Scroll Top

محاضرة عميد جامع الجزائر بمركز أوكسفورد للدّراسات الإسلاميّة: “إرث الأمير عبد القادر في بناء السّلام في عالم ممزّق”

 

وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ومولانا محمّد وعلى آله وصحبه الطيّبين الطاهرين

 

سعادة مدير مركز أكسفورد للدّراسات الإسلاميّة، السيّد فرحان نظامي. أصحاب السّعادة والسّماحة.
حضرات السيّدات والسّادة الأفاضل. أيّها الحضور الكريم، كلّ باسمه ومقامه.

يسرّني، في البداية، أن أشكركم على دعوتكم الكريمة، وإتاحتكم الفرصة للحديث في هذا اللّقاء المثمر. ويطيب لي أن أنوّه بالدور المهمّ الذي يضطلع به هذا المركز في واحدة من أعرق الجامعات العالمية، من حيث سعيه النبيل إلى التعريف بالإسلام، في أبعاده الحضاريّة والروحية الراقية، وإبرازه إسهامات الحضارة الإسلامية في الإرث العلميّ والتاريخيّ الإنسانيّ، لا سيما في بيئة فكرية تثمّن الحوار، وتحتفي بالتعدّد، وتبحث عن المشترك الإنسانيّ.

إنّ هذا الجهد الجليل، في زمن تتزاحم فيه الأصوات المضلّلة، والانطباعات المغلوطة،لهو منارة يُحتذى بها في خدمة الحقيقة، وبناء الجسور، وإحياء الذاكرة المشتركة بين الأمم.

 

إنّ عنوان مداخلتي: “إرث الأمير عبد القادر في بناء السّلام في عالم ممزّق، يدفعنا إلى مساءلة الحاضر، من خلال الماضي، واستحضار المعنى العميق لنضال الأمير ومساره؛ لا باعتباره مجرّد فصل من التاريخ الوطنيّ خلال الحقبة الاستعمارية، بل كمنظومة قيم ومواقف، يمكن أن تنير لنا سبل التعامل مع تحدّيات العصر، في عالم مختلّ الموازين، مثقل بالأزمات. وبالإضافة إلى ذلك، يدفعنا هذا التحيين لشخصية تاريخية مرجعية إلى الإيمان بأنّ الإيجابية الّتي صنعها بثمنها، كما نعلم جميعا، غير منتهية الصلاحية؛ وأنّ الاستثمار فيها أمر متاح، يمكن استدعاؤه، كلّما دعت الحاجة إليه؛ وها هو الآن، بحمد الله، في هذه المناسبة التاريخية، التي تجمعنا في حضرة كوكبة من أهل العلم، وحملة الفكر والقلم.

فمن هو الأمير عبد القادر؟ وما هي ملامح إرثه الّذي لا يزال قادراً على مخاطبة الراهن المعقّد؟ وكيف يمكننا أن نستلهم من تجربته عناصر ذات دلالة ووزن، في إطار مقاربة استقرائية وأخلاقية وروحية للسّلام، كمفهوم شامل؟

 

تفرّد في المسار وتميّز في المسيرة:

وُلد الأمير عبد القادر في عام 1808م بمنطقة معسكر، في غرب الجزائر، وسط بيئة علميّة وصوفيّة، وفي كنف أسرة تنتمي إلى الطريقة القادرية. كان والده الشّيخ مُحيي الدين شخصية دينية  ذات مكانة روحية مرموقة. تلقّى عبد القادر تكويناً عميقاً في العلوم الإسلامية وعلوم اللّغات والآداب والفلسفة. سافر في شبابه إلى الشرق، فزار الحجاز والشام والعراق؛ حيث تعمّق في الفكر الدينيّ وعلوم التصوّف؛ وهو ما كان له بالغ الأثر في تشكيل رؤيته للعالم وللكون والإنسان والحياة.

