كلمة السيّد محمّد المأمون القاسمي الحسني، عميد جامع الجزائر، في الندوة الدوريّة “يوم المعرفة”
بعنوان: “الخطاب المسجديّ الرّسالي، في ضوء التّغيّرات الفكريّة المعاصرة“
جامعة الشهيد حمّه الأخضر، ولاية الوادي – الجزائر
يوم الاثنين 26 جمادى الأولى 1447هـ، الموافق 17 نوفمبر 2025م.

الحمد لله الذي رفع المؤمنين بالعلم درجات، وأعلى به شأن الإنسان؛ وجعل طلب العلم عبادةً، وتعليمه رسالة، ونشرَه جهادًا؛
والصّلاة والسّلام على سيّدنا محمّد، نبيّ العلم والهداية، بعثه الله هاديًا للناس أجمعين، وأرسله ورحمةً للعالمين؛
وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه بإحسانٍ إلى يوم الدّين.
حضرة الأخ الفاضل، السيّد العربي بهلول، والي الوادي المحترم؛
حضرة الأخ الفاضل، السيّد عمر فرحاتي، مدير جامعة حمّه الأخضر المحترم؛
أصحاب السّماحة، المشايخ والعلماء؛
السّادة نواّب الأمّة في البرلمان؛
حضرات الأساتذة الأجلّاء. أبنائي الطّلبة الأعزّاء؛
أيّها الحضور الكريم؛
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
يطيب لي في البداية أن أتوجّه بالشّكر إلى السيّد مدير الجامعة، على دعوته الكريمة لهذا اللّقاء الّذي يجمعني بأهل العلم، وحملة الفكر والقلم. وقد قدمت إليكم من جامع الجزائر، الصرح الحضاريّ الجامع بين الدّين والعلم، لأتحدّث إليكم، اليوم، ليس ببحث محكّم في قواعده؛ بل بكلمة صادقة من القلب، تحمل همّ العلم، وحرارة الانتماء، وصفاء النّيّة، إن شاء الله؛ وعسى أن تبلغ كلماتي القلوب قبل الأسماع.
أتحدّث، في هذه الورقة، عن الخطاب المسجدي الرّسالي، في ضوء التّغيّرات الفكريّة المعاصرة. وإذا أسعفَنا الوقت، فسأتناول جملة من النقاط أوّلها:
المرجعيّة وأهمّيتها، والوافد الموروث، فضلاً عن دور جيل المعلّم والمتعلّم، وأخلاق العالم وطالب العلم، وعن التّكامل بين الجامعة والجامع.
حضرات السّادة والسيّدات؛
أوّلا: عن الخطاب المسجديّ الرّسالي، في ضوء التّغيّرات الفكريّة المعاصرة:
فكيف ننظر إلى أولويّات هذا الخطاب؟ وأيّ رسالة يؤدّيها، في ظلّ الفراغ الروحي، والاغتراب الثقافي، وطغيان الحياة المادّية، وانحسار القيم والأخلاق الإسلامية؟
أنا هنا أتحدّث عن تجديد الخطاب الإسلامي، وتحسين أدواته. والخطاب المقصود هو الخطاب الأصيل المستنير، من حيث مرتكزاته وموضوعاته، وتنوّعه واعتداله، واتّصاله بالزمان والمكان؛ ومراعاته الوقائع والمستجدّات. خطاب يسعى لترقية الحياة الروحية، ولا يهمل متطلّبات الحياة المادّية؛ فيتّجه في غاياته إلى إحياء القلوب، وبعث الطّاقات الروحية في النفوس، لتكون معتصمة بحبل الله، وأسبابها موصولة بالله.
الخطاب الّذي نريده هو خطاب يصدر عن رؤية معرفيّة شاملة، ويراعي فقه الأولويّات، كما يراعي فقه المقاصد والمآلات. يخاطب القلب، ولا يهمل العقل. يؤلّف بين الدّين والعلم، ويوفّق بين الأصالة والمعاصرة. يتبنّى التيسير في الفتوى، والتبشير في الدّعوة.
