﷽

بلّغ الرّسالة، وأدّى الأمانة، وترك في الأمّة نورًا يهدي به الله إلى سبل السّلام.
اللهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا ونبيّنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين،
ومن اهتدى بهديه واتّبع سنّته إلى يوم الدّين.
حضرة الفاضل، السيّد عبد القادر بن جيمة، والي عين صالح المحترم؛
سماحة الشيخ عبد الرحمن بن محمّد الزّاوي، شيخ زاوية عليّ بن أبي طالب المكرّم المحترم؛
أصحاب الفضيلة المشايخ والعلماء والأئمّة الفضلاء، فرسان المنابر؛
حضرات السّادة نوّاب الأمّة؛
أسرة الإعلام؛
أيّها الحضور الكريم، كلّ باسمه ومقامه؛
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أمّا بعد؛
فيسعدني أن أشارككم هذا المؤتمر العلميّ، الذي يُعقد في ذكرى وفاة الشيخ محمّد بن عبد الرحمن بن أبي حفص الزاوي، الّذي عرفناه قامة علميّة؛ ولم يكن مجرّد اسمٍ في سجلّ الذاكرة، بل كان أثرًا ممتدًّا في الوجدان، ومدرسةً في الفهم، وسلوكًا في التّربية، وأنموذجًا لعالمٍ عاش دينه في مجتمعه، وحمل همّ أمّته في قلبه، قبل لسانه.
فحين نستحضر سيرته، رحمه الله، نجد مثالًا حيًّا لعالمٍ فهم التنوّع، فعاشه حكمةً، وضبطه علمًا، وجعله في خدمة وحدة المجتمع، لا في تمزيقه. فقد كان، كما عرفناه، عالمًا مربّيا،قريبًا من الناس، متشبّعًا بالمرجعيّة، متصالحًا مع واقعه، مؤمنًا بأنّ الدين يُعاش في الناس، لا يُفرض عليهم، ويُبنى به الوطن، لا يُخاصم به.
حضرات السّادة؛
إن اختياركم موضوع المؤتمر: “إشكالية تنوّع مصادر الثقافة الدّينية للمجتمع الجزائريّ، وأثرها في الحفاظ على الهُوّية الوطنية والنهوض المنشود”، اختيارٌ يعكس وعيًا علميًا عميقًا بسؤال اللّحظة الجزائرية؛ سؤال الهُوّية في زمن التعدّد، وسؤال الوحدة، في سياق الاختلاف، وسؤال النهوض في عالمٍ لا يرحم المتأخّرين.
لقد عرفت الجزائر، عبر تاريخها الطويل، تنوّعًا غنيًا في مصادر ثقافتها الدينية؛ من القرآن الكريم والسنّة النبويّة، إلى المدرسة المالكيّة، والعقيدة الأشعريّة، والتصوّف السنّيّ؛ ثمّ اجتهادات العلماء والمصلحين، وتفاعل المجتمع مع محيطه المغاربي والإفريقيّ والمتوسّطيّ. ولم يكن هذا التنوّع يومًا مصدر ضعف؛ بل كان، حين أحسنّا توجيهه، عامل توازنٍ وثراء، ورافدًا من روافد الصّمود في وجه محاولات الطّمس والاختراق.
غير أنّ الإشكال لا يكمن في التنوّع في حدّ ذاته؛ وإنّما في غياب ميزانٍ جامعٍ يضبط هذا التنوّع، ويمنع تحوّله إلى تنازع، أو انقسام، أو توظيفٍ إيديولوجيّ يُفرغ الدين من مقاصده؛ ويُربك علاقة الفرد بوطنه؛ ويشوّش على مسار النّهوض المنشود. فالثقافة الدينيّة، إذا انفصلت عن سياقها الوطنيّ، أو قُدّمت بلا فقهٍ للواقع، قد تتحوّل من عامل بناء إلى عنصر إرباك، ومن مصدر طمأنينة إلى مدخل قلق وتوتير.
إنّ الحفاظ على الهُوّية الوطنية الجزائرية لا يعني الانغلاق ولا المصادرة؛ كما أنّ الانفتاح لا يعني الذوبان أو التفريط. الهُوّية ليست جدارًا يُغلق، ولا ساحةً تُترك بلا حراسة،بل هي بناءٌ حيّ، يتقوّى بالمرجعيّة، ويتجدّد بالاجتهاد، ويحيا بالتوازن بين الثابت والمتغيّر. وفي هذا السّياق، تبرز مسؤوليّة العلماء والمؤسّسات العلمية في ترشيد مصادر الثقافة الدينية، وتقديمها في خطابٍ جامعٍ، يرسخ الانتماء، ويحصّن الوعي، ويخدم مشروع الدولة في الاستقرار والتنمية.