لكنّ قدَره أن لا يكون مجرّد عالم أو مفكّر ومتصوّف؛ بل وجد نفسه في سياق ملحمة المقاومة للغزو الفرنسي، الّذي بدأ سنة 1830م. فقد بايعه الكثيرون من أعيان البلد أميراً للجهاد والمقاومة، سنة 1832م؛ فأسّس دولة حديثة، بكلّ ما للكلمة من معنى، باسطا سلطته على إقليم في اتّساع مستمرّ، ولعناصر شرعية قارّة ومعترف بها، بنى فيها مؤسّسات إدارية وقضائية؛ وأطلق مشروعاً طموحاً لتحديث المجتمع وتنظيمه، في ظروف كانت تتسّم بغاية الصعوبة والتعقيد.

لقد أدرك الأمير عبد القادر، منذ البداية، أنّ مقاومة الاحتلال ليست فقط معركة عسكرية؛ بل هي أيضاً مقاومة روحية وأخلاقية وثقافية. كان يؤمن بأنّ النّصر لا يتحقّق فقط بالقوّة؛ بل أيضاً بالعدالة والانضباط والتمكّن في عناصر التفوّق؛ وأنّ العُدّة المطلوبة تشمل قوّة في البناء الدّاخلي للأمّة، إرساخا للعقيدة الإيمانية المرجعية، وفي إشاعة قيم البذل والتضحية والفداء، من أجل الحصول على الحقوق المشروعة، والدفاع عن حياض الدين والوطن، وصيانة للإدراك الجمعيّ بالذّات الجزائرية المستقلّة.

كان يشدّد على معاملة الأسرى معاملة إنسانية، وعلى احترام المخالفين من غير المسلمين؛ بل وعلى حماية المدنيّين في زمن الحرب؛ وهو ما كان يثير إعجاب جميع مَن عرفه، عيانًا أو سماعا؛ بمن فيهم خصومه الأوروبيون.

شهادات بوزنها:

وقد شهد بذلك الضباط الفرنسيّون، وبعض السّياسيين الأوروبيين، الذين عبّروا عن احترامهم الكبير للأمير عبد القادر؛ على الرغم من أنّهم كانوا في حالة حرب معه. فهو لم يكن، في نظرهم، مجرّد قائد ميداني، بل كان رجل مبادئ وقيم، فارساً، يجسّد الأخلاق الإسلامية في أتمّ معانيها؛ ولعلّ من الشهادات التّاريخيّة الأكثر دلالة تلك الّتي جاءت على لسان الجنرال الفرنسي لاموريسار (Lamoricière)، الّذي قال: “كان عبد القادر عدوًّا شريفًا، يندر أن تجد له نظيرًا. كان يحارب بشجاعة، ويحترم خصومه، ويُعامل الأسرى والجرحى بإنسانية تُحرجنا أحيانًا“.

لقد كان تطبيقه لقواعد الفروسية الإسلامية، واحترامه للقانون الإنساني، حتّى قبل أن يوجد هذا المفهوم في القوانين الوضعية الدولية الحديثة، سبباً في منحه مكانة مرموقة، في ضمير التاريخ. ولم يكن من العسير على هذا الضمير الّذي تردّد في شأن الأمير، أوّل الأمر، أن يلحظ أنّه اختار نهجا عمليّا استشرافيّا؛ فكان رجل دولة، لا رجل سلطة، وقائد مقاومة وجهاد، حمل السلاح من أجل الحقّ والكرامة،لا عن عداوة أو كراهية.وكان في عمق مقاومته مشروع دولة،تستند إلى تشريع وتنظيم متكامل؛ وتصان في ظلّها الحقوق والحرّيات. كان الأمير أنموذجا للمجاهد المخطّط الّذي يعرف متى يقاوم، ومتى يفاوض ويضع السّلاح؛ ويعرف متى يعاهد ويصنع السّلام. ولذلك، فإنّ إرثه يُقْرَأُ اليوم بوصفه “جهادا من أجل الحريّة والدفاع عن الوطن، لا مجرّد قتال للمعتدي، وضدّ المخالف الآخر”.

