كلمة السيّد عميد جامع الجزائر، السيّد محمّد المأمون القاسمي الحسني،
في ذكرى الإسراء والمعراج،
وحفل اختتام المسابقة الدوليّة لجائزة الجزائر لحفظ القرآن الكريم وتجويده.
يوم الخميس 26 رجب 1447هـ، الموافق 15 جانفي 2026م
الفضاء المسجدي – جامع الجزائر
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى،
وعرج به إلى السّماوات العلى، ليُريه من آياته الكبرى. نحمده سبحانه أن هدانا للإيمان،
وجعلنا من أمّة خير الأنام. وأفضل الصّلاة وأتمّ السّلام على المبعوث رحمة للعالمين؛
علمّ النّاس من جهالة، وهداهم من ضلالة؛ وأرشد أمّته إلى أنّ القرب من الله علم وعمل،
وحال ومقام؛ وعلى آله وصحبه، خير صحب وآل، ومن اهتدى بهديه واتّبع سنّته
إلى يوم المآل.
أمّا بعد:
حضرة الفاضل السيّد الوزير الأوّل المحترم؛
الأفاضل:
السيّد وزير الشؤون الدينية والأوقاف، والسّادة الوزراء والمستشارين؛
السيّد رئيس المجلس الإسلاميّ الأعلى؛
أصحاب السّعادة السفراء؛
أصحاب السماحة المشايخ والعلماء الأجلّاء؛
ضيوفَ الجزائر من مشارق الأرض ومغاربها؛
حملةَ كتاب الله؛
أيّها الإخوة المؤمنون، الحاضرون والمشاهدون؛
أحيّيكم بتحيّة الإسلام، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛
أحمد الله إليكم، وأرحّب بكم في جامع الجزائر، الّذي يحتضن اليوم الحفل الختامي للمسابقة الدولية لجائزة الجزائر لحفظ القرآن الكريم وتجويده، بإشراف كريم من السيّد الوزير الأوّل، ممثّلا للسيّد رئيس الجمهوريّة؛ في مناسبةٍ ليست كسائر المناسبات. إنّها ذكرى الإسراء والمعراج؛ ذكرى الانتقال من ظاهر الأرض إلى باطن السّماء؛ ومن ضيق العادة إلى سَعة المشاهدة؛ ومن حدود العقل إلى أفق الوحي.
إن اجتماعَ القرآن، والقدس، والسّماء، في ليلة واحدة، لم يكن مصادفة تاريخية، بل هو منهج إلهي: فالقرآن كتاب هداية؛ والقدس أرض الرسالات؛ والمعراج إعلانٌ بأنّ الإنسان لا يُختزل في مادّته؛
بل يسمو بروحه، إذا تهذّب بالعلم، وتخلّق بالحلم، وتزيّن بالإيمان ومكارم الأخلاق.
إخوة الإيمان؛
إنّ معجزة الإسراء والمعراج اختصّ الله بها نبيّه ومصطفاه؛ كانت له الكرامة، ومرتبة لم يصل إليها أحد قبله من المرسلين. وقد قال في ذلك أمير الشّعراء أحمد شوقي، رحمه الله:
حتّى بلغت سماء لا يطار لها على جناح ولا يسرى على قدم
وقيـــــــــــــل كلّ نبــــــــــــــيء عند رتبتــــه ويـــــــــــــــــا محمّد هذا اللوح فاستلم
لقد استمعنا لقصّة الإسراء، أكثر من مرّة؛ وتفاصيلها تشوّق السّامعين؛ وتدخل على القلوب الغبطة والسّرور. وأريد في هذه العجالة أن أقف عند بعض العبر الّتي طفحت بها حادثة الإسراء والمعراج.
فمن المعاني الّتي نستلهمها في هذه الليلة: ما أكرم الله نبيّه من إمامة المرسلين. جمع الله له الأنبياء،
في المسجد الأقصى؛ وصلّى بهم إمامًا. وفي ذلك تشريف له ولأمّته؛ وإشارة إلى أنّ الله مظهر دينه
على كلّ الأديان؛ وأنّ برسالته، عليه الصّلاة والسّلام، تختم الرّسالات:
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 33]
ومن الدّروس الّتي نستفيدها: أنّ في عروجه، صلّى الله عليه وسلّم، من المسجد الأقصى،
لا من المسجد الحرام، بشارة له أنّ الله سيفتح عليه منازل الوحي السّابق، وسيجمع له بين المسجدين؛ وأنّه، في آن واحد، تحميل لأمّته أمانة هداية البشريّة وقيادتها، لا بالنّسب والعصبيّة، ولكن بالمبادئ السّامية والقيم الإنسانيّة. وكذلك أمانة الحفاظ على مساجد الله الثلاثة، الّتي تُشدّ إليها الرّحال: المسجد الحرام، والمسجد النبويّ الشريف، والمسجد الأقصى المبارك، المسؤول عن رعايتها وعمارتها هي الأمّة المحمّديّة.
ومن المعاني الّتي نستلهمها من ليلة الإسراء والمعراج أنّ الصّلاة، وهي عماد الدّين، فُرضت في السّماء، لعظم شأنها، ولأنّها الرّكن الرّكين، من أقامها أقام الدّين، ومن ضيّعها فهو لما سواها أضيع، ضيّع
كلّ الدّين. فرضت في السّماء؛ وكلّ فرائض الدّين نزل بها الوحي إلى الأرض، على قلب النبيّ الكريم. وصحب فريضتها ما صحب من التّأكيد. فهي الصّلة المتجدّدة بين العبد وربّه؛ وهي الحصّة الزّمنيّة يصقل فيها المؤمن روحه، ويزداد قربًا من ربّه. وأقرب ما يكون العبد من ربّه، حين يكون أصدق عبوديّة، وأعمق ما يكون خشوعًا، وأخلص نيّة.
أيّها الإخوة المؤمنون؛
إنّنا لا نحتفي اليوم بمسابقة في الحفظ وحُسن التّلاوة فحسب؛ بل نحتفي بمقامٍ عظيم: مقام حمْلِ آخر كلمات الله لهداية البشريّة، كتاب الله الّذي يهدي إلى أقوم طريق، وأهدى سبيل، أفضل علم يحصّل، وأشرف علم يُنال.
وحَمَلَةُ القرآن، أهل الله، هم حَمَلةُ أمانةٍ، لا حملةُ كلمات وأصوات؛ فهم الذين يجمعون بين ضبط الحرف، وحراسة المعنى؛ وبين جمال الأداء وصدق الاتّباع. يتناقلون الرّسالة، جيلًا بعد جيل؛ ويجعلون معجزة حفظ كتاب الله، عبر الأزمنة، حقيقة خالدة، خلود أمّة الإسلام.
إنّ المسابقة القرآنية، في معناها العميق، هي مسابقة في القرب من الله؛ وفي مدى قدرة الحافظ، والقارئ، والمجوّد، على أن يجعل القرآن مرآةً لأخلاقه، ونورًا في واقعه، ومنهاجًا لحياته.
إنّ الجزائر، وهي تستقبل اليوم قرّاءً وحفّاظًا من مختلف الدول، تؤكّد، بالفعل لا بالقول، أنّ وحدة الأمّة تبدأ من وحدة المرجعية؛ وأنّ القرآن كان وسيبقى لغة اللقاء، وجواز العبور، وعنوان الأخوّة الصادقة.
ونحن، إذ نثمّن الجهود التي تبذلها وزارة الشؤون الدينية والأوقاف في خدمة كتاب الله، ونقدّر العناية الخاصة التي يوليها السيّد رئيس الجمهوريّة لهذا المجال؛ فإنّنا نؤكّد أن الاستثمار في القرآن هو استثمار في الأمن الروحيّ والفكريّ، وفي الانسجام والاستقرار المجتمعي، وفي مستقبل الأمّة الحضاريّ.
وليس من قبيل المصادفة أن يُقام هذه الاحتفال في جامع الجزائر، الصّرح الدينيّ الّذي يسمو بالمعاني، ولا يعلو بالمباني؛ أذن الله أن يُرفع ليكون منارة علم، وجامع رسالة، وجسر تواصل بين الجزائر وعمقها الروحيّ، وبين الإسلام وأفقه الحضاريّ.
إنّ جامع الجزائر يفتح ذراعيه لكلّ من يخدم رسالة الإسلام الحضاريّة؛ ومستعدّ لاحتضان أيّ نشاط دينيّ أو علميّ أو ثقافيّ، يسمو بالفكر، أو يدعو إلى الخير، أو يبني لبنة في صرح وطننا وأمّتنا والإنسانيّة جمعاء؛ على أمل أن تشهد رحاب الجامع فعاليّات المسابقة القرآنيّة الدّوليّة، بمشيئة الله، الّتي تنظّمها وزارة الشؤون الدينيّة، من حفل الافتتاح، إلى الختام. ونحن في هذه الليلة المباركة نهنّئ الفائزين فيها؛ والقائمين عليها، والمشاركين فيها وفي طبعاتها. نسأل الله تعالى أن نكون وإيّاهم من أهل القرآن،
الّذين هم أهله وخاصّته؛ وأن يجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء همومنا، وذهاب أحزاننا. إنّه وليّ ذلك والقادر عليه.
والله وليّ الإعانة والتّوفيق.
والحمد لله ربّ العالمين.