أيّها الحضور الكريم
إنّنا مدركون لسرعة التطوّر الّذي طبع مختلف مجالات الحياة، في عصرنا هذا. وإنّنا واعون بضرورة التّفاعل مع هذا التّطوّر. نحن ندرك أنّنا طرف في صراع حضاريّ غير متكافئ؛ ولكنّ ذلك لا ينبغي أن يثنينا عن السّعي لتحقيق معاني التّفاعل الإيجابيّ مع الغير، والتفتّح الواعي عليه، والاستفادة الحكيمة ممّا لديه، والإصرار على إظهار ما عندنا، ممّا هو حقّ، لا يمكن التّغاضي عنه، ولا المساومة فيه.
وإنّنا، في جامع الجزائر، نؤمن بأنّ النهوض المنشود لا يمكن أن يتحقّق دون ثقافة دينية وطنية، واعية بمقاصدها، منفتحة على زمانها، متجذّرة في أرضها، قادرة على أن تجمع بين الإيمان العميق، والعمل المنتج، والولاء للوطن. ثقافةٌ تُخرّج إنسانًا متوازنًا لا متصادمًا، بانيًا لا هادمًا، مُصلحًا لا مُستَلبًا؛ تكون حياته مصداقًا لأفكاره؛ فيعيش داخل مجتمعه، يحمل عقلًا راشدًا، وفكرًا سويًّا، وضميرًا حيًّا. ثقافة تبني مجتمعا، يفصل بوعي بين الثوابت والمتغيّرات، في تطوير حياته؛ فيظلّ متمسّكا بالمبادئ والأصول، يعضّ عليها بالنّواجذ، متشدّدا في الثّوابت الخالدة خلود العقيدة الّتي أثمرتها؛ ويكون، في الوقت ذاته، مرنًا في التّعامل مع المتغيّرات، باعتبارها مجرّد أساليب ووسائل وكيفيّات، يجب أن يكتسبها كلّ جيل ليعبّر بها عن عصره وزمانه.
وخلاصة القول: إنّنا نتّجه في غايتنا إلى بناء الفرد المسلم، الّذي يتعلّم دينه على الوجه الصّحيح، فيحسن فهمه، ويحسن العمل به؛ ونتطلّع إلى بناء الإنسان المتوازن، الّذي يؤمن بانتمائه الإسلاميّ الواحد، ويرفض التّجزئة والطّائفيّة، وينبذ التطرّف والغلوّ، ويمقت التعصّب والأنانيّة.
وفي تقديرنا أنّ هذا المسعى يبلغ غاياته، ويحقّق أهدافه، إذا توحّدت الجهود، وكان التنسيق بين القائمين على مؤسّسة الزوايا العلميّة، والمؤسّسة المسجديّة، وبين الجهات والقطاعات المسؤولة على المناهج الدّراسيّة والمقرّرات الجامعيّة، والبرامج الإعلاميّة والثقافيّة.
إنّ ما نطمح إليه: هو برنامج تربويّ متكامل، يستلهم من ذخائر تراثنا العلميّ الزّاخر، في المجالات الرّوحيّة والتربويّة والثقافيّة؛ ويربط برباط محكم بين العلم والعمل؛ ويجمع في انسجام وتوازن بين الجانب التّشريعيّ والجانب الرّوحيّ من تعاليم الإسلام؛ لترتبط الحياة الرّوحيّة بالحياة الاجتماعيّة؛ فذلك هو المنهج الصحيح لبناء شخصيّة المواطن السّويّة المتوازنة، وإعداده للحياة المتكاملة، المبنيّة على مراعاة الجمع بين العمل بالإسلام واتّباع آدابه، وبين الاجتهاد في الوصول إلى العمق الرّوحيّ للعبادات والأخلاق الإسلاميّة؛ والعمل لترقية حياة الأمّة المعنويّة والمادّية.
وفي الختام: نسأل الله تعالى أن يوفّقنا ويهدينا سبل السّلام، ويشرح صدورنا للإسلام. فإنّه من يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام. نسأله، سبحانه، أن يبارك ملتقانا، ويجعل أعماله لبنةً في إرساخ ثقافة دينيّة وطنيّة جامعة، تحفظ للجزائر هُوّيتها، وتعزّز وحدتها، وتفتح أمامها آفاق النهوض المأمول، والإقلاع الحضاريّ المنشود؛ وأن يجزي القائمين على هذه المنارة الجزاء الأوفى، ويديم عمارتها بالقرآن والإيمان والإحسان.
والله وليّ الإعانة والتّوفيق.
والحمد للّه ربّ العالمين.

