Scroll Top

محاضرة عميد جامع الجزائر بالملتقى الوطني حول اللّغة العربية بولاية بسكرة

محاضرة السّيد محمّد المأمون القاسميّ الحسنيّ، عميد جامع الجزائر، بالملتقى الوطنيّ في موضوع:

اللّغة العربيّة في الجزائر، إبّان فترة الاحتلال الفرنسي: صراع الهُويّة ومقاومة الهيمنة

بعنوان: “اللّغة العربيّة ركيزة الهُويّة الجزائريّة، والوعاء الأسمى للكرامة الوطنيّة

جامعة محمّد خيضر، ولاية بسكرة – الجزائر
يوم الأحد 25 جمادى الأولى 1447هـ، الموافق 16 نوفمبر 2025م.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي علّم الإنسان ما لم يعلم، وجعل البيانَ عنوانَ الفضل ووسيلةً للفهم. وأشهد أن لا إله إلا الله، الذي نزل الكتاب بلسان عربيٍّ مبين. وأشهد أن سيّدنا محمّدًا عبده ورسوله، أُوتي جوامع الكلم، فكان بلاغُه فتحًا، وبيانُه نورًا، ورحمة لسانه عزًّا للمسلمين في الأرض وفي الدّين. صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجه واتّبع هداه إلى يوم الدّين.

حضرة الأخ الفاضل، السيّد الأخضر سداس، والي بسكرة المحترم؛

حضرة الأخ الفاضل، الأستاذ صالح بلعيد، رئيس المجلس الأعلى للّغة العربيّة المحترم. حضرة الأخ الفاضل عبد الحميد جفّال، مدير جامعة محمّد خيضر المحترم؛

أصحاب السّماحة، المشايخ والعلماء. السّادة نواّب الأمّة في البرلمان؛

حضرات الأساتذة الأجلّاء. أبنائي الطّلبة الأعزّاء؛

أيّها الحضور الكريم؛

السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

يطيب لي في البداية أن أتوجّه بالشّكر إلى السيّد مدير الجامعة، على دعوته الكريمة. وقد قدمت إليكم من جامع الجزائر، الصرح الحضاريّ الجامع بين الدّين والعلم؛ لأشارككم فعاليّات هذا الملتقى العلميّ المتميّز؛ الّذي يلامس قضيّةً من أقدس القضايا، وأعمقها أثرًا في وجدان الأمّة الجزائرية، ألا وهي قضيّة اللّغة العربية، في زمن الاحتلال الفرنسي البغيض. وقد اخترت لهذه الورقة عنوانا: ” اللّغة العربيّة ركيزة الهُوّية الجزائريّة، والوعاء الأسمى للكرامة الوطنيّة”.

حضرات السّادة والسيّدات؛

إنّنا لا نعتبر اللّغة العربية مجرّد أداة للتّداول، أو وسيلة للتواصل، فحسب؛ بل هي في عمقها نظام فكْرٍ، ومنظومة قيمٍ، ورؤيةٌ للكون والإنسان والتاريخ.

إنّها الحاضنة الكبرى للهُوّية الإسلامية العربيّة؛ والوعاء الّذي صاغ الشخصيّة الجزائرية في عمقها العقديّ والثقافيّ. فصلة اللّغة العربيّة وثيقة بالعقيدة الإسلاميّة، لأنّها لغة القرآن، ومفتاح معرفته، والوقوف على أسراره.

وحين احتلّت فرنسا الجزائرَ، لم تستهدف أرضها وحدها؛ بل استهدفت إيمانها قبل عمرانها، ولسانها قبل أوطانها؛ إدراكًا منها أنّ اللّغة ليست حروفًا تُنطق، بل هي عقيدة تبنى، وذاكرة تُورَّث، وانتماء يُصان.

لقد كان الصراع في جوهره، صراع هُوّيةٍ، وثقافةٍ، ووجودٍ؛ لا مجرّد صدام عسكريّ أو تنافس حضاريّ؛ ولذلك جعلت الإدارة الاستعماريّة من سياسة “الفرنسة” طريقًا إلى الاقتلاع الرمزيّ للأمّة، واجتثاث مقوّماتها؛ معتقدةً أنّ من يُغيِّر لسانَ الإنسان، يُغيّر وجدانَه وتاريخه، وحاضره ومستقبله.

