعداً، خصّه بأكبر العناية. خطّط لمؤسّساته، تنظيما وترقية، وتعميما وانتشارًا، وكانت نتائجه لافتة، بامتياز، عاما بعد عام، طوال خمسة أعوام. وكان المسعى حثيثا نحو الجامعة الإسلامية الشاملة، كما وصفتها أنفا. وعندما ظهرت مؤشّرات إلغاء المشروع، تصدّى للمتربّصين به مدافعا بقوّة وحزم، ولم تثنه عن موقفه الثّابت شتّى الضغوط والمحاولات ولم يفقد الأمل، حتّى بعد أن قضي الأمر. واستمرّ في محاولة الإقناع بحجّته، حتى حلول موعد المجلس الّذي حسم الأمر واتّخذ القرار.

ثالثا. التّصدّي لمشاريع التّنصير: وألخّص هذا العنوان في سعيه لتجميد الأنشطة الّتي تنفّذها جمعيّات مسيحيّة، وكان اعتمادها للعمل، عبر التّراب الوطنيّ، دون تحديد للزّمان ولا للمكان؛ كما نصّت على ذلك قوانينها الأساسيّة، وفيها حدّدت برامجها بعنوان: “النشاط الإنسانيّ”. وفي هذا السّياق، كان حوار الوزير مولود قاسم مع رئيس أساقفة الجزائر، يوم استقباله في مكتبه؛ وكان موقفا حازمًا، يسجّله له التاريخ، في صفحاته المشرقة.

رابعا. اللّغة العربية، وتعميم استعمالها: سخّر الأستاذ مولود قاسم “عشرية الثمانينيات” من القرن الماضي لهذا المشروع السّياديّ؛ وقد تولّى مسؤولية المجلس الأعلى للّغة العربية فبذل خلال هذه العهدة كلّ جهوده وطاقاته واستطاع أن يصل، في نهاية مسعاه إلى إلزام جميع القطاعات بتنفيذ برنامج تعميم استعمال اللّغة العربية، في مختلف الدوائر الوزاريّة، بما فيها تلك الّتي كان البعض يتذرّع بتعذّر الأمر عليها، لخصوصيتها، وطبيعة عملها وتعاملها، كقطاع المالية، والبنوك، والبريد والمواصلات والطاقة، وغيرها. ولكنّ الحزم والعزم، كما عُرف عن مولود قاسم، انتهى بالجميع إلى الالتزام بإعداد خططهم وبرامجهم؛ وقدّموها له، مفصّلة بدقّة، وشملت جميع الوثائق النّمطية، عقودًا وقرارات ومقرّرات ومذكّرات متخصّصة؛ وتمّ اعتمادها وإقرارها، ليجري تنفيذها والعمل بها، على مراحل، ينتهي أجلها الأقصى، في الخامس من شهر جويلية 1992م؛ وهو الموعد الّذي حُدّد لوضع قانون تعميم استعمال اللّغة العربية، موضع التنفيذ، بعد أن صادق عليه البرلمان الجزائري،  وصدر في الجريدة الرسمية. وكان المولود قاسم الفضل في مشروعه، ابتداءً وانتهاء. ومعه صفوة من أبناء الجزائر، في أرضها الواسعة، عملوا جميعا، دون هوادة لاستكمال عناصر شخصيتها، وتثبيت دعائم استقلالها وسيادتها. دون أن ننسى نوّاب الأمّة، الّذين جمعوا كلمتهم، وأجمعوا على المشروع أمرهم.

حضرات السّادة والسيّدات.

أمّا عن إنسانية مولود قاسم، حيث يتجلّى أثر الدّين في السلوك، فأشير إلى أنّه كان شديد التأثّر عند الحديث عن حالات وحوادث مؤلمة، فكنّا نرى التأثّر باديا على وجهه وعبَرات الدّمع في عينيه. كان يتكفّل بجميع أبناء أخيه بنين وبنات، وهو في منصبه الوزاري، ينقلهم بنفسه إلى مدارسهم في الصباح، ويعيدهم إلى البيت في المساء، دون أن يرى ذلك عبئا ثقيلا، بل يراه واجبا عليه. وهذه الأخلاق لم تكن هامشًا في سيرته؛ بل هي جوهر فهمه للأخلاق وللدّين الحنيف: أن يكون صلة رحِم، وحُسن معاملة، وخدمة نافعة للنّاس. كان، رحمه الله، متواضعا؛ وكان الجميع يناديه باسمه: “سي مولود”، من أعلى مسؤول في الوزارة، إلى الحاجب بالباب، إلى النادل، إلى أبسط عامل. لذلك أحَبّه الجميع، وبقي اسمه يحتلّ مكانة في القلوب، حتّى الّذين اختلفوا معه فكريّا، كانوا يحترمونه ويقدرون له قدره، ويعرفون له فضله.

فماذا عسانا نأخذ من مولود قاسم اليوم؟

لقد تعلّمنا منه الكثير، وما زلنا نأخذ منه الكثير. ومـمّا استخلصناه من صحبتنا إيّاه:

  • أنّ الدولة لا تكون قويّة إلّا بالعلم، وبرجال أصحاب عزيمة وفكر.
  • أنّ التربية ليست مناهج فحسب، بل أمثلة صالحة ورجال قدوة.
  • أنّ العلاقة بين الإسلام والعروبة والأمازيغية لا تناقض فيها، بل هي علاقة تكامل، إذا كان العقل راشدا، والفكر سويّا.

وأقول، في الختام: إنّنا، في حضرة رجل مثل مولود قاسم، لا نقيم حفل تأبين ومديح، بل نقيم دروسا في الوطنية والأخلاق، والوفاء لعهد الشّهداء.

نقرأ سيرته ونستعرض حياته، لا لنمدحها وننوّه بمسارها، بل لنفهم من خلالها ما يجب أن يكون عليه المثقّف، حين يكون رجل دولة، وما يجب أن يكون عليه رجل الدّولة، حين يتحمّل المسؤولية، فيرعى أمانتها حقّ رعايتها، ويعطي المثل الصالح للتكفّل بتبعات المسؤولية.

رحم الله مولود قاسم، وطيّب ثراه، وجعل ما قدّمه في صحائف أعماله وميزان حسناته؛ وجزاه عن أمّته ووطنه خير ما يجزي به عباده المحسنين؛ وألحقنا به في الصالحين، وغفر الله لنا وله وللحاضرين. اللّهمّ إنّا نسألك الهدى والغفران، والعافية والإحسان، في الدّين والدنيا وفي الآخرة، لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين. اللّهمّ نصرك المؤزّر المبين لأهلنا في غزّة العزّة، وللمرابطين في أرض فلسطين، ولجميع إخواننا المؤمنين المستضعفين. وصلّى الله وسلّم على سيّدنا محمّد، خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

والحمد لله رب العالمين.