كلمة افتتاحيّة للسيّد العميد، في ندوة “رسول من أنفسكم”، المنظّمة بالمركز الثقافي لجامع الجزائر
يوم الاثنين 15 ربيع الأوّل 1447هـ، الموافق 08 سبتمبر 2025م
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الّذي أنعم على البشريّة بخير خلقه، وبعث فينا خاتم أنبيائه ورسله، أرسله رحمة للعالمين، وهاديًا للناس أجمعين. وصلّى الله وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد، النبيّ المصطفى الأمين، وعلى آله الطيّبين الطاهرين، وسائر صحابته والتّابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدّين.
أمّا بعد؛
حضرات السّادة والسيّدات، أيّها الحضور الكريم، كلّ باسمه ومقامه.
مازلنا نشهد نفحات الشهر الكريم، شهر ربيع الأنوار، شهر ميلاد خير البريّة وسيّد المرسلين. ففي مثل هذا الشهر المبارك، أشرقت شمس الرّسالة، وامتلأت القلوب نوراً؛ إذ ولد المصطفى، صلّى الله عليه وسلّم، فكان مولده فاتحة عهد جديد، في تاريخ الإنسانية كلّها. إنّه ميلاد الرحمة المهداة، الّتي قال فيها ربّنا جلّ في علاه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]. وحُقّ لنا، معشر المؤمنين، أن نفرح برحمة الله. ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58]
لقد جرت عادة المسلمين على إحياء ذكرى المولد النبوي الشريف بالفرح والابتهاج، لا باعتبارها مناسبة زمنيّة، وموسما دينيّا فقط، بل لكونها فرصة عظيمة لاستحضار مقاصد الرسالة النبويّة؛ والتذكير بجوامع سيرته العطرة، وخصائصه الفريدة، وشمائله المضيئة، عليه الصّلاة والسّلام.
إنّها مناسبة لنا أن نتأمّل في وضيء سيرة المصطفى، صلّى الله عليه وسلّم، لنقتبس منها ما نداوي به نفوسا طال أمد مرضها، وعزائم تراخت وفقدت صلابتها ومضاءها، وأذواقًا أفسدتها نخبة النعيم، في ظلّ حياة مادّية طاغية. هي مناسبة لنا لكي ننهض بالمسؤوليّة الملقاة على عاتقنا في تقديم دين الإسلام للبشريّة، بسماحة دعوته، وبوسطيّته وعدالة شريعته.
إنّ التظاهرات العلمية والثقافيّة، والمجالس المولديّة، التي تنظّم في مشارق الأرض ومغاربها، ما هي إلّا سبيل لإرساخ الإيمان برسول الله ﷺ، وتعميق محبّته في القلوب، وإحياء سنّته في الأعمال والسلوك، وغرس قيمه السّامية في النشء والأجيال. فهي وسيلة مثلى لتجديد العهد مع الحبيب المصطفى، عليه الصّلاة والسّلام، والاقتداء بأسوته الحسنة، والتمسّك بسنّته الطّاهرة؛ وذلك، لعمري، هو الطريق الأقوم إلى تحقيق طاعته، وصدق محبّته، والفوز بشفاعته.
أيّها الحضور الكريم؛
إنّ الله تعالى امتنّ على المؤمنين بالنعمة المسداة، وما أعظمها من نعمة، فقال عزّ من قائل: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [آل عمران: 164]. فقد بعث الله رسوله ومصطفاه معلّماً ومزكّياً، يطهّر العقول من خرافات الشرك وأباطيله، ويغذّيها بالعلم والمعرفة، ويزكّي القلوب والنّفوس بالإيمان، ويهذّب السّلوك بمكارم الأخلاق.
ولمّا كان النبيّ، صلّى الله عليه وسلّم، هو المنبئ عن وحي الله، الموضّح لكلمته، الحامل لهدايته، بالأقوال والأفعال، لمّا كان بهذه المنزلة العالية والمقام السّامي، كان حبّه أصلًا من أصول الإيمان، لا ينفكّ عن حبّ الله، ولا يؤمن أحد، حتّى يكون حبّه لله، وحبّه لرسوله حبّا متمكّنا في النفس. قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران: 31].