إنّ قراءة مفهوم الجهاد، من خلال زعماء المقاومة، وعلى رأسهم الأمير عبد القادر، يصحّح الدلالة الحقيقيّة له، ويحرّره ممّا التصق به من صور نمطيّة لا تفرّق بين الإسلام كمرجع،  وبين استعمالاته الآتية في سياقات مختلفة. وما شُرِع الجهاد في الإسلام، إلّا دفعا للعدوان، وحماية لحرّية الأوطان، وتأمينا لعقيدة الإيمان، وصيانة لكرامة الإنسان.

بعد سنوات من المقاومة، والمعارك البطولية التي خاضها، وبعد أن حوصر من كلّ الجهات، قرّر الأمير عبد القادر أن يوقف القتال سنة 1847م، وفضّل حقن الدماء على الاستمرار في الحرب. وهكذا، حافظ على شعبه مقابل شخصه ونفسه. لكنّ السّلطات الفرنسيّة غدرت به، وخدعته؛ فأودعته السجن في فرنسا، ما يقارب خمس سنوات، قبل أن تُفرج عنه في أكتوبر 1852م، بفضل تدخّل شخصيات أوروبية بارزة، ناضلت دفاعاً عنه؛ ونذكر منها: الأديب الفرنسي العالمي فيكتور هوغو، والدوق أنتوان، Leduc Antoine d’Orléans دوق أورليون، من فرنسا. واستهجن سجنه من خارج فرنسا كلّ من اللورد هنري إدوارد (Lord Henry Edward) من بريطانيا، والموسوعي ألكسيس دو توكفيل (Alexis de Tocqueville).

بعد إطلاق سراحه، توجّه إلى منفاه مباشرة إلى بورصة، ثم إسطنبول في تركيا، قبل أن يستقرّ في دمشق سنة 1855م؛ حيث عاش بقيّة حياته، في خدمة العلم والدّين، بعيداً عن السّياسة، إلى غاية وفاته بها سنة 1883م، لكنّه ظلّ حاضراً بمقامه العلميّ، وثقله الأخلاقيّ، ومخزونه الفكريّ. وكان بيته ملتقى العلماء والوجهاء من مختلف الطوائف والديانات. وهناك ظهرت عظمة الأمير، مرّة أخرى، عندما اندلعت فتنة طائفية في الشام سنة 1860م بين الدروز والمسيحيين، فأقدم على حماية آلاف المسيحيين من المجازر، وفتح لهم بيوته؛ وواجه الغوغاء بشجاعة نادرة، مخاطرا بحياته وحياة الجزائريّين الّذين كانوا معه. ومن جملة من شملتهم حمايته القنصل البريطاني في دمشق وعائلته؛ ممّا جعل الملكة فيكتوريا تشكر صنيعه، وتبعث إليه هدايا رمزيّة. وفي ذلك كلّه لم يزد الأمير على وضع قيمة عظمى من قيم الإسلام، موضع التطبيق؛ ألا وهي قيمة الرحمة والتسامح والرفق بالخلق،  على اعتبار أنّهم جميعا عيال الله، كما جاء في كتاب الله، وفي سنّة رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم.

 

الاعتراف المستحقّ:

أثار هذا الموقف الإنسانيّ إعجاباً عالمياً واسعاً؛ حيث تلقّى الأمير تكريمات من قادة العالم، من السلطان العثماني في إسطنبول، والملكة فيكتوريا في بريطانيا، ونابليون الثالث في فرنسا، مروراً ببابا الفاتيكان في روما. ومُنح أوسمة عالية من دول متعدّدة، تقديراً لإنسانيته، وعمله النبيل.  ولم يكن موقفه هذا استثناء في مسيرته؛ بل كان امتداداً طبيعياً لمنظومة القيم التي تربّى عليها، واختار أن يُجسّدها في كلّ مراحل حياته حتّى أصبحت مواقفه محطّات مرجعيّة في دراسة علاقة الإسلام بغيره من المعتقدات.

وما فعله الأمير عبد القادر في دمشق إنّما هو تطبيق حيّ لمفهوم “السّلام عبر الحماية”، حيث لا يُفهم السّلام على أنّه مجرّد نهاية للحرب، بل كحالة من الفعل الأخلاقي الذي يفرض الدفاع عن الضعفاء، والتصدّي للعدوان، حتّى لو كان مصدره من أتباع دينك، أو أبناء قومك. لقد فهِم أنّ السّلام لا يُبنى على التحيّز والتعصّب، بل على العدل والإحسان، وأنّ الأخوّة الإنسانية تتقدّم على الانتماءات والولاءات الضيّقة، حين تكون أرواح النّاس في خطر داهم.

