Scroll Top

كلمة عميد جامع الجزائر في افتتاح الملتقى الكشفي العربي لروّاد الكشّافة والمرشدات

أشرف عميد جامع الجزائر، السيّد محمّد المأمون القاسمي الحسني، على افتتاح الملتقى الكشفي العربي لروّاد الكشّافة والمرشدات، الّذي نظّمته القيادة العامّة للكشّافة الإسلاميّة الجزائريّة، في فندق “أولمبيك”، بدالي إبراهيم يوم السّبت 26 ذي القعدة 1446ه، الموافق 24 مايو 2025م.
وممّا جاء في كلمته الافتتاحيّة:
” أنا سعيد بحضوري معكم هذا اللّقاء المتميّز بعنوانه، تميّز هذه المدرسة الإسلاميّة الأصيلة، مدرسة الكشّافة الإسلاميّة الجزائريّة، الّتي أعدّت للأمّة أجيالاً صالحة، غرست في نفوسهم القيم الروحيّة والوطنيّة، وحصّنتهم بمعاني الإيمان ومكارم الأخلاق”.
” إنّنا نقف اليوم وقفة إجلال وعرفان لأولئك الرّجال الأحرار، للرّعيل الأوّل من قادة الكشّافة الإسلاميّة الجزائريّة، الّذين انخرطوا في النّضال، ضمن الحركة الوطنيّة، ثمّ الجهاد في ثورة التحرير. وكان منهم الشّهداء؛ وبينهم مؤسّس الكشّافة محمّد بوراس، رحمه الله؛ وجاء بعدهم من أسهموا في عهد البناء والتعمير؛ وما زال الخلف الصالح على خطاهم، بعون الله، يسير”.
” من خصوصيّات المدرسة الكشفيّة أنّها انتهجت السبيل الأرشد، واختارت المنهج التربوي الأصيل، الّذي يربط برباط محكم بين التوجيه الراشد، والسّلوك العملي في الحياة. بين التعليم والتربية. والتعليم، كما تعلمون، تلقين للمعلومات في الأذهان. التعليم يتّجه إلى العقل وإلى الذاكرة. والتربية تتّجه إلى النّفس وإلى الرّوح. هي تهذيب وتأديب، تطبيق وممارسة، تصرّف وسلوك. وفي التّعليم: كثيراً ما تُقدّم الدّروس، بطريقة إلقائيّة تلقينيّة، لا حياة فيها ولا روح، فلا يتأثّر التلميذ، وقد لا يقتنع ولا يستجيب. وفي الغالب، ليس هناك ربط بين المبادئ وقيم الدّين، وبين الحياة الاجتماعيّة، ليس هناك ربط بين النظريّة والتطبيق، ولا بين تعليم الدّين، وأداء شعائر الدّين. وهذا الربط مفقود أيضاً في وسائل الإعلام، وفي وسائل التوجيه والتأثير. والمنهج التّربويّ القويم هو الّذي يجمع، في انسجام وتكامل، بين الجانب التّشريعي والجانب الرّوحي من الإسلام؛ وبه ترتبط الحياة الرّوحيّة بالحياة الاجتماعيّة؛ ومن ثمّ تتحقّق الحياة الإسلاميّة المتوازنة المتكاملة”.
” إنّ الشباب هم العصب في الحياة، هم الفئة المأمولة، في حاضر الأمّة وفي مستقبلها، إذا أحسنّا تربيتهم، وتنشئتهم على الفضيلة والاستقامة، وحصّنّاهم على قواعد الإسلام وأركان الإيمان. والشّباب الّذي يكون عدّة حاضر الأمّة وعمدة مستقبلها، هو الّذي يتسلّح بالعلم والمعرفة، ويتحلّى بمكارم الأخلاق وزينة الإيمان. وهؤلاء من تسعد بهم أمّتهم، وتحقّق التقدّم والمجد على أيديهم”.
” في التّنويه بالشّباب : نقرأ لسيّدنا ورائدنا رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، قوله: “استوصوا بالشّباب خيراً، فإنّهم أرقّ أفئدة، إنّ الله بعثني بشيراً ونذيراً، فحالَفَني الشّباب وخالفني الشّيوخ، فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم”.
“حين نتحدّث عن الشّباب اليوم، نتحدّث عمّا يتربّص به من مخاطر، في ظلّ الأوضاع السّائدة، ودعوات الإباحيّة والتّغريب؛ حيث يراد لمجتمعاتنا أن تكون نسخةً من المجتمعات المنحلّة؛ وفيها يترك الحبل على القارب للنّاس، يعيشون كما يشتهون. يراد أن ينشأ في الأمّة جيل لا يحفل بدينه، ولا يقيم وزنا لقيمه وثوابت أمّته.
وهنا تظهر لنا حتميّة العمل لأخلقة الحياة العامّة، في ميادينها المختلفة؛ وتظهر الحاجة الماسّة إلى مكافحة الانحرافات والآفات الاجتماعيّة، وتنقية البيئة الإعلاميّة والثقافيّة من أشواك الجاهلين، وتطهيرها من العابثين بأخلاق الأمّة… الّذين يعيثون في الأرض فسادًا، بلا ضابطٍ ولا زاجرٍ، ومن غير وازعٍ ولا رادعٍ. وقد قال الشاعر: وإذا أُصيبَ القومُ في أخلاقهمْ فأقمْ عليهمْ مأتمًا وعويلا”.