ومعيار نجاح الخطاب ليس في كمّ المعلومات الّتي فيه؛ وإنّما في الأثر الإيجابي الّذي يتركه في المتلقّين. فالخطاب الناجح هو الّذي ينتج عنه أثر عمليّ في حياة الناس، بتغيير أفكارهم وسلوكهم. ويتأكّد هنا أنّ واجب الخطيب، وهو إمام المسجد، والداعية أو المرشد، ليس مجرّد البلاغ، بل هو البلاغ المبين.
ومن خصائص الخطاب الناجح التّفاعل مع الواقع الّذي يعيشه الناس. فهو يوجّههم إلى موقف الإسلام من مستجدّات الحياة، ومجريات الواقع المعيش. وهنا ينبغي أن نشير إلى أنّه على الدّعاة أن يكونوا على وعي وحذر من الإفراط في الانسياق وراء قضايا السّاعة؛ حتّى لا ينجرّوا إلى معارك هامشيّة، لا تستحقّ أن تهدر فيها طاقات المسلمين وأوقاتهم. والخوض فيها لا يفيد المجتمع المسلم في شيء؛ بل قد تنجم عنها مفاسد، أكثر ممّا يرجى من مصالح. فبعض الأفكار الضّالّة والآراء الشاذّة الّتي لم تنشر بين الناس، يعدّ إهمالها وتجاهلها والسّكوت عنها أفضل طريق لإماتتها.
وهنا تظهر الحاجة إلى فقه الأولويّات. وهي تظهر أكثر، عند تدافع المصالح فيما بينها، أو تزاحم المفاسد فيما بينها. وعند تعارض المصالح مع المفاسد، ينبغي إعمال القواعد الفقهية المعروفة الّتي تحكم ذلك. فعند تدافع المصالح، تقدّم المصلحة الكبرى على الصغرى.
وعند تزاحم المفاسد، تدفع المفسدة الكبرى مع تحمّل المفسدة الأقلّ ضررا منها. وعند تعارض المصالح والمفاسد، يكون درء المفاسد مقدّما على جلب المصالح، عند تساويهما أو تقاربهما. فإن كان بينهما تفاوت قدّم الأكبر. فإذا كانت المصلحة أكبر، جلبت مع تحمّل المفسدة المقابلة. وإذا كانت المفسدة أكبر، دفعت المفسدة، مع تحمّل ضياع المصلحة المقابلة.
والمتصدّي للإصلاح: عليه أن يتعامل مع الواقع الّذي لا يرضاه بأسلوب الإصلاح والتغيير، لا بأسلوب التعنيف والتشهير. فمن وجد أفكارا وممارسات يراها خاطئة، فليتوجّه إلى أصحابها توجّه الناصح الّذي يريد لهم الهداية؛ لأنّ تعنيفهم والتشهير بهم يثير فيهم التعصّب لما هم عليه، ويبعث فيهم حميّة الجاهلية للدّفاع عن أنفسهم، فيعرضون عمّا يريد أن يوجّههم إليه. وقد قال تعالى: {وقل لعبادي يقولوا الّتي هي أحسن إنّ الشيطان ينزغ بينهم إنّ الشيطان كان للإنسان عدوًّا مبينا} [الإسراء153].
ومخاطبة الناس بالحسنى يجعلهم أكثر استجابة لما يُدْعَوْن إليه. فعن عائشة رضي الله عنها، أنّ رسول الله ﷺ قال: {إن الرّفق لا يكون في شيء إلاّ زانه، ولا ينزع من شيء إلاّ شانه} صحيح مسلم. كتاب البرّ والصلة والأدب – باب فضل الرفق.