من هذا المنطلق، يمكننا القول إنّ الأمير عبد القادر لم يكن مجرّد رجل مقاومة وجهاد فقط، بل كان رجل سلام، لكنّه سلام مبنيّ على الشجاعة، وعلى الإرادة الحرّة، والمبادئ الراسخة. لم يكن السّلام عنده ناتجاً عن استسلام أو ضعف، بل عن قدرة وقوّة يفرضها، وعن رؤية عميقة للحقّ وللعدالة، وللغاية من الوجود الإنساني ذاته. لقد ارتقى بتجربته إلى ما فوق السياسة؛ وجعل من حياته رسالة أخلاقية مفتوحة، نتعلّم منها إلى اليوم؛ وتتعلّم منها الإنسانية، في قادم الأجيال.

وما هي في نهاية الأمر سوى قيم الإسلام الّتي تمثّلها الأمير، وجسّدها في سيرته. وتلكم هي نظرة الإسلام إلى الآخر. لأنّ الآخر، في منظومة القيم الإسلامية هو الضمير الإنساني. فالإنسان في الحضارة الإسلامية، هو الموضوع، وهو الهدف. ومن الخصائص الذاتية لهذه الحضارة أنّها ربّانية المصدر والغاية، إنسانية التوجّه والمقصِد. إنّها حضارة رسالة ومسؤولية، حضارة أمّة تخدم دينها بخدمة الإنسانية. ونحن المسلمين، نعتبر من الإحسان، الّذي هو أعلى مرتبة بعد الإسلام والإيمان، الإحسان إلى خلق الله، بصرف النّظر عن الدين أو العرق أو اللون أو اللسان. فالخلق جميعا عيال الله، وأحبّ عباد الله إلى الله أنفعهم لعياله، كما جاء في الحديث الشريف، الّذي رواه البيهقي في شعب الإيمان، عن أنس، رضي الله عنه.

شخصية متميّزة سيماها الخصوبة والتنوّع:

لقد استطاع الأمير عبد القادر أن يجمع في شخصيته بين العقل السياسي المدبّر، والبُعد الروحي المتدبّر، بين حنكة القائد العسكري، وتأمّلات العارف الصوفي. وهذا التوازن هو ما جعل مسيرته مميّزة، تتجاوز الأزمنة والحدود. فبينما كان يدير المعارك ضدّ جيش الاحتلال الفرنسي، كان يخاطب جنوده قائلا: “نحن لا نقاتل من أجل النّصر فقط، بل نقاتل من أجل الوفاء لله، وإقامة الحقّ، والدفاع عن أرض الإسلام وكرامته”؛ فقد كان قتالُه جهادًا ينهل من الإيمان، لا من الغضب؛ ومن الرحمة، لا من الانتقام. غير آبهٍ بالموت، ساخرا منها، وثابتا أمامها، فقال فيها بيتا من الشعر ورد فيه:

               سَخرتُ من الموتِ الزؤامِ وأهلهِ     وقلـتُ لهُ لمّا أتاني: تَـقَدَّمِ

واستمرّ في تحدّيه للموت، حتّى وهو في سجنه، قائلا:

غـريــبٌ أنــا فــي الــغــربِ لا أمــلَ لــي       سوى الله، فلي منهُ حُسنُ المؤمَّلِ

ولم يجنح للصّلح ضعفا، وإنّما ابتغاءً للسّلم، وحقنا للدّماء، فقال:

ما رفعت السيف إلّا لإعلاء      كلمة الله، وما وضعته إلّا ابتغاء السّلم والحقّ”.

وبالموازاة مع هذه المواقف البطولية، كان يكتب نصوصًا روحية عميقة؛ ويراسل كبار علماء عصره، في مسائل العلم، وقضايا التصوّف والمعرفة.

في إحدى قراءات الأمير لمشروع الشّيخ محيي الدين بن عربي، وهو من أقطاب الصوفية وأعلامها، يعبّر فيها عن انبهاره بفكره، نلمس عمق انخراطه في رؤية صوفية للعالم؛ حيث كان يرى   في الإنسان مرآة للوجود، وفي الآخر فرصة للتقرّب إلى الله، من خلال خدمة الخَلق. لم يكن يرى العدوّ كقوّة فقط، يجب مقاومتها، بل كروح يجب فهمها؛ وهذا ما يجعل من تجربته مصدراً للإلهام،حتّى في سياقات غير إسلامية.

من هنا، نستطيع أن نستخلص دروساً كثيرة لواقعنا المعاصر. فنحن نعيش في عالم منقسم، متقلّب ومتحوّل، سمته الخصومة، وفقدان الثّقة المتبادل. وتُطرح بإلحاح أسئلة حول إمكانات بناء سلام حقيقيّ شامل، لا يقوم فقط على الاتفاقات السياسية، بل على مقاربة معرفية جديدة للروابط الإنسانية. وفي هذا السياق، يمثّل الأمير أنموذجاً فريداً، يقدّم تصوّراً للسّلام يقوم على العدالة، والاحترام المتبادل، والاعتراف بالآخر، ككائن كامل الإنسانية، بغضّ النّظر عن دينه أو لونه أو لغته.

 

شيء من فلسفته الروحية:

في قلب فلسفة الأمير عبد القادر للسّلام، نجد مبدأ الوحدة في التنوّع. لقد أدرك أنّ التعدّد ليس أمرا سلبيًّا، بل ثراء وغنًى. ففي كتاباته، كما في أفعاله، كان يُلحّ على ضرورة احترام اختلافات الآخرين، واعتبارها جزءًا من المشهد الكوني الّذي أراده الله. هذه النظرة لا تأتي فقط من إيمانه ومقامه الصوفي، بل أيضاً من وعيه العميق بالتاريخ والجغرافيا والسياسة.

فحين أنقذ حياة المسيحيين في دمشق، لم يكن ذلك عملاً ظرفيًّا، أو نابعا من اعتبارات دبلوماسية، بل كان تجسيدًا عميقًا لقيمه المتجذّرة. لقد خاطر بحياته، وواجه ضغوطاً شديدة، دون أن يتراجع، لأنّه كان يؤمن أنّ حماية الآخر المختلف هي مسؤولية روحية وواجب أخلاقي، قبل أن تكون واجبًا سياسيًّا أو قانونيًّا.

كتب لاحقًا يقول: إنّ من يظلم إنسانًا باسم الدين، فقد أساء إلى الدين وإلى الإنسان معًا.” هذه العبارة تختصر فلسفته كـلّها: لا سلام بدون عدل، ولا عدل بدون رحمة، ولا رحمة بدون الاعتراف بالإنسان، في جوهره، وبكلّ خصوصياته”.

وفي هذا السّياق، يبدو أنّ فكر الأمير عبد القادر يفتح لنا آفاقًا جديدة، لإعادة التفكير في مسألة السّلام. ليس كغاية نهائية، بل كديناميكية متواصلة، والتزام شخصيّ وجماعيّ، يتجدّد ويتكيّف باستمرار، ويتطلّب تبصّرا وشجاعة أخلاقية، لا تقلّ أهمّية عن الشجاعة السياسية.

جدلية الراهن والموروث.. هذا في ذاك، من أجل بناء مجتمع آمن:

إنّ ما يجعل فكر الأمير عبد القادر صالحا إلى عصرنا الراهن، هو قدرته على الجمع بين البعد الروحي والبعد العملي في مشروع السّلام. لقد فهم الأمير، قبل الكثيرين من رجال عصره، أنّ السّلام ليس قيمة معيارية مطلقة، بل منظومة تربوية بمؤسّسات، وبثقة متبادلة. لهذا، كان يدعو إلى تعليم متعدّد، يزاوج بين العلوم الدينية والكونية، ويُعدّ الإنسان ليكون مواطنًا فاعلاً، لا تابعًا. واعيا لذاته ومحيطه، يحسن فهم دينه ويحسن العمل به. وكان يرى أنّ العدالة الاجتماعية هي عماد السّلام، وأنّ الظلم، مهما يكن مصدره، يولّد العنف ويفسد القلوب، ويعكّر صفو الحياة.

وإذا كان اليوم يتردّد الحديث عن “السّلام الإيجابي”، الّذي لا يكتفي بإنهاء الحروب، بل يقتضي بناء علاقات عادلة ومنصفة بين الأفراد والشعوب، فإنّ الأمير عبد القادر قد سبق هذا المفهوم بقرنٍ كامل، وجسّده في ممارسته اليومية، في وطنه الجزائر، وفي منفاه بالشام.

لقد كان يحلم بعالمٍ يكون فيه الاختلاف مصدر تعايش لا صدام، والتعدّد مدخلاً إلى التعاون لا إلى التناحر. ويقول: “ما خلق الله الناس شعوبًا وقبائل إّلا ليتعارفوا، فيتآلفوا، لا ليتقاطعوا، فيتقاتلوا”

 

السّلام الداخلي نواة السّلام الشّامل:

إنّ الطريق إلى السّلام الحقيقي، في رؤية الأمير عبد القادر، يبدأ أوّلًا من النفس البشرية ومنظومتها القيميّة، من تربيتها على الأخلاق الحميدة، وتقدير الآخر، والاحترام المتبادل. إنّ مفهومه للسّلام هو سلام في الذات، وسلام مع الآخر، وسلام مع البيئة والمجتمع، وسلام مع الخالق سبحانه، وما يمثّله هذا المفهوم الشامل، في كلّيته وفي تنوّعه في آن واحد. إنّها مقاربة متكاملة وجديدة لإعادة بناء الروابط بين الأفراد والشعوب، باختلاف ثقافاتهم ودياناتهم، على أساس من العدالة والمساواة.

إنّ الرسالة الكبرى التي يمكن استخلاصها من فكر الأمير عبد القادر: هي أنّ السّلام لا يتحقّق من خلال القوّة العسكرية وحدها؛ بل هو فكر متصالح ومتسامح، ذو إرادة موحّدة، وروح متعالية. وفي هذا المعنى، كان الأمير قائدًا ملهَمًا، يضع المصلحة العامّة فوق كلّ اعتبار؛ ويسعى إلى تمكين الأفراد والقبائل من أن يعيشوا حياة كريمة، بعيدة عن الصراعات وويلات الحروب.

لم يكن السّلام عنده هدنة بين حربين، بل بناءً داخليّا يبدأ بتزكية النفس، ويكتمل بإصلاح المجتمع؛ وهذا ما يجعل تجربته صالحة، لا للتقليد الأعمى، بل للاجتهاد المستنير.

إنّ قراءة سيرة الأمير تفتح أمام النّاس سبلا جديدة لفهم تأثير الأخلاق في صناعة السياسة، وتأثير الدّين في هندسة السّلم المجتمعي.

لقد أصبح إرثه اليوم مصدر إلهام لكلّ من يسعى إلى بناء عالم أفضل، عالم يسوده الاحترام المتبادل والتعاون، لا التفرقة والتناحر. ومن هنا، تظهر أهمّية العودة إلى فكر الأمير عبد القادر، في وقتنا الحاضر، في ظلّ التحدّيات المعاصرة الّتي يواجهها العالم، والّتي تتجاذب بين حوار الحضارات وصراعها، وبين الحقوق الإنسانية الفئوية والحقّ الإنساني الشامل، ما بين الحريّة المطلقة والحريّة المحتومة للآخر.

سيبقى إرث الأمير أمانة على عاتق الأجيال الحالية والمستقبلية. ليس فقط من خلال الاحتفاظ بذكراه، بل أيضًا من خلال تطبيق مبادئه في حياتنا اليومية. فقد أثبت، من خلال أفعاله وأقواله، أنّه كان رجل سلام حقيقي، في زمن كان يشهد ألوانا من العنف والدمار. أثبت أنّ القائد يمكن أن يكون عالمًا، وعاملًا، ومحاربًا، وسياسيًّا، وجامعا للدنيا والدين، ومجسّدا للسّلام في كلّ تجلّياته.