” إنّ الوقاية خيرٌ من العلاج، والحذر من مواطن الخطر أجدى من محاولة النّجاة منها، بعد الوقوع فيها. وإنّ ممّا عُرف من حال مجتمعاتنا أنّنا لا ننتبه للضّرر إلّا بعد استفحال الخطر؛ ولا نبحث عن العلاج والدّواء إلّا بعد تحكّم العلّة وانتشار الدّاء. ولا خير في الفكرة بعد أوانها، ولا فائدة في الرّأي الّذي لا يعالج المشكلة في إبانها. يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ. ﴾ (الأنفال: 25)
هنا: التحذير من مخاطر التعرّض للفتنة، ومخاطر الوقوع فيها: واتّقوا فتنة، أي احفظوا أنفسكم، وصونوا بنيانكم من التعرّض للفتنة، الّتي قد تبدأ صغيرة أو مستورة، ثمّ تتزايد، وتتوارد. فإذا معظم النّار من مستصغر الشرر؛ وإذا الفتنة يتّسع خرقها على الرّاقع، فتُصيب الفاسد والصّالح. أمّا الفاسد، فلأنّه سعى في المنكر وإشاعة الفساد؛ وأراد به الشّرّ والخلل والانحراف. وأمّا الصالح، فلأنّه سكت عن المنكر، ولم يعاون في القضاء على الفتنة، ولا على أسبابها وبواعثها. والله تعالى أمر المؤمنين أن لا يقرّوا المنكر بينهم، ولا يسكتوا عليه، حتى لا يعمّهم الله بعذابٍ من عنده. ولذلك قال في ختام الآيات السّابقة: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾”.

” إنّ أمّتنا الإسلاميّة لا ينبغي لها أن تنسى، في حالٍ من الأحوال، شعار الاحتلال الأجنبيّ، كما كان في بلادنا: “فرّق تَسُد”. فما زالت قوى الاستكبار العالمي تسعى سعيها، من وراء ستار، لتفعيل هذا الشعار.
لا ينبغي لشعوبنا أن تترك نيران الأعداء موقدةً في ديارنا. فهذا التفرّق والتمزّق، هذا التصدّع الموجع، لا يستفيد آثاره إلّا عدوّنا، الّذي يتربّص بنا الدّوائر. لا يجوز للمسلمين أن يُضيفوا إلى نكبتهم بالعدوان، نكباتٍ أخرى، بصراعاتٍ داخليّة، لا تزيدهم إلّا ضعفًا وهوانًا”.

“فلنتّقِ الله في أنفسنا وأوطاننا، وفي حرماتنا ومقدّساتنا. فالعدوّ الصهيونيّ يتبجّح ويتحدّى كلّ يوم، ويستهتر ويتطاول. ولسنا ندري ماذا يكون المصير، من هول ما نرى ونسمع في كلّ يوم. نسأل الله تعالى أن يجعل حاضر الأمّة خيرًا من ماضيها، وغدها خيرًا من يومها؛ وأن يجمع قلوب أبنائها على التّقى، ونفوسهم على الهدى، وعزائمهم على الرّشد، وعلى حبّ الخير وخير العمل”.
﴿وَقُلِ ٱعْمَلُوا۟ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُۥ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
﴿وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِى ٱلسَّبِيلَ﴾
ولا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم