Scroll Top

كلمة عميد جامع الجزائر في افتتاح ملتقى: بروتوكولات التكفّل بفترة الحمل والولادة وفترة ما بعد الولادة

 كلمة عميد جامع الجزائر، السيّد محمّد المأمون القاسمي الحسني  

في مراسم الافتتاح المخصّصة لـ:

“بروتوكولات التكفّل بفترة الحمل والولادة وفترة ما بعد الولادة”

يوم الاثنين 17 جُمَادَى الآخرة 1447هـ، الموافق 08 ديسمبر 2025م

المركز الثقافي – جامع الجزائر

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيّدنا ونبيّنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين. كان خير من حمل الأمانة، وبلّغ الرّسالة، ونصح الأمّة؛ وكشف الله به الغمّة، وتركنا على المحجّة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلّا هالك.

 

أمّا بعد؛

فالسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

أخي الفاضل، السيّد محمّد الصّديق مسعودان، وزير الصحّة المحترم؛

حضرات السّادة والسيّدات، الأطبّاء والباحثين، أصحاب المراتب والاختصاص؛

أيّها الحضور الكريم؛

يُسعدني أن أرحّب بكم في رحاب جامع الجزائر، حيث نشهد مراسم الافتتاح المخصّصة لـبروتوكولات التكفّل بفترة الحمل والولادة وفترة ما بعد الولادة. وإنّ إطلاق هذا العمل، هو شهادةٌ على وعي الدولة برسالة الإنسان؛ وعلى إدراكها أنّ العمران لا يُبنى بالحجر وحده؛ بل يُشَيَّدُ بالفرد الّذي يَحمل الحياة، ويحفظها، ويصون كرامتها.

 

حضرات السّادة والسيّدات؛

إنّ العناية بالحمل والولادة ليست شأنًا طبيًا فحسب؛ بل هي، في الجوهر، قضيّة حضارية. فالأمّة التي تعتني بالأمومة هي أمّة تصنع مستقبلها قبل أن يأتي، وتحمي الأجنّة قبل أن تُبصر النور. وقد قال الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ، حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾؛ فجعل القرآنُ الحملَ جهادًا صامتًا، تُؤدّيه المرأة ببدنها وروحها؛ وأكّد أنّ رعايتها ليست مجاملةً اجتماعية، بل واجبٌ شرعي وأخلاقي وإنسانيّ.

ومن أعظم ما نستحضره في مثل هذه المناسبات، أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جعل سلامة الأمّ ورعايتها فوق كلّ اعتبار؛ حين قال للرّجل الذي أراد الجهاد: “فالْزَمْها، فَثمَّ الجَنّة”.

لقد خصّ الإسلام الأمّ بمزيد من العناية والاهتمام؛ ففيها يتمثّل أكرم ما في الحياة البشريّة من معاني الإنسانيّة؛ وهو المعنى السّامي للأمومة. وأيّ امرئ يستقيم منه الحسّ والنّفس، وتستقيم فيه العاطفة والعقل، تغمره البهجة والحبور، حين يُوفَّق في تقدير الأمومة، وتكريم الأمّ الّتي تحمل عبء الحياة؛ وتعمل على وصل أسبابها، وتجاهد في سبيلها، وتكافح وتناضل، وتتعب وتسهر من أجلها. إنّها الأمومة الّتي غمرت مدخل الحياة، وموكب الأحياء، بأفضل ما يدفعها إلى مواطن الخير والفضل والإحسان، ويصدّها عن أوحال الشرّ والبغي والفساد.

 

أيّها الحضور الكريم؛

إذا كان الشرع قد رفع قدر الأمومة، فإنّ الواجب علينا أن نرفع، في مؤسّساتنا ونُظمنا، جودة التكفّل الصحّيّ الّذي يحفظ هذه الأمانة.

إنّ إطلاق البروتوكولات الجديدة، التي أعدّتها وزارة الصّحّة بجهد علميّ مشهود، يشكّل خطوةً مهمّة في سبيل توحيد الممارسات الطّبّيّة، وتحديد معايير السلامة، وتقليل الأخطاء، والوقاية من المضاعفات. فالحمل، والولادة، وفترة النّفاس هي مراحل دقيقة، قد تتحوّل، إن فُقِد التنظيم، وغابت المهنيّة، إلى منعرجات خطرة تهدّد حياة الأمّ أو المولود.

 

وهنا يبرز سؤال عميق في جوهره:

 كيف نبني منظومة صحّيّة تُعامل الأمّ، لا باعتبارها “حالة”، بل باعتبارها “رسالة”؟؛

وكيف نضمن أن نرتقي بمعنى التكفّل، من مجرّد إجراء إداريّ، إلى كونه مشاركة إنسانيّة محكومة بالعلم، ومشحونة بالرحمة؟

 

إنّ الإجابة، في نظرنا، تبدأ من ثلاثة أركان أساسية:

 

الركن الأول: العلم المنهجيّ، والطبّ المبنيّ على الدليل؛

إذ العلم هو الأساس الذي تُبنى عليه البروتوكولات. فلا اجتهاد مع وجود نتائج البحث؛ ولا ارتجال مع وجود الدليل العمليّ. وإنّ الممارسة الطبّية الحديثة أصبحت تعتمد على التوصيات العلميّة الدقيقة، الّتي تتطوّر كلّ عام، لتستجيب لخطرٍ جديد، أو لمعلومة جديدة، أو لتقنية أكثر كفاءة.

 

وهنا يأتي دور البروتوكولات التي نطلقها اليوم:

أن تُوحِّد، وتُنظّم، وتُقنِّن؛ فلا تتناقض الممارسات، ولا يختلف التكفّل من ولاية إلى أخرى، ولا من مؤسّسة إلى أخرى.

 

الركن الثاني: احترام كرامة الأمّ وحقّها في الرعاية الآمنة.

إنّ الأمّ، في لحظة المخاض، أو ما بعدها، تكون في أضعف حالات الإنسان، جسدًا وروحًا.

وهذا يفرض علينا:

  • أن نضمن لها معاملة تليق بكرامتها؛
  • أن لا تشعر بالخوف ولا التهميش؛
  • أن تُعامَل كإنسان كامل الحقوق، لا كـ”ملفّ” على طاولة الانتظار.

وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: “المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقّره”؛ وكلّ ازدراء أو تقصير تجاه امرأة حامل هو، في الميزان الأخلاقيّ، خذلانٌ للإنسان في أضعف لحظاته.

 

الركن الثالث: التكامل المؤسّساتي بين الصّحّة، والدين، والمجتمع

إنّ الرعاية لا يصنعها قطاع وزاريّ واحد، لأنّها تتعلّق بالإنسان، في أعمق مراحله، وأكثرها حساسيةً. ولهذا، نحن نثمّن التعاون بين وزارة الصحة، ومنظّمة اليونيسيف، وجامع الجزائر؛ إذ إنّ سلامة الأمومة تحتاج إلى: قطاع طبّيّ متقن؛ ووعي مجتمعيّ ناضج؛ وتأطير روحي وأخلاقيّ، يعيد الاعتبار لمعنى الأسرة، ومعنى الأمان، ومعنى الحياة.

 

حضرات السّادة والسيّدات؛

إنّ الجزائر تعيش اليوم دينامية إصلاح واسعة، تقوم على الاهتمام بالإنسان، وتحسين الصّحّة العموميّة، وتطوير القدرات المؤسّساتية.

وإنّ إدراج جودة التكفّل بالحامل والنفساء، ضمن هذه الإصلاحات، أعمق من اعتباره تدبيرا إداريّا محضا، بل هو اختيار حضاريّ، يضع صحّة الأمّ والطفل في مقدّمة أولويّات الدولة.

 

ولعلّ من التحدّيات الّتي يجب أن نُواجهها بجرأة، ما يأتي:

  1. 1. النقص في الوعي الصحيّ، والتردّد في متابعة الحمل؛
  2. 2. العادات الاجتماعية الخاطئة الّتي تؤخّر التوجّه إلى المستشفى، والتماس الاستشارة الطبّيّة؛
  3. 3. نقص التكوين المستمر، وضغط العمل على الفرق الطبّيّة ؛
  4. 4. ضعف التواصل بين الطبيب والمريضة في بعض الحالات.

وهذه التحدّيات، لا تُواجَه بالقانون وحده، ولا بالخطاب وحده، بل عبر منهج متكامل يجمع بين التكوين، والتحسيس، والتنظيم، والدعم النفسيّ، والتعاون والتنسيق بين القطاعات.

 

أيّها الحضور الكريم؛

إنّ جامع الجزائر، وهو يحتضن هذا اليوم العلميّ، يؤكّد أنّ رسالته تمتدّ إلى صون الحياة، والدفاع عن كرامة الإنسان، ودعم كلّ عمل يرفع قيمة الأمومة ويحمي النشء. وإنّنا نؤمن بأنّ الصّحّة الجيّدة ليست حقًّا فحسب؛ بل هي عبادةٌ من وجهٍ آخر، وقربةٌ إلى الله تعالى، لأنّ فيها حفظًا للنفس التي جعلها الشرع إحدى الضروريات الخمس.

 

وفي نهاية كلمتي، اسمحوا لي أن أوجّه ثلاث رسائل:

أوّلًا: إلى الأطبّاء والقابلات والممرّضين

أنتم حرّاس الحياة، وصنّاع الأمان الأول. وكلّ روح تولد على أيديكم هي شهادة لكم يوم القيامة، فاجعلوا عملكم عبادة ورسالة، قبل أن يكون مهنة ووظيفة.

ثانيًا: إلى الأُسر

أن يتعاملوا مع الحمل بوعي ومسؤوليّة؛ وأن يجعلوا المتابعة الصحيّة جزءًا من واجب حماية النفس.

ثالثًا: إلى الشركاء الوطنيّين والدوليين

أن يستمرّوا في دعم البرامج التي تنقذ الأرواح، وتُعزّز كفاءة المنظومة الصحّية.

 

وفي الختام؛

أسأل الله تعالى أن يبارك هذا الجهد العلميّ، والعمل التنظيميّ؛ وينفع به البلاد والعباد؛ وأن يجعل من كلّ مبادرة تحفظ حياة أمّ أو مولود صدقةً جارية، تُكتب عنده في سجلّ المبّرات، وسبل الخيرات.

والله وليّ الإعانة والتوفيق.

والحمد لله ربّ العالمين.