 

نحن نعتبر إسهامات الأمير في بناء السّلام، داخل الجزائر، وفي المستوى الدولي، أنموذجًا يستحقّ التأمّل والتطبيق في العصر الحالي. وإنّ القيم السامية الّتي تمثّلها، مثل العدل، والرحمة، والتسامح، وقبول الآخر، قادرة على تقديم حلول للنّزاعات المعاصرة وتمكين النخب في هذه الجامعة وغيرها من الخروج بنظرة جديدة لتصوّرات السّلام، ومقاربة علميّة وموضوعيّة لدور التأمّلات الصوفية، وتأثيرها في نماذج القيادة والحرب، وفي المعاملات، وما إلى ذلك.

وإذا كان لنا تبليغ الرسالة الّتي يمكن استخلاصها من حياة الأمير، فهي أنّ السّلام ليس مجرّد حلم، بل هو قيمة قابلة للتحقيق إذا تشبّعها القادة والشعوب. والواجب يقتضي أن نعمل لبناء جسور بين الثقافات والمعتقدات، وأن نتبنّى التفاهم والتعايش في عالمٍ يعاني شتّى الانقسامات.

 

الحاجة إلى قراءة متوازنة وتأصيل معاصر لمبادئ الأمير:

في عصر تتسارع فيه خطابات الإقصاء، وتروَّج دعوات الصدام، تزداد الحاجة إلى نماذج وسطية مؤصّلة، تاريخيا وعلميّا، لا تلفيقيّة سطحية. والأمير عبد القادر يمثّل هذا الأنموذج. فهو فقيه لا يُقصي، وصوفيّ لا ينعزل، ومجاهد لا يعادي، وسائس لا يساوم على القيم.

إنّ استحضار الأمير في زمننا الراهن لا ينبغي أن يتمّ من خلال نظرة أحادية. فالرجل لم يكن فقط بطلًا عسكريًّا أو زاهدًا صوفيًّا، بل كان مثقّفًا موسوعيًّا، ترك تراثًا غنيًّا في الفكر والسياسة والأدب والدين. وقراءته من خلال الكتابات الشرقية والغربية تُبرز ضرورة تجاوز القراءات الأيديولوجية، لصالح قراءة متوازنة تراعي السياق، والتاريخ، والبعد الإنساني.

إنّ إرث الأمير فرصة لقراءة مختلفة للموروث التاريخي يفرض اليوم نفسه كمرجعية في زمن تتصاعد فيه النزاعات والهُوّيات المغلقة. فبين الشرق والغرب، يمكن شخصية، مثله، أن تكون جسرًا حيًّا للحوار، ورمزًا لوحدة القيم الإنسانية. لقد كان “قاسما مشتركا إنسانيّا” يشهد له الشرق والغرب. فلم لا يكون اليوم سفيرا رمزيّا لحوار الحضارات؛ ويتحوّل إرثه إلى منهاج دراسيّ، وحقل بحث أكاديميّ، ومصدر وحيٍ حضاريّ يجلّي قواعد التواصل الصادق الجادّ، كقاعدة لتعاون مثمر بين شعوب العالم، على اختلاف أنظمتها، وتباين مناهجها واختياراتها.

 

خاتمة:

إنّ دراسة إرث الأمير عبد القادر تكشف لنا شخصية فريدة تميّزت بالقوّة والحنكة في السّعي لبناء السّلام والتعايش السّلمي. لقد كان رجلًا فذًّا في شتّى المجالات؛ حيث تجلّت في شخصيته خصال الشجاعة والإيمان العميق بالقيم الإنسانية، الّتي تمثّل دعائم السّلام والعدالة. ففي الوقت الّذي كان فيه العالم يشهد حروبا ونزاعات، كان الأمير يرى في السّلام هدفًا ساميًا لا يمكن الوصول إليه إلّا من خلال التفاهم والاحترام المتبادل بين مختلف الأطراف.