من هنا، تنبثق الإشكالية الرئيسة التي نناقشها في هذه الورقة:

كيف استطاعت اللّغة العربية في الجزائر أن تصمد، على امتداد قرنٍ وثلثٍ، أمام محاولات المحو والإلغاء؟

وكيف تحوّلت من لغةٍ مُحاصَرةٍ، إلى رمزٍ للمقاومة، وعنوانٍ للكرامة، وجسرٍ واصلٍ بين ماضي الأمّة ومستقبلها؟

لقد أدرك مفكّرو الإنسانية، شرقًا وغربًا، أنّ اللّغة ليست أداة الفكر، بل هي جوهر الفكر ذاته.

يقول ابن خلدون، رحمه الله، في مقدّمته الخالدة: “إنّ غلبة اللّغة بغلبة أهلها، وإنّ منزلتها بين اللّغات صورة لمنزلة دولتها بين الأمم”.

بهذا المعنى، كانت اللّغة في التجربة الجزائرية ميدان الصّراع الحضاري الأشدّ؛ فحين تضرب العربية، يُضرب معها الدّين، والمجتمع، والضّمير الجمعي للأمّة.

فمنذ الأيّام الأولى للاحتلال؛ سعت فرنسا لتفكيك المنظومة اللّغوية والثقافية للجزائر؛ فأغلقت كثيرًا من الكتاتيب والزوايا والمدارس القرآنية؛ وأحلّت الفرنسيّة محلّ العربية في التعليم والإدارة والقضاء؛ وأصدرت قرارات تمنع تدريس العربيّة، إلّا بإذنٍ خاصّ.

كانت تلك الإجراءاتُ ترجمةً لسياسةٍ استعماريّة، تدرك بأنّ السيطرة الحقيقيّة لا تُنتَزع من السّلاح، بل من العقل واللّسان.

غير أنّ تلك السّياسات لم تُنتج إلا إصرارًا مضادًّا؛ لأنّ الشعب الجزائريّ أدرك بالفطرة، أنّ من يتنازل عن لغته، يتنازل عن ذاته.

فلقد كانت الزوايا العلميّة في الجزائر أوّلَ الحصون التي احتمت فيها اللّغة العربيّة والدّين الحنيف زمن الاحتلال؛ فحملت مشعل الجهاد التربويّ والتعليميّ قبل الجهاد الميدانيّ؛ وسهرت على تعليم القرآن الكريم، ونشر العلوم الشرعيّة واللّغويّة؛ في حين كانت فرنسا تسعى لنشر الظلام والجهل والخرافات.

ومن الزّوايا والمنارات القرآنيّة خرجت الطّلائع الأولى للوعي الوطنيّ، والجهاد الشّعبيّ، فكانت المعلّم الأوّل للروح الجزائريّة، والمهد الّذي تخرّج فيه الأحرار، الّذين حملوا مشعل المقاومة والفكر والإصلاح.

وعلى هذا الأساس؛ جاءت جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين، بعد قرن من الاحتلال؛ فواصلت مع الزّوايا العلميّة رسالةً امتزجت فيها الرّوح الدينيّة الإسلاميّة بالرّوح الوطنيّة؛ وجعلت من اللّغة العربيّة سلاحًا للمقاومة الفكريّة، وأداةً لتوحيد الأمّة وتحرير الوعي، فكانت المؤسّسات الدّينيّة من الحلقات الواصلة بين الجهاد الشّعبيّ، طوال عهد الاحتلال، وجهاد ثورة التّحرير. وهكذا، تجسّدت وحدة الكلمة والرسالة، في معركة واحدة: معركة الدّفاع عن هُوّية الجزائر ولغتها ودينها.

أيّها الحضور الكريم.

حين اندلعت ثورة التحرير المباركة في الفاتح من نوفمبر، سنة أربع وخمسين (1954م)؛ لم تكن اللّغة العربية غائبة عن الميدان، بل كانت حاضرةً في أوّل بيان، وفي نداء جيش التحرير الوطنيّ، في المنشورات، وفي الخطب والأناشيد والأشعار.

لقد مثّلت العربية آنذاك لغة التحرير، كما كانت لغة التنوير؛ لأنّها لسان الشعب، وصوت التاريخ، ومفتاح الوجدان الجمعيّ، الّذي جمع بين القبائل والجهات، على اختلاف المشارب وتباعد الدّيار.

وقد فهم المستعمر هذا المعنى، فزاد في حربه الثقافيّ ة؛ لكنّ الثورة ردّت عليه بمزيدٍ من الوعي، بأنّ استقلال الأرض لا يكتمل إلا باستقلال اللّسان والفكر.

وبعد استعادة الاستقلال؛ أصبحت اللّغة العربية أحد عناوين السّيادة الوطنية، وجزءًا من الدستور، فضلًا عن الوجدان. غير أنّ معركة البناء والتعمير كانت أصعب من معركة التحرير؛ فقد واجهت الجزائر تحدّياتٍ معقّدةً في مجال التعريب، بيْن من رآه انغلاقًا عن العالم، ومن أراده عودةً إلى الصّواب، وتحقيقًا للذّات.

والواقع أنّ المسار الوطنيّ أثبت أنّ اللّغة العربية ليست ضدّ التّقنيات الحديثة؛ وهي لا تتناقض مع التقدّم والتّطوّر؛ بل تشترط العلم والانفتاح، لتُزهر وتُثمر. والصّواب أن تكون أداةٌ لتأصيلها، في بيئةٍ معرفيّةٍ جزائريةٍ أصيلة.

وحتّى لا يدخل كلامُنا في متاهات، نوضّح أنّنا نقصد بـ “تأصيلها”، ذاك المجهود ممّا يجب أن يُبذل في إدماج العلوم، في منظومة فكريّة وثقافيّة نابعة من قيم الجزائر وهُوّيتها؛ حيث لا تُستورد المعرفة جاهزة من الخارج، منزوعةً من سياقها؛ بل تُستوعَب، وتُعاد صياغتها بما ينسجم مع الهُوّية اللّغوية والدينيّة والحضارية الجزائرية.

أمّا مقصودنا بـ “بيئة معرفيّة جزائرية أصيلة”، فهو ذاك الإطار الفكري والثقافي الذي يجمع بين الأصالة، الّتي تتلخّص في اللّغة العربية، والقيم الإسلامية، والذاكرة الوطنية، وبين الحداثة العلميّة؛ أي البيئة الّتي تُنتج المعرفة، بلغة الذّات وروحها، لا بلسان غيرها.

وبعبارة أبسط: المقصود هو أن نتقدّم علميًّا، بلُغتنا وقِيمنا الرّوحيّة والوطنيّة، وليس على حسابهما، وخارج إطارهما.

إنّنا، بهذا، حين نتحدّث عن العربيّة في الجزائر، فإنّنا نتحدّث عن أمن لغويّ، هو في صميم الأمن القوميّ، بمفهومه الشامل، وبأبعاده المتعدّدة؛ لأنّ حماية اللّغة هي حمايةٌ للهُوّية وللسّيادة المعرفيّة.

أيّها السّادة الكرام، والسيّدات الفُضليات.

لقد شاء الله أن يصطفي العربيّة لتكون لغةَ الوحي والقرآن؛ فارتبطت بالدّين، واكتسبت بذلك بُعدًا روحيّا خالدًا.

ولذلك، فإنّ الدّفاع عنها ليس موقفًا قوميًّا وطنيّا فحسب؛ بل هو فريضة حضاريّة تمسّ جوهر الانتماء الإسلامي. قال تعالى: “إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ” [يوسف: 2].

وفي هذا النصّ إشارةٌ بليغة إلى أنّ العقل لا يكتمل إلّا بالبيان، والفهمَ لا يتمّ إلا باللّسان.

ولذلك، فإنّ إحياء العربية هو في جوهره إحياءٌ للعقل، وتجديدٌ للفكر، وصيانةٌ للروح.

إنّنا، أيّها السّادة والسيّدات، نرى أنّ معركة اليوم لم تعد بين العربيّة والفرنسية فقط، بل بين الهُوّية واللاهُوّية، وبين الثقافة الأصليّة والعولمة الجارفة، الّتي تميل إلى تجاهل الهُوّيات، وطمس الخصوصيّات.

ومن هنا؛ وجب أن تدخل اللّغة العربية عصر التقنية والذّكاء الاصطناعي، لا بوصفها لغة ماضٍ، بل بوصفها لغة مستقبلٍ قادرٍ على التعبير عن الفكر الإنساني الحديث وعن العلوم والتقنيات.

ولذلك؛ فإنّ من واجب المؤسّسات الأكاديميّة والدينيّة أن تعمل معًا على رقمنة المحتوى العربيّ؛ وإنتاج منصّات تعليميّة وبحثيّة تُسهم في جعل العربيّة لغة حيّة فاعلة في فضاء المعرفة العالمي.

وفي هذا المجال، يعلن جامع الجزائر استعداده لتبنّي بعض هذه المشاريع، بالتعاون مع المجلس الإسلامي الأعلى، والمجلس الأعلى للّغة العربية، والمجمع الجزائري للّغة العربية. فالجامع، في رسالته العلمية والحضاريّة، يُدرك هذا الترابط بين اللّغة والدّين والهُوّية.

وهو، كما لا يخفى على علمكم، ليس منارةً دينيّة فحسب؛ بل هو مؤسّسة فكرية وثقافية، يسهم في وصل الفكر بالدّين، والموروث بالمستقبل المأمول؛ ويعمل لإرساخ اللّغة العربيّة في برامجه التعليميّة والبحثيّة، وفي خطبه ودروسه وكراسيه العلميّة.

أيّها الجمع الكريم.

يمكن أن نخْلُص من هذا العرض إلى جملةٍ من النتائج:

  1. أنّ اللّغة العربية كانت ولا تزال ركيزة الهُوّيّة الجزائرية، والوعاء الأسمى للكرامة الوطنيّة؛ وبها صمد شعبنا أمام مشروع الاستلاب والاغتراب الثقافيّ.
  2. أنّ المقاومة اللّغويّة والفكريّة كانت شكلاً من أشكال الجهاد الشّعبيّ، قادته الزوايا العلميّة، وصفوة من العلماء والجمعيّات والشخصيّات الوطنيّة.
  3. أنّ تحدّيات ما بعد استعادة الاستقلال تستدعي مواصلة الجهد العلميّ والتربوي، لتجديد العربيّة، في الفكر والتعليم والإعلام.
  4. أنّ اللّغة لا تُصان وتّحيا بالقوانين وحدها، بل بالعمل الجادّ لترقيتها، وتعميم استعمالها، في شتّى المجالات، وفي كافّة المؤسّسات.

 

وخلاصة القول:

إنّه لا ينبغي أن يُنظر إلى اللّغة العربية كتراث نُنوّه به، ونُكرّمه في المناسبات، بل هي حياةٌ نعيشها كلّ يومٍ، بالفكر، وبالقول والفعل.

فالعربيّة هي روحُ الأمّة ولسانُ وجدانها، بها نُصلّي ونُفكّر ونُحبّ؛ وبها نُترجم حضورنا في العالم.

إنّ مِن نافلة القول أن نذكّر بهذه الحقيقة؛ ألاَ وهي: أنَّ اللّغة العربية مِن أقوى عوامل وحدتنا، ومقوّم أساسيّ من مقوّمات شخصيتنا، باعتبارها اللغة الجامعة لأبناء شعبنا، توحّد فكرهم وخطابهم، بتنوّع نسيجهم الثقافي والاجتماعي.

ومن هذا المنطلق، فإنّ علينا اليوم أن ندرك أنّ التّهاون في أمر اللّغة العربيّة يُعدّ تهاونًا في أمر الإسلام، لأنّ العربيّة تمثّل رسالة الإسلام، عقيدة وشريعة ونظام حياة. والواجب اليوم ليس الدفاع عن اللّغة في وجه الآخرين، بل إحياءها في أنفسنا وفي مؤسّساتنا؛ وتجديد صلتنا بها، بوصفها طاقةً روحيةً ومعرفيةً خالدة. فبها تلقّى المسلمون كتاب ربّهم؛ وشرّفهم الله باختيار هذه اللّغة لتكون وعاء يتحمّل وحيه وهدايته للناس أجمعين. وقد أدرك أسلافنا هذه الحقيقة، وأيقنوا بأنّ واجبهم نشر الإسلام، ونشر اللّغة العربيّة كأشرف وسيلة تحقّق نشر دعوة الإسلام.

لقد سمعنا من يسألون عن الوسيلة لترقية اللّغة العربية، وإحلالها المكانة المستحقّة. والحال أنّ كلّ عاقل يعلم علم اليقين أنّ حياة اللّغة في استعمالها، والالتزام بالعمل بها في كلّ المؤسّسات، والتعامل بها في شتّى شؤون الحياة. وهو ما يحول دونه خصوم العربية، الّذين يخنقون أنفاسها، ويعملون ليل نهار لإضعافها، والحيلولة دون ترقيتها وتعميم استعمالها. وهكذا هي حالنا، في ظلّ هذا التناقض، بين من يقول شيئا ويفعل غيره؛ وهكذا نحن نعيش، بين أمر يؤمن النّاس بأنّه خير وصلاح، وبين ممارستهم وسلوكهم في واقع الحياة.

هذا، والله نسأل أن يُبارك ملتقانا، ويسدّد مسعانا؛ وأن يُلهم الباحثين سداد الرأي، ويجعل من العربيّة منارةً متجدّدةً في أرض الجزائر، فبها قاومت، وبها كتبت تاريخها، وبها ستكتب مستقبلها.

والله يقول الحقّ وهو يهدي السّبيل.

والحمد لله ربّ العالمين.