إنّ التركيبة المعرفيّة لأطراف الخطاب، لا سيما المتلقّية، عرفت تطوّرًا نوعيًّا، وتحوّلاً جذريًّا؛ حيث أصبحت المكتسبات المعرفيّة التّقليديّة، الموروثة من أسلافنا محلّ مقارنة وتمحيص مع واقع مادّيّ متحوّل ومتسارع باستمرار؛ ويجدها أبناؤنا بين أيديهم، كحقائق ربّانيّة، وهداية نبويّة؛ وأصبحت للصّورة أشكال مختلفة، وللكلمة معان متعدّدة؛ وبات معظم الأعمال غريبا عن مدوّنة المعارف التقليديّة؛ ممّا أصبح يشكّل تحدّيا مزدوجا للخطيب، من جهة، وللمتلقّي، من جهة أخرى؛ حيث تضاعفت تساؤلات المتلقّي؛ وقد لا يجد لها إجابات شافية، تقنعه بشأن مستجدّات ونوازل لم يكن للسّلف عهد بها. وبالنّظر إلى هيمنة الحضارة المادّية الّتي تطبع يوميّات النّاس، أصبح المتلقّي يطلب براهين محسوسة، وأدلّة ملموسة، وإثباتات علميّة، تتجاوز المنهجيّة المعرفيّة التّقليديّة، الّتي تلقّن الإيمان، دون إعمال للعقل، كدعامة لتلقين القيم الإيمانيّة. وهذا المنحى بات غير مقبول، ومحلّ تحفّظ لدى فئات من الشّباب، تشرّبوا القيم المادّية الجارفة للحضارة الغربيّة.
أمّا بالنّسبة إلى الخطيب، وفي غياب مناهج ومقاربات جديدة في التّعامل مع مقتضيات العصر، ومستجدّات الحياة؛ فإنّه لم يتمكّن من استيعاب التّحوّلات المعرفيّة والمادّية الحاصلة، والتّكيّف مع معطياتها. ومن ثمّ، فهو يلجأ إلى الحلول المتوفّرة، وتتمثّل في تقديم تفسيرات جديدة، بناء على القواعد الفقهيّة التقليديّة نفسها. وهكذا غلب على الخطاب الدّيني الإسقاطات والقياسات التقريبيّة، الّتي لم يكن لها نتاج سوى إعادة إنتاج الأحكام نفسها، وكذا الأفكار القديمة، في حلل جديدة، دون أن يقدّم الخطاب حلولًا فعّالة مقنعة، لمشكلات العصر الرّاهن.
نحن، أيّها السّادة والسيّدات، نعتبر الخطاب الدّيني خطابًا أصيلًا، لا لتاريخيّته أو لقداسة مواضيعه، بل هو أصيل لأنّه ابن بيئته وزمانه. والخطاب، كما تعلمون، فكر ولغة، في آن واحد، به تؤدّى أمانة العلم، وتبلّغ رسالة الهداية إلى الإيمان. وحين نحرص على سلامة الخطاب المسجدي، نكون قد أدّينا الأمانة بحقّها. وإذا لم يسلم الخطاب، في لغته ومحتواه، فستكون الـأمانة عظيمة أمام الله.
إنّ من بين المسؤوليّات الجسام الّتي تقع، في هذا العصر، على العلماء والأئمّة والفقهاء والخطباء، العمل لتجديد الخطاب، ليكون ابن عصره، حتّى تصل الرّسائل الدّينيّة والمعرفيّة والحضاريّة، دون تحريف؛ ويكون الحديث مع الجميع بلغة يفهمونها، وأدلّة وبراهين تدركها عقولهم، حين يواجهون بالحقائق الرّبّانيّة الثّابتة.
إنّ تجديد الخطاب الدّيني، أيّها السّادة والسيّدات، لا يعني تجديد الدّين. فكتاب الله واحد، والحقيقة الدّينيّة واحدة، ثابتة، على مرّ العصور والأجيال. وفهمنا لهذه الحقيقة، ونظرتنا إليها، وتفقّهنا فيها، تشكّل عوامل ينبغي أن نراعي فيها مستجدّات ومتغيّرات، كحقيقة وواقع، مستخدمين، في الوقت نفسه، المعارف التّقليديّة، كمرجعيّة دينيّة معرفيّة.
إنّ ممّا ينبغي للمجتمع المسلم أن يفصل بوعي بين الثّوابت والمتغيّرات؛ فيعيش إسلامه بمبادئه وقيمه الخالدة، كما عاشه سلفنا الصّالح؛ ويتمسّك بالثوابت تمسّكه بالعقيدة الّتي أثمرتها؛ وفي الوقت نفسه، يتعامل بمرونة مع المتغيّرات، باعتبارها مجرّد أساليب ووسائل وكيفيّات، يحتاج إليها كلّ جيل للتعبير بها عن واقع عصره.
وممّا نراه من مقتضيات تجديد الخطاب: إصلاح المعارف. فالخطباء القائمون على المنابر مطالبون بالعمل لتطوير معارفهم، والتّفتّح على واقع مجتمعاتهم. وينبغي أن يبذلوا في سبيل ذلك الجهد الّذي يبذلونه في ترقية معارفهم في مجال العلوم الشّرعيّة. فتلكم هي السّبيل لتجاوز الشّرخ الحاصل بين الخطيب والمتلقّي.
فمادامت حلقات العلم تهجر، والبرامج الدّينيّة التّلفزيونيّة تحجب، وفئات من الشباب “المصلّين” قد تجدهم نائمين، أو مشتّتي الأذهان، كان لابدّ من مراجعة أنفسنا، كمربّين ودعاة وخطباء.
لقد حان لهذا الشرخ أن يعالج ويلتئم، وآن للخطاب الدّينيّ، الّذي يبحث عن نفسه، أن يؤدّي دوره الحضاريّ في الأمّة، مقوّما لمسيرتها، مراعيًا لمكّوناتها، راعيًا لمقوّمات شخصيّتها، مقدّرًا لإنجازاتها ومكتسباتها.
حضرات السّادة والسيّدات؛
إذا كنّا جديرين برسالتنا الحضاريّة، فعلينا أن نعمل لتطوير خطابنا، حتّى يكون انعكاسا لتطوّر مجتمعاتنا، ودافعا لطاقاتها ومقدّراتها. لابدّ من التّمسّك بمرجعيّتنا الدّينيّة الجامعة، والعمل لتأصيل معارفنا، ومراجعة تراثنا الفقهيّ والمعرفيّ، وتطبيقه بلغة العصر، ومراعاة مقتضياته، والحرص على تقديم إجابات شافية وافية لشبابنا، بما لا يدع مجالًا للشّك: أنّ ديننا الحنيف، دين الوسطيّة والاعتدال، دعوته سمحة، وشريعته ميسّرة، لا حرج فيها ولا تعسير؛ وهي صالحة لكلّ زمان ومكان. وما أحوجنا إلى الممارسة الواعية للتلقّي من كتاب الله وسنّة رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم؛ وإلى حسن تمثّل المنهاج القرآني في الإصلاح التربويّ والاجتماعي.
ومن أهمّ أولويّات الخطاب المسجدي، وأكثرها إلحاحا تحصين المرجعية الدينية الجامعة، وتعزيز مقوّمات الوحدة الوطنية؛ وذلك بالتصدّي للتيارات الوافدة المفرّقة؛ ولا سيما الفكر التكفيري المتطرّف الذي يتغذّى من إشاعة الفهوم الخاطئة للدّين، والتأويلات الباطلة لمقاصد شريعته.
إنّ هذا الفكر دخيل على المجتمع الجزائري، غريب عنه، وافد عليه؛ ليس له أيّ سند في مرجعيته الدينية والثقافية والحضارية، وليس له أيّ حضور في تراثه الثقافي المتراكم، عبر الأجيال والعصور.
ومعالجة الفكر المتطرّف تبدأ بمعالجة ثقافة التطرّف نفسها، ثقافة النظرة المتشدّدة للدّين، وإلى التراث والى التاريخ وإلى الآخر. ولا سبيل إلى ذلك إلاّ بتفكيك أسانيد هذا الفكر المنحرف الخطير، وتفنيد مرجعيتّه، وإبطال حجّيته.
لقد مرّت على مجتمعنا سنون شداد، حيث تسلّلت إليه أيادي الهدم، وتيّارات التفرقة؛ فانحرف عن طريق الرشاد، وحرم كثير من أبنائه الرؤية الصحيحة؛ فعرفت طائفة من شباب الأمّة ظاهرة التطرف والتشدّد وتجاوز الاعتدال؛ وأصيبت طائفة أخرى بآفة الانغلاق الفكري المفضي إلى التحجّر والجمود؛ وتأثّر بعضهم بتيّار لم يصدّر فكره للأمّة سوى جفاف الأرواح، واختلاف القلوب، فضلا عن تزهيد طائفة من المسلمين في قدوتهم، وحجبهم عن مصادر النور، كيلا ينفذ إلى قلوبهم.
إنّ مسؤوليّة السّادة الأئمّة جسيمة، وأمانتهم عظيمة؛ فهم حملة الرسالة، الأمناء على منبر رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم. عليهم أن يحفظوا وحدة الصّفّ، ويسعوا في جمع الكلمة، ويغذّوا القلوب بغذاء القرآن، ويصلحوا النّفوس بهداية الإيمان، ويوجّهوا الناس بالحكمة والموعظة الحسنة، لتبقى أمّتنا وفيّة لمرجعيّتها، راسخة في وسطيّتها واعتدالها، منيعة من كلّ دعوة مشبوهة، وكلّ فكر منحرف دخيل عليها.
ثانيًا: عن المرجعيّة وأهمّيتها أقول:
إنّ الأمم لا تنهض بقدر ما تملك من الثروة والعدد؛ بل بقدر ما تحسن الارتكاز على مرجعيّتها الفكرية والروحية. فالأمم التي فقدت مرجعيّتها ضاعت ملامحها، وتاهت في زحام العولمة؛ وصارت نسخةً من غيرها.
أمّا نحن في الجزائر، فقد أراد الله لنا أن ننهض من رحم التاريخ بثلاث ركائز كبرى:
الإسلام دينًا، والعربيّة لسانًا، والوطن إطارًا جامعًا للروح والعقل والكرامة.
وما ينبغي للمرجعيّة الوطنيّة الجامعة أن تكون شعارًا نردّده في المناسبات؛ بل يجب أن تكون هي بوصلة الوعي، وميزان الحكم على الأشياء. فهي الّتي تضع حدود التفاعل مع العالم، دون أن نذوب في أحد قطبيه: الشرق أو الغرب. نأخذ من كلّ حضارةٍ ما ينفعنا؛ ونرفض ما يجرّدنا من أنفسنا، ويستهدف ثوابتنا وخصوصيّتنا، فـ “الحكمة ضالّة المؤمن، أنّى وجدها فهو أحقّ بها“؛ ولكن بشرط أن تبقى الهُوّية هي المصفاة، والعقيدة هي الضابط، والوطن هو المرجع والسند.
إنّ مرجعيتنا الدينية وخصوصيّتنا المذهبية، في العقيدة والفقه والسلوك، حصانة ذاتية من التطرّف والعنف ومن الغلوّ في الدين، الّذي كان آفة قديمة في الأمم السابقة، وكان سببا لهلاكها، كما قال صلّى الله عليه وسلم: (إيّاكم والغلوّ في الدّين. فإنّما أهلك من كان قبلكم الغلوّ في الدين).
والجزائر الّتي احتضنت الإسلام، منذ أن أنارها بهدايته، عاشته عقيدة وأحكاما، وقيما ومبادئ وآدابا. عاشته في عقد الأشعري ومذهب الإمام مالك، وفي التصوّف السنيّ على طريقة الجنيد السّالك؛ مما جعلها تجسّد مدرسة الوسطية والاعتدال، التي مكّنت لفضائل الرفق والتسامح والإحسان إلى الخلق، فتجلّى ذلك كلّه في السلوك الفردي والجماعي للمجتمع الجزائري.
لقد كانت لنا هذه المرجعية الموحّدة صمام أمان، عبر العصور والأجيال، فكان شعبنا مثالاً للمجتمع المسلم القائم على تنوّع النسيج الثقافيّ والاجتماعيّ في إطار وحدة دينية ووطنية جامعة. وكان التحام قيمه الروحية والوطنية سرّ تماسكه، عبر العهود والأزمان، ولاسيما في أيّام المحن والشدائد، وفي عهود الاحتلال.
ثالثًا: بين الوافد والموروث؛ وضرورة الوعي:
لقد أصبح هذا العصر مفتوح الأبواب: العلوم تتدفّق، والمفاهيم تتناسل، والمناهج الفكرية تتداخل. وفي زحمة هذه التيارات، لا يُخشى على شبابنا من الجهل بقدر ما يُخشى عليهم من التيه بين الأفكار المستوردة، التي تتزيّن بلباس التنوير، وهي تحمل بذور التغريب. فنحن نخشى عليهم من الكلمة المضلّلة، الّتي يكسوها أصحابها ثيابًا جميلة، باسم الإبداع الفنّي وحرّية التعبير؛ وهي في الواقع تزيّن الرّذيلة، وتباعد من الفضيلة، وتقلب سلّم القيم، فيسمو بتأثيرها ما كان وضيعًا، ويسقط بها ما كان رفيعًا.
وتعلمون، أيّها السّادة والسيّدات، أنّ دور الكلمة في سلامة تصوّرات النّاس، أو إفسادها، دور لا يمكن تحديد مداه. وقد رأينا كيف أصبح سلطانها أنفذ ما يكون في المجتمعات، وكيف يضغط عليها ضغطًا قويًّا ليجعلها على صورة القالب الّّذي صيغت عليه الكلمة المسوّقة.
ولذلك كان لزامًا علينا أن نُحصّن أبناءنا، ونحسّس الباحثين في مؤسّساتنا، والعاملين في حقل الإعلام، بـأهمّية المرجعيّة الوطنية الجامعة؛ تلك الّتي صاغتها الجزائر بدماء شهدائها، وبفقه علمائها، وفكر روّاد نهضتها، وبسلوك زواياها ومدارسها.
إنّ هذه المرجعيّة الّتي نتمسّك بها ليست انغلاقًا، بل هي انفتاحٌ متوازن، يحمي العقل من الذوبان، ويحفظ الانتماء، في خضمّ التعدّد والتنوّع. هي مرجعيةٌ تستلهم من الوحي، وتستنير بالعقل، وتستند إلى التجربة الحضاريّة، عبر القرون، للأمّة الجزائرية.
رابعًا: دور الجيل المعلِّم والمتعلِّم:
أنتم اليوم، حضرات الأساتذة، وأبنائي الطّلبة، الورثة الحقيقيّون لرسالة الأنبياء؛ فكلّ معلّمٍ يحمل في قلبه نورًا من قوله تعالى: “يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ” [المجادلة: 11].
ومقامكم هذا ليس مقام تحصيلٍ فحسب، بل مقام بناءٍ للأمّة وصياغةٍ للعقول والمناهج.
إنّ الوطن اليوم يعلّق عليكم آماله في أن تُعيدوا إلى العلم مكانتَه، وإلى الفكر الجزائريّ أصالته، وإلى الجامعة دورها الرياديّ في بناء الحضارة.
لقد كان الجيل الذي سبقكم، أيّها الأبناء والبنات، يجاهد لتحرير الأرض؛ وأنتم مطالبون اليوم بـجهادٍ من نوعٍ آخر: جهاد العلم، وجهاد الوعي، وجهاد القيم والأخلاق.
فالأمم والشّعوب لا تُحفظ بالحدود وحدها، بل بالعقول النيّرة، والأيدي النّظيفة، والضّمائر الحيّة، والسّواعد القويّة.
خامسًا: عن أخلاق العالم وطالب العلم:
لقد علّمنا القرآن أنّ العلم، إذا لم يتهذّب بالأخلاق، ويتزيّن بالإيمان، كان وبالًا على صاحبه؛ فقد قال الله تعالى عن سيّدنا آدم، عليه السّلام: “وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا”؛ وأسجد له الملائكة؛ ولكنّه أخرجه من الجنّة، حين نسي العهد؛ ثمّ تاب عليه. وفي ذلك تعليم لنا، نحن أبناءه، أن ليس العلم بما تعرف، بل أن تتّقي الله فيما عرفت.
إنّ طالب العلم في تراثنا الأصيل ليس متلقّيًا فحسب، بل هو مجاهدٌ في ميدان النفس ومراقبة السلوك؛ يطلب العلم ليعمل به، ويُعلّمه بصدق وأمانة ووفاء، ويُزيّنه بالحكمة والتّواضع والحياء.
والعالم الحقّ ليس من يعرف كثيرًا، بل من يُصلح بما يعرف، ويهدي بعلمه، ويُعلّم برفقٍ ورحمة. قال الإمام مالك، رحمه الله: “إنّ هذا العلم دينٌ، فانظروا عمّن تأخذون دينكم”.
فاحرصوا، أبنائي الطّلبة، أن تكونوا من العلماء العاملين، لا من المتعالمين المتكلّمين؛ واحذروا آفة الغرور، في ميدان العلم، أخذا وعطاء، فإنّها أوّل ما يُطفئ نور الفهم؛
واجعلوا من العلم عبادةً، ومن الأخلاق زينةً، ومن الصبر سلّمًا؛ فإنّ طريق المعلّم والمتعلّم طويلٌ، لكنّ نهايته السكينة والتمكين.
سادسًا: بين الجامعة والجامع – تكامل لا تقابل:
أيّها الحضور الكريم.
إنّ العلاقة بين الجامعة والجامع ليست علاقة تنافسٍ أو مفاضلة، بل علاقة تكاملٍ ووحدة رسالة: فالجامعة تبني العقول، والجامع يطهّر النفوس؛ وإذا التقى النوران، أثمرت الأمّة عقلًا راشدًا، وفكرًا سويّا، وقلبًا طاهرًا، ومجتمعًا متماسكًا.
من هنا؛ فإنّ جامع الجزائر يمدّ يده لكلّ جامعة ومركز بحثٍ في الوطن، لتكون المعرفة في بلادنا ذات روحٍ إنسانيّةٍ وقيم أخلاقيّةٍ؛ ولكي نُعيد إلى التعليم وجهه المشرق: أن يكون طريقًا إلى الفضيلة، قبل أن يكون وسيلةً إلى الوظيفة.
سابعاً: عن الرّهانات الرّاهنة:
إنّنا نعيش زمنًا صعبًا تتقاطع فيه رهانات السياسة والاقتصاد والمجتمع. لكنّ أخطر التحدّيات هو رهان الإنسان نفسه: فهل نستطيع أن نحافظ على إنسانيّتنا في عالمٍ مادّيٍّ يختزل الإنسان في رقمٍ أو وظيفة؟ وهل يمكن أن نبني تنميةً حقيقيّةً، دون أن نُعيد الاعتبار إلى الأخلاق، وإلى العقل والضمير؟
إنّ بلادنا، والحمد لله، تعيش اليوم مرحلةً من اليقظة الوطنيّة المتجدّدة؛ وهي تسعى إلى بناء دولةٍ عادلةٍ، قويّةٍ بأبنائها، مستقلّةٍ في قرارها، متصالحةٍ مع تاريخها، منفتحةٍ على واقعها، عاملة لبناء مستقبلها.
ولن يتحقّق ذلك إلّا بعقولٍ مستنيرةٍ، راسخةٍ في مرجعيّتها، ساعية بإخلاص إلى تَبَوُّءِ أمّتنا مكانتها المستحقّة بين الأمم.
هذا، ويطيب لي في الختام، أتوجّه بالنّصح لأبنائي الطّلبة وبناتي الطّالبات:
أنتم رصيد الوطن، وعماد نهضته، وعدّة حاضره ومستقبله.
لا تجعلوا من الشهادة سقفًا لطموحكم، بل سلّمًا لخدمة وطنكم ورقيّ أمّتكم.
تذكّروا دائمًا أنّ التفوّق الحقيقيّ لا يُقاس بالدّرجات وحدها؛ بل بما تقدّمونه للوطن من علمٍ نافع، وعمل صالح، وفكرٍ سديد، وسلوكٍ مستقيم.
كونوا جيل الأمّة المنشود، يبني بالعلم، ويشيّد بالعمل، ويُصلح بالأخلاق والقيم.
حفظكم الله ورعاكم، وجعلكم قرّة أعين لأمّتكم؛ وأصلح لنا ولكم الحال والمآل، وبلّغنا فيما يرضيه الآمال.
نسأله تعالى أن يجعل يومنا خيرًا من أمسنا، وغدنا خيرًا من يومنا، وأن يجمع قلوبنا على التّقى، ونفوسنا على الهدى، وعزائمنا على الرّشد، وعلى حبّ الخير، وخير العمل. إنّه وليّ ذلك والقادر عليه.
والحمد لله ربّ العالمين.