إنّه، إذا ما عمر القلبَ حبُّ رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، فإنّ النعمة الكبرى يجدها المحبّ، أوّلا. روى البخاري ومسلم، عن أنس، رضي الله عنه، قال، قال رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم: “ثلاث من كنّ فيه، وجد حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه ممّا سواهما، وأن يحبّ المرء، لا يحبّه إلّا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر، كما يكره أن يقذف في النّار”. إنّ الفائدة الكبرى في الدّنيا هي الشّعور بالغبطة، وأن يتحوّل المؤمن تحوّلا جذريّا، في تركيبه الدّاخلي، وبعلاقته بالبشر والكون والحياة.
ولقد كان حبّ الصّحابة لرسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، حبّا عارما قويّا. روى الطبراني عن عائشة أمّ المؤمنين، رضي الله عنها، وابن عبّاس، رضي الله عنه: “أنّ رجلًا، قيل هو ثوبان، مولى رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، أتاه فقال: يا رسول الله، لأنت أحبّ إليّ من أهلي ومالي؛ وإنّي لأذكرك، فما أصبر حتّى أجيء، فأنظر إليك؛ وإنّي ذكرت موتي وموتك، فعرفت أنّك، إذا دخلت الجنّة، رُفِعت مع النبيّين، وإذا دخَلتُها لا أراك. فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا. ذَٰلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾. فدعاه وقرأها عليه. وكان رجل عند النبيّ، صلّى الله عليه وسلّم، ينظر إليه لا يُطرِق، فقال: ما بالك؟ قال: بأبي أنت وأمّي، أتمتّع من النّظر إليك. فإذا كان يوم القيامة، رفعك الله بفضله، فأنزل الله الآية”.
وروى الأصفهاني في الترغيب، أنّ رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، قال: “من أحبّني كان معي في الجنّة”. ولكنّ حبّ رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، يتجاوز الآماد، ونوره ومنّته لم تقف عند حدود حياته الشّريفة. كيف لا وهو الرّسول الأعظم، الخاتم للنبوّة، المرسل للنّاس كافّة، في جميع الأزمان والأوطان. روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، رضي الله عنهما، أنّ رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، قال: ” من أشدّ النّاس حبّا لي ناس يكونون بعدي، يودّ أحدهم لو رآني بأهله وماله”.
وإنّنا هنا لنتعلّم أنّ محبّته الصادقة تعني تقديم أمره على هوى النفس، وتعظيم سنّته على نزعات الدنيا، حتى يكون صلّى الله عليه وسلّم أحبّ إلينا من أنفسنا وأهلنا وأموالنا.
أيها الأحبّة، أحباب رسول الله ﷺ ؛
إنّ مقاصد الاحتفال بذكرى مولده الشريف، إنّما هي إحياء المعاني: أن نتذكّر ونذكّر أنّه، غليه الصّلاة والسّلام، كان قرآناً يمشي على الأرض، وأن نغرس في حياتنا الرحمة الّتي بُعث بها، فنكون دعاة للخير، بناة للوحدة، رساليّين في خدمة ديننا، متعاونين على خدمة أمّتنا وأوطاننا.
وفي واقعنا المعاصر، نحن أحوج إلى الاقتداء بهدي المصطفى، صلّى الله عليه وسلّم، لنواجه التحدّيات، بروح التضامن والتعاون، ولنحفظ مرجعيّتنا الجامعة، ونبني وطننا على هدي القرآن وسنّة خير الأنام، وهو القائل عليه الصّلاة والسّلام: ” تركت فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي: كتاب الله وسنّتي”.
فتعلّقوا، يا عباد الله، بهذا الرّسول الكريم، وأحبّوه، وازرعوا حبّه في قلوب أبنائكم. وحبّه يكون بالتزام هديه، ونصرة دينه، وإحياء سنّته، وتوقير صحابته وأهل بيته، وكلّ ما يتّصل به، بسبب أو نسب، عليه أفضل الصّلاة، وأزكى التّسليم.
اللهمّ إنّا آمنّا به ولم نره، فأكرمنا في الدّارين برؤيته، وأحينا على سنّته ومحبّته، وتوفّنا على ملّته وطاعته، واحشرنا تحت لوائه وفي زمرته، واسقنا من حوضه الشريف شربة هنيئة مريئة، لا نظمأ بعدها أبدا، حتّى تدخلنا جنّاتك جنّات النّعيم.
برحمتك يا أرحم الرّاحمين.
والحمد لله رب العالمين.