لقد تبنّى مفهومًا شاملاً للسّلام، بعيدًا عن المجرّدات النظريّة، أو التصوّرات المثالية. كان السّلام لديه مبنيًّا على التفاهم العميق لظروف الشعوب المختلفة، وكان سعيه لتحقيق السّلام يتجاوز حدود الإقليم والدين والعرق. فقد كان يُظهر مثالًا يُحتذى به في التسامح واحترام حقوق الآخرين؛ ويُظهر قدرة استثنائية على اتّخاذ القرارات الحاسمة الّتي تضمن الرفاهية والحياة الآمنة لكافّة أفراد المجتمع.

لقد مارس الأمير نوعا فريدا من “القوّة الناعمة”، قبل أن يصاغ هذا المفهوم في العلوم السياسية الحديثة. كانت كلماته تُقنع، ومواقفه تُلهم، وسيرته تسبق صيته. لقد بنى صورته الدولية، ليس بالدعاية، بل بالعمل الجادّ والخلُق الكريم، الذي جعل خصومه يحترمونه، وعنه يدافعون.

إنّ أبعاد إرث الأمير عبد القادر تتمثّل في فكره السّلميّ، الّذي يمكن أن يُترجم اليوم إلى حلول عمليّة للتحدّيات الّتي يواجهها العصر الحاضر، الّذي يعاني تزايد الصّراعات والنّزاعات العرقية والطائفية، في عالم مفكّك يعيشه الكثيرون من خلال التطرّف والحروب الدموية. وتبقى مبادئ الأمير بمثابة منارة تهدي الباحثين عن السّلام إلى سبل التفاهم والتعاون والوئام.

يجب أن نضع في اعتبارنا أنّ السّلام الّذي سعى إليه الأمير لم يكن مجرّد غياب للحروب، بل كان سلامًا قائمًا على العدالة. كان يؤمن أنّ بناء مجتمع سلميّ لا يتمّ إلّا من خلال بناء مجتمع العدالة والحقّ، وأنّ العلاقات بين الأفراد والجماعات يجب أن تقوم على أساس الاحترام المتبادل، وليس على الهيمنة أو القوّة.

وفي سياق العالم المعاصر الّذي يشهد تحدّيات متزايدة، يصبح إرث الأمير عبد القادر أكثر أهمّية. لم يكن مجرّد قائد عسكري، بل كان مفكّرًا ورجلًا سياسيًّا، عرف كيف يدير الصراعات، في وقتٍ كانت فيه الشعوب تواجه تهديدات وجوديّة. فاليوم، تكتسب أفكاره وقيادته الراشدة أهمّية أكبر؛ ويمكن الدول والشعوب أن تستلهم من فكره في مساعيها لبناء علاقات دوليّة قائمة على الاحترام المتبادل، بعيدًا عن التطرّف والتعصّب المقيت.

إنّ إرث الأمير عبد القادر جدير بإعادة قراءته؛ والعمل لتطبيقه في حياتنا اليوميّة. علينا أن نؤمن أنّ السّلام لا يمكن تحقيقه بالحدّ من الحرّيات، أو السّعي لإقصاء الآخر؛ بل بالاحتكام إلى القيم الإنسانية النبيلة، الّتي تؤمن بحقوق الإنسان وحرّيته. ويجب أن تكون الدعوة إلى السّلام الشامل  بمثابة منارة تهدي كلّ من يسعى إلى بناء عالم أكثر عدلًا وتسامحًا.

ختاما نقول: إنّ لدينا هذه الذخيرة من القيم العلمية والروحية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. فإذا نحن أفدنا منها، كما جسّدها الأمير في سيرته، استطعنا أن نسهم بالحظّ الأوفر في إصلاح مجتمعاتنا؛ بل في إصلاح العالم من حولنا، وتقويم مساره، وإنقاذه من المظالم الّذي تطغى على شعوبه، وإشاعة روح التسامح والتعاون في مجتمعاته.

فليكن هذا الإرث منارة لنا في عالم مفكّك يتعطّش لرجال لا يهادنون في الحقّ، ولا يفرّطون في الإنسان.

“وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ. مَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ”

للتصفح والتحميل: