كلمة عميد جامع الجزائر، السيّد محمّد المأمون القاسمي الحسني،
في فعاليات اليوم الدراسي الموسوم بـ:
“خلق منظومة وطنيّة متكاملة للوقاية من المخدّرات والمؤثّرات العقليّة وقاية – تكفّل – حماية”
تحت عنوان:
“البلورة والتشييد وإرساء البنيان لمنظومة وطنيّة متكاملة للوقاية من المخدّرات والمؤثّرات العقليّة”
يوم الخميس 06 جمادى الثّانية 1447هـ، الموافق 27 نوفمبر 2025م.
المركز الثقافي – جامع الجزائر
﷽
الحمد لله الّذي حرّم علينا الخبائث، وأحلّ لنا الطيّبات،
والصّلاة والسّلام على سيّد الكائنات، سيّدنا ونبيّنا محمّد، الّذي جاء بشريعة تحفّظ العقل، وتصون الإنسان، وتبني المجتمع على نور الهدى وسواء السبيل؛ وعلى آله وصحبه أجمعين.
السيّد وزير العدل حافظ الأختام المحترم؛
السيّد المدير العام للديوان الوطني لمكافحة المخدرات وإدمانها؛
حضرات السادة القضاة، والأمناء، والأطباء، والباحثين؛
السّادة الإطارات والخبراء؛
أسرة الإعلام الأعزّاء؛
السّلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، أمّا بعد؛
فيشرّفني أن أرحّب بكم، أيّها الحضور الكريم، في رحاب جامع الجزائر، هذا الصرح الدّينيّ الشّامخ، الّذي نريده أن يكون شاهدا على أنّ الإيمان ليس نُسُكًا منعزلاً؛ بل هو قوّة حضاريّة تُلهم التشريع، وتحمي الإنسان، وتُسهم في بناء وطن قويّ آمن.
إنّ احتضان جامع الجزائر لهذا اليوم الدراسيّ هو رسالة عميقة، مفادها: أنّ حماية المجتمع من آفة المخدّرات ليست مسؤوليّة قطاع بعيْنه؛ بل هي واجب وطنيّ جامع؛ تتكامل فيه جهود الدولة بمؤسّساتها، وجهود المجتمع، بعلمائه وأطبّائه، وبمفكّريه ومربّيه.
حضرات السّادة والسيّدات؛
يتناول هذا اللّقاء موضوع: “البلورة والتشييد وإرساء البنيان لمنظومة وطنيّة متكاملة للوقاية من المخدّرات والمؤثّرات العقليّة”. وهذا، في تقديرنا، مشروع دولة، ورهان أمن قوميّ وطنيّ، ومعركة أخلاقيّة تُخاض على جبهة الفكر والعقول، قبل أن تُخاض على حدود الجغرافيا؛ ولا ينبغي أن يُنظر إليها كشعارٍ تنظيميّ فحسب.
فالمخدّرات أصبحت اليوم سلاحًا غير معلن يستهدف الأوطان من الداخل؛ ويقوّض أركان الأسرة؛ ويضرب الثقة والتّواصل بين الأجيال؛ ويُضعف مناعة المجتمع في مواجهة التحدّيات.
لم تعد هذه الآفة مادّة مجرّدة يُنظر لها أنّها محرّمة شرعًا، ومجرّمة قانونًا. بل هي من أخطر الآفات، وأخبث المخطّطات، وأفتك الأسلحة الّتي تغزى بها المجتمعات في هذا الزّمن؛ تستخدمها العصابات التّخريبيّة في المجتمعات البشريّة، لأجل إذلالها والسّيطرة عليها؛ فهي من الآفات العظمى الّتي تهدّد المجتمع الإنساني. والمروّجون لهذه السّموم يستعملون حيلًا دقيقة وخفيّة لتهريبها، لا ينتبه لها كثير من النّاس؛ فهم يصنعونها على أشكال مختلفة، ويدسّونها في أشياء، يُستبعَد وجودها فيها. وهؤلاء المجرمون، يستحقّون أشدّ العقوبات. فإذا كان من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض، فكأنّما قتل النّاس جميعا؛ فكيف بالّذي يقتل شعبًا أو أمّة بأكملها؟!!
أيّها الحضور الكريم؛
يقول الله تعالى: ﴿قُل لَّا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المائدة: 100]
إنّ من حكمة الله تعالى خلق المتضادّات، في هذه الحياة، من الطّيّب والخبيث، والصّالح والفاسد، والنّافع والضّار. وفي هذه الآية: نفي المساواة بين الخبيث والطّيّب؛ لأنّ الخبيث ضارّ مفسد، ولأنّ الطيّب نافع مفيد؛ ولو كسي الخبيث شيئا من المحسّنات؛ فلابدّ أن يفتضح زيفه، وتنكشف حقيقته.
واللّفظ هنا يشمل الخبيث، من الأشخاص والأقوال والأعمال والأموال، ومن المآكل والمشارب. فلا يستوي الخبيث والطيّب من هذه الأشياء، ولا من غيرها. وقد أحلّ الله لنا الطيّبات، وحرّم علينا الخبائث.
لقد كرّم الله الإنسان على غيره من المخلوقات؛ ووهبه العقل الّذي يميّزه عن سائر الحيوان. فبالعقل يميّز بين الحقّ والباطل، وبين الخير والشّرّ، وبين النّافع والضّار. وبأداة العقل يفكّر في آيات الله، ويتدبّرها، ويتفقّه فيها؛ وبها يهتدي وينتج، وبها يخترع ويبدع.
وقد نهى الله عن تعاطي ما يخلّ بالعقل؛ ورتّب على ذلك حدّا رادعًا، وعقوبة زاجرة. فالعقل إحدى الضّرورات الخمس، الّتي أجمعت الشّرائع السّماويّة على وجوب حفظها. وفاقد العقل يضرّ بنفسه، ويسيء إلى مجتمعه. فهو يوقع نفسه في الهلاك وفساد الأخلاق؛ ويتعدّى على المجتمع، فيروّعه ويخلّ بأمنه.
العقل يحمل الإنسان على أن يتحلّى بالفضائل، ويتخلّى عن الرّذائل؛ فهو يعقل الإنسان، ويحجره عمّا لا يليق به. وآفة المخدّرات تعطّل العقل وتفسد المزاج؛ فهي تشارك الخمر في الإسكار، وتزيد عليها في كثرة الأضرار. وقد ذكر العلماء والخبراء فيها ما يزيد على عشرين ومائة مضرّة (120)، دينيّة ودنيويّة. فمن أضرارها الدّينيّة: أنّها تسبّب ترك الصّلاة، والوقوع في المحرّمات، وتذهب الحياء والمروءة، وتنسي ذكر الله، إلى غير ذلك من سيّئ الأثر.
ومن مضارّها البدنيّة: أنّها تخبّل العقل، وتقطع النّسل، وتخلّف الأسقام، وتحرق الدّم، وتضيّق النّفس، وتفسد الأمزجة، وتورّث الجنون، وتقتل الغيرة في الإنسان.
حضرات السّادة والسيّدات؛
إنّنا في زمان كثر فيه دعاة الفساد، وازداد الشّرّ في أهله، واختلط فيه النّاس، من كلّ الجهات، بسبب تيسّر وسائل النّقل والاتّصال، وصار الشّرّ ينتشر بسرعة. وهذا يستدعي منّا الحذر وشدّة الانتباه، والمحافظة على شباب الأمّة من الوقوع في المهالك، والتّردّي في أسوء المسالك.
ومن هذا المنطلق، فإنّ بناء منظومة وطنية متكاملة للوقاية، كما يشير عنوان هذا اليوم، يقتضي ثلاثة مستويات متكاملة:
أولًا: وقايةٌ تحصّن الوعي
وقايةٌ تستند إلى العلم والدّين، وإلى خطاب تربويّ وإعلاميّ يواجه الخطاب المروّج للسّموم. فالأصل في الشريعة أن تُصان العقول، لأنّها مناط التكليف؛ ومهما تكن قوّة القوانين فلن تُجديَ ما لم تُحصّن النفوس.
ثانيًا: تكفّلٌ يعالج الإنسان قبل أن يُعاقبه.
إنّ المدمن، في نظر الشرع والقانون، إنسان يحتاج إلى يد تمتدّ إليه. فالتكفّل هو صمام أمان اجتماعيّ، يدمج الأسر، والمختصّين، والمؤسّسات الصحّيّة في مسار واحد.
ثالثًا: حمايةٌ تُفعّل بقوّة الدولة.
إنّ تشديد الرقابة على الحدود، وتحييد شبكات الترويج، وتجفيف منابع التمويل، كلّها عناصر تُشكّل الدرع الصلب الّذي يكمّل الجهد التربويّ والصحّيّ. وهذه الحماية لا تتمّ إلّا في إطار منظومة متناسقة بين أجهزة العدالة، والأمن، والقطاعات الاجتماعيّة المختلفة.
أيّها الحضور الكريم؛
إنّنا، في جامع الجزائر، نؤمن بأنّ المعركة ضدّ المخدرات هي معركة على مستقبل الأمّة، وعلى سلامة شبابها، وعلى قوّة الدولة، في زمن تتعاظم فيه الحروب غير التقليديّة.
وإنّ الجامع، بما يحمله من رسالة قيميّة وثقافيّة، مستعدٌّ ليكون شريكًا فاعلًا في بناء الوعي، وإرساخ ثقافة الوقاية، والتعاون مع مؤسّسات الدّولة من أجل مجتمع قويّ معافى، راسخ البنيان.
ويطيب لي، من هذا المنبر، أن أحيّي الجهود الّتي يقوم بها الديوان الوطنيّ لمكافحة المخدّرات وإدمانها؛ وأثمّن حضور السيّد وزير العدل حافظ الأختام، الّذي يعكس حرص الدولة على تعبئة كافّة أدواتها القانونيّة والمؤسّساتية لبناء هذه المنظومة المتكاملة.
أسأل الله تعالى أن يجعل هذا اليوم محطّة للتفكير المشترك، والتكامل المؤسّساتي؛ وأن يبارك الخطى نحو مجتمع آمن محصّن، مضيء بقيمه الرّوحيّة والوطنيّة.
والله وليّ الإعانة والتّوفيق.
والحمد لله ربّ العالمين